هل تنجح مرونة الزيدي في حصر السلاح؟
تختار حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي طريقًا حذرًا في واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق: حصر السلاح بيد الدولة. فبدل الذهاب مباشرة إلى مواجهة مع الفصائل المسلحة، تراهن بغداد على الحوار والتدرج والتفاهمات السياسية، من دون أن يعني ذلك، بحسب خطابها الرسمي، التخلي عن الهدف النهائي المتمثل في إنهاء أي سلاح خارج سلطة الدولة.
وتبدو هذه المعادلة هي جوهر مقاربة الزيدي للملف: مرونة في الوسيلة، وحسم في الهدف.
وأكد الزيدي أن حكومته لا تريد صدامًا عسكريًا مع الفصائل، وأن الحوار معها مستمر بشأن آليات تسليم السلاح وإعادة تنظيم وضعها. وقال إن بعض الفصائل اتخذت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، فيما تتواصل المفاوضات مع فصائل أخرى.
لكن الطريق لا يبدو قصيرًا، إذ لا تزال فصائل مسلحة نافذة ترفض تسليم ترساناتها، أو تحاول إعادة تعريف المسألة من «نزع السلاح» إلى «تنظيمه» أو وضعه تحت إدارة الدولة، وهي صيغة قد تسمح بتجنب الصدام لكنها لا تحسم بالكامل مسألة احتكار الدولة للقوة.
وتدرك بغداد أن فرض حصر السلاح بالقوة قد يفتح أزمة داخلية أكبر من المشكلة التي تسعى إلى حلها. فالفصائل المعنية ليست مجرد مجموعات مسلحة خارج النظام السياسي، وإنما ترتبط بأحزاب وقوى سياسية مؤثرة داخل بنية الحكم، كما أن بعضها جزء من هيئة الحشد الشعبي التي أصبحت رسميًا ضمن مؤسسات الدولة.
لذلك يبدو أن الحكومة تفضل تفكيك المشكلة تدريجيًا، عبر الحوار مع الفصائل والقيادات السياسية الشيعية، بدل تحويلها إلى مواجهة أمنية مفتوحة.
وتدعم قوى سياسية بارزة هذا المسار؛ إذ دخلت شخصيات مثل نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني في جهود للحوار مع الفصائل، في محاولة للوصول إلى صيغة تسمح بإخضاع السلاح لسلطة الدولة من دون تفجير الخلاف داخل البيت السياسي الشيعي. وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه الاتصالات تحقق تقدمًا، وأن الهدف هو الوصول إلى تسوية قبل أو حول استحقاق نهاية سبتمبر.
لكن مرونة الحكومة في إدارة الملف لا تعني، وفق خطابها، التراجع عن المبدأ نفسه.
فالزيدي يربط حصر السلاح بمفهوم أوسع للسيادة، ويعتبر أن قرار الحرب والسلام يجب أن يكون بيد الدولة وحدها. كما أن الحكومة تربط الملف بقدرتها على منع استخدام الأراضي العراقية في مهاجمة دول أخرى، خصوصًا في ظل التوتر الإقليمي المستمر بين واشنطن وطهران.
وهنا تتضح صعوبة المهمة. فبغداد تريد منع تحويل العراق إلى ساحة للمواجهة الإيرانية الأميركية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مع قوى مسلحة تربطها علاقات وثيقة بطهران.
ولهذا تبدو سياسة الحوار محاولة لبناء مساحة وسط بين مطلبين متعارضين: الاستجابة لمطلب الدولة العراقية في احتكار السلاح، وتجنب استفزاز الفصائل إلى درجة تدفعها إلى استخدام القوة.
يزيد اقتراب 30 سبتمبر من صعوبة الحسابات الحكومية. فقد ارتبط التاريخ في البداية بموعد لإنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة، لكنه أصبح مرتبطًا أيضًا بانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
وتشير تصريحات مسؤولين عراقيين أخيرة إلى أن حصر السلاح لن يتوقف عند هذا التاريخ، وأن العملية يمكن أن تستمر بصورة تدريجية بعد انتهاء مهمة التحالف. كما أوضح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أن 30 سبتمبر يمثل نهاية مهمة التحالف، وليس بالضرورة نهاية العملية الكاملة لحصر السلاح.
وقد يكون هذا التمييز مهمًا للزيدي؛ لأنه يمنح حكومته هامشًا للمناورة. فبدل تحويل نهاية سبتمبر إلى لحظة مواجهة صفرية بين الدولة والفصائل، يمكن التعامل معها باعتبارها محطة في مسار أطول.
لكن هذه المرونة تحمل خطرًا معاكسًا أيضًا: أن تتحول المهلة إلى مساحة مفتوحة للتأجيل والمساومة، بحيث يبقى مبدأ حصر السلاح قائمًا نظريًا، بينما تستمر الفصائل في الاحتفاظ بقدراتها العسكرية.
لا يمكن فصل الحسابات العراقية عن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن تريد من بغداد إجراءات ملموسة للحد من نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، بينما تريد الحكومة العراقية تجنب أن يصبح تنفيذ هذا المطلب مدخلًا لصدام داخلي أو سببًا في إعادة إشعال المواجهة على الأراضي العراقية.
وفي المقابل، فإن استمرار السلاح خارج القرار الحكومي يضع بغداد أمام مشكلة تتعلق بالسيادة، ويجعل قدرتها على ضبط أراضيها وقرارها الأمني موضع اختبار.
لذلك تحاول حكومة الزيدي تقديم حصر السلاح باعتباره قرارًا عراقيًا سياديًا، لا استجابة مباشرة لضغط أميركي أو محاولة لاستهداف إيران وحلفائها في العراق.
المشكلة التي تواجه الزيدي ليست في إعلان الهدف، وإنما في تحويله إلى نتيجة ملموسة.
فالحوار قد يكون الطريق الأقل كلفة سياسيًا وأمنيًا، وقد نجح بالفعل في دفع بعض الفصائل إلى خطوات باتجاه دمج أدوارها المسلحة داخل مؤسسات الدولة. لكن الفصائل الأكثر تشددًا لا تزال تربط مستقبل سلاحها بشروط أمنية وسياسية، وبعضها يرفض أصلًا الحديث عن تسليم الترسانة.
ومن هنا يصبح نجاح استراتيجية الزيدي مرهونًا بقدرته على الحفاظ على الحوار من دون أن يتحول الحوار إلى بديل دائم عن التنفيذ.