دعم أميركي متجدد للمغرب.. الصحراء في قلب شراكة تتوسع إقليمياً

وكالة أنباء حضرموت

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيد موقف الولايات المتحدة الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في رسالة حملت أكثر من مجرد تهنئة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، إذ عكست استمرار النهج الأميركي الذي يعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد لتسوية النزاع حول الصحراء.

غير أن أهمية الرسالة لا تكمن فقط في إعادة تأكيد الموقف السياسي، وإنما في ربطه بإطار أوسع من الشراكة الاستراتيجية التي باتت تشمل الأمن الإقليمي، والاستثمار، والتنمية، والتعاون الدفاعي، بما يجعل قضية الصحراء جزءاً من رؤية أميركية أشمل تجاه شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

ويؤشر هذا الموقف إلى أن واشنطن لا تنظر إلى قضية الصحراء باعتبارها ملفاً منفصلاً عن التوازنات الإقليمية، بل باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء شراكة مع دولة ترى فيها حليفاً قادراً على الإسهام في تحقيق الاستقرار في محيط يشهد تصاعداً في التحديات الأمنية والسياسية، من منطقة الساحل إلى غرب البحر المتوسط.

وأكد ترامب، في برقيته إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل مقترحاً "جاداً وذا مصداقية وواقعياً"، مشدداً على أن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم جهود الاستقرار، وأن الولايات المتحدة ستواصل دعم المساعي الرامية إلى التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع.

ويحمل هذا التأكيد دلالات سياسية مهمة، لأنه يرسخ الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، والذي أعلن لأول مرة عام 2020، ويمنحه بعداً عملياً من خلال الدعوة إلى الانتقال من إدارة النزاع إلى الدفع نحو إنهائه، عبر مرجعية سياسية واضحة لا تترك مساحة كبيرة لخيارات بديلة.

ويرى متابعون أن الرسالة الأميركية تأتي في توقيت دبلوماسي حساس، يشهد حراكاً متجدداً حول ملف الصحراء، ما يعكس رغبة واشنطن في تثبيت موقفها وإرسال إشارة إلى مختلف الأطراف بأن مقاربة الحكم الذاتي لا تزال تمثل الأساس الذي تستند إليه السياسة الأميركية في التعامل مع هذا النزاع.

لكن الرسالة لم تقتصر على ملف الصحراء، بل ربطته بصورة مباشرة بالشراكة الأمنية بين البلدين. فقد أشاد ترامب بالدور الذي يضطلع به المغرب في مكافحة التطرف والإرهاب، ودعم جهود السلام وتعزيز الأمن الإقليمي، مؤكداً استمرار التعاون المشترك لتعزيز أمن منطقة الساحل، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق هشاشة من الناحية الأمنية.

ويعكس هذا الربط إدراكاً أميركياً للدور الذي بات يلعبه المغرب في محيطه الإقليمي، سواء عبر التعاون الاستخباراتي، أو المشاركة في المبادرات الأمنية، أو الانخراط في جهود التنمية والاستقرار داخل القارة الأفريقية.

كما يعكس اتجاهاً أميركياً إلى الاعتماد على شركاء إقليميين يمتلكون القدرة على المساهمة في إدارة الأزمات، في ظل تراجع الانخراط العسكري الأميركي المباشر في عدد من الساحات.

وتزداد أهمية هذا البعد مع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا، حيث أصبحت منطقة الساحل ساحة مفتوحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما يمنح المغرب موقعاً متقدماً في الحسابات الأميركية، بالنظر إلى استقراره السياسي وشبكة علاقاته مع الدول الأفريقية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل، رشيد لزرق، أن رسالة ترامب تعكس إرادة سياسية أميركية راسخة لتحويل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء إلى إطار عملي لتسوية النزاع، يقوم على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة للحل، بما يعزز الموقف المغربي ويحد من فرص العودة إلى مقاربات سابقة.

