إحياء سكة حديد الحجاز يعيد رسم خرائط التجارة بين الخليج وأوروبا
أعادت تركيا مشروع سكة حديد الحجاز إلى واجهة الاهتمام الإقليمي بعدما أعلنت، بالتعاون مع سوريا والأردن، خطة لإحياء الخط التاريخي وتحويله إلى ممر لوجستي حديث يربط دول الخليج بأوروبا عبر الأراضي السورية، في خطوة تتجاوز البعد التاريخي للمشروع لتلامس رهانات التجارة العالمية والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ويأتي المشروع في وقت تتزايد فيه المخاوف من هشاشة الممرات البحرية التقليدية، ولاسيما بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز والبحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما دفع عددا من الدول إلى البحث عن بدائل برية أكثر أمنا واستقرارا لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا.
وكان وزير النقل والبنية التحتية التركي عبدالقادر أورال أوغلو قد أعلن أن بلاده تعمل مع سوريا والأردن على إعادة إحياء سكة حديد الحجاز، موضحاً أن الجزء التاريخي الممتد بين دمشق والأردن سيُحافظ عليه باعتباره مسارا ثقافيا وسياحيا، في حين سيُنشأ خط حديث مخصص للنقل التجاري والخدمات اللوجستية.
وبموجب مذكرة تفاهم وقعتها وزارات النقل في الدول الثلاث، تبدأ المرحلة