عودة واسعة للنازحين إلى جنوب لبنان رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية
بدأ مئات الآلاف من اللبنانيين رحلة العودة إلى مناطقهم في جنوب البلاد بعد تراجع حدة المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، في خطوة تعكس رغبة السكان في استعادة حياتهم الطبيعية، رغم استمرار الخروقات الأمنية والأضرار الكبيرة التي خلفتها الحرب على البنية التحتية والمناطق السكنية.
وأعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 800 ألف لبناني عادوا إلى مناطقهم الأصلية بعد موجة نزوح واسعة شهدها الجنوب خلال المواجهات الأخيرة.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" إن نحو 821 ألفاً و77 شخصاً بدأوا العودة إلى بلداتهم وقراهم حتى نهاية يوليو، بينما لا يزال أكثر من 360 ألف شخص في عداد النازحين، بينهم نحو 26 ألفاً يقيمون في مراكز إيواء حكومية.
وتأتي هذه العودة في ظل تراجع واضح في وتيرة القتال بعد أشهر من التصعيد الذي حوّل مناطق واسعة من جنوب لبنان إلى ساحات مواجهة، ودفع مئات الآلاف إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. إلا أن عودة السكان لا تعني انتهاء تداعيات الحرب، إذ يواجه كثيرون واقعاً صعباً يتمثل في الأضرار التي لحقت بالمنازل والطرق وشبكات الخدمات الأساسية.
وشهد لبنان توسعاً في المواجهات بعد دخول حزب الله على خط التصعيد الإقليمي، حيث أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل، لترد تل أبيب بحملة عسكرية واسعة شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً وعمليات برية في جنوب البلاد.
وأسفرت المواجهات عن نزوح واسع من القرى الحدودية التي كانت في قلب العمليات العسكرية.
ومع تراجع حدة المواجهات، بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى بعض المناطق الجنوبية، مدفوعة بغياب القصف المكثف والرغبة في استعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي. لكن السكان العائدين وجدوا أمامهم تحديات كبيرة، إذ ما زالت بعض القرى تعاني من أضرار في المنازل والمنشآت العامة، إضافة إلى مشاكل مرتبطة بالكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.
عودة السكان لا تعني انتهاء تداعيات الحرب، إذ يواجه كثيرون واقعاً صعباً يتمثل في الأضرار التي لحقت بالمنازل والطرق وشبكات الخدمات الأساسية.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والكهرباء أثرت على حصول أكثر من 700 ألف شخص على المياه في جنوب لبنان، وهي أزمة تضيف عبئاً جديداً على السكان الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم بعد النزوح.
ولا تزال العودة محفوفة بالمخاطر بسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية، حيث تشير تقارير إلى استمرار الغارات والقصف المدفعي وعمليات الهدم والتفجير في عدد من البلدات الجنوبية، رغم التفاهمات التي ساهمت في خفض مستوى التصعيد.
وتتزامن عودة النازحين مع مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، إذ يعقد الطرفان جولة جديدة من المحادثات في روما بهدف بحث ملفات مرتبطة بالوضع الأمني في الجنوب، بما في ذلك الانسحابات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
وكان اتفاق إطار قد تم التوصل إليه في يونيو الماضي بعد جولات تفاوض في واشنطن، ويتضمن بنوداً تتعلق بانسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، إضافة إلى مناقشة ملف سلاح حزب الله. غير أن الحزب رفض الاتفاق بصيغته الحالية، مؤكداً رفضه التخلي عن سلاحه أو الدخول في ترتيبات يعتبرها مساساً بدوره.
وتضع عودة مئات الآلاف من النازحين الحكومة اللبنانية أمام اختبار صعب، إذ يتعين عليها تأمين الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من أزمات اقتصادية ومالية عميقة تحد من قدرته على إعادة الإعمار.
وبالنسبة لسكان الجنوب، فإن العودة تمثل استعادة للارتباط بالأرض والمنازل، لكنها تأتي وسط مخاوف من تجدد المواجهات أو استمرار التوتر على الحدود. فبينما يرغب الأهالي في طي صفحة الحرب والعودة إلى حياتهم اليومية، تبقى الخروقات والدمار شاهداً على أن مرحلة ما بعد القتال لا تزال تحمل الكثير من التحديات.
وتعكس حركة العودة الواسعة رغبة اللبنانيين في تجاوز آثار الحرب، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم المهمة المقبلة لإعادة الاستقرار إلى الجنوب، حيث لا تزال التسوية السياسية والأمنية النهائية رهينة المفاوضات والتطورات الإقليمية.