ويضيف لزرق في تصريح ل" العرب" أن الرسالة تؤكد أيضاً المكانة التي يحتلها المغرب كشريك محوري في أمن شمال أفريقيا والساحل، بالنظر إلى ما راكمه من خبرة في مجالات مكافحة الإرهاب، والتعاون الأمني، والتنمية، وهو ما ينسجم مع التطور الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.

ولا يقتصر التقارب بين الرباط وواشنطن على البعدين السياسي والأمني، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي، الذي يشهد توسعاً متواصلاً. فقد أشار ترامب إلى أن الرؤية التنموية التي يقودها الملك محمد السادس تفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الازدهار المشترك، مؤكداً أنه وجّه فرق عمله إلى تكثيف التعاون لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية.

ويحمل هذا التوجه دلالة خاصة، لأنه يربط بين الموقف الأميركي من الصحراء وبين الانخراط في المشاريع التنموية التي تشهدها المنطقة، بما يعزز الاعتراف السياسي من خلال استثمارات وتعاون اقتصادي على الأرض.

كما يعكس رغبة أميركية في توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، وهي قطاعات تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

الدعم الأميركي للمغرب لم يعد يقتصر على الاعتراف بمغربية الصحراء، بل أصبح مرتبطاً برؤية أشمل تعتبر المملكة شريكاً رئيسياً في ضمان الاستقرار الإقليمي، وتأمين طرق التجارة، ودعم جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنمية في شمال أفريقيا والساحل.

وتشير بيانات العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى أن المبادلات التجارية تجاوزت سبعة مليارات دولار خلال عام 2024، فيما أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر خمسة مستثمرين في المغرب، مستفيدة من اتفاقية التجارة الحرة التي تربط البلدين، والتي تعد الوحيدة من نوعها بين الولايات المتحدة ودولة أفريقية.

ويستند هذا التعاون إلى علاقات تاريخية تمتد لأكثر من 250 عاماً، وهي مناسبة حرص ترامب على التذكير بها، مؤكداً أن الشراكة بين البلدين تقوم على الثقة المتبادلة والاحترام والتعاون المستمر.

كما تؤكد وزارة الخارجية الأميركية أن المغرب لا يزال يحتفظ بمكانته باعتباره أقدم حليف للولايات المتحدة، وأن التعاون بين البلدين تطور منذ الحرب العالمية الثانية ليشمل الدفاع، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق السياسي، وصولاً إلى المناورات العسكرية المشتركة، وعلى رأسها مناورات "الأسد الأفريقي"، التي تعد من أكبر التدريبات العسكرية في القارة.

ويرى مراقبون أن هذا التراكم في مجالات التعاون يجعل قضية الصحراء جزءاً من شراكة استراتيجية أوسع، وليس مجرد ملف سياسي منفصل. فالدعم الأميركي للمغرب لم يعد يقتصر على الاعتراف بمغربية الصحراء، بل أصبح مرتبطاً برؤية أشمل تعتبر المملكة شريكاً رئيسياً في ضمان الاستقرار الإقليمي، وتأمين طرق التجارة، ودعم جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنمية في شمال أفريقيا والساحل.

كما أن تأكيد الإدارة الأميركية أن استمرار الوضع الراهن لم يعد خياراً مقبولاً يعكس توجهاً نحو تشجيع حل سياسي يقوم على الواقعية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة تفرض إعادة ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية.

وتكشف رسالة ترامب أن العلاقات المغربية الأميركية تدخل مرحلة جديدة يتداخل فيها السياسي مع الأمني والاقتصادي. فواشنطن لا تكتفي بتجديد دعمها لمغربية الصحراء، بل تعمل على إدماج هذا الموقف ضمن استراتيجية أوسع تجعل من المغرب محوراً أساسياً في مقاربتها لشمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

ومع اتساع مجالات التعاون في الدفاع والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، تبدو قضية الصحراء اليوم جزءاً من شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى دعم حليف إقليمي مستقر، وفي الوقت نفسه تعزيز نفوذها في منطقة تشهد تنافساً دولياً متزايداً وتحولات جيوسياسية متسارعة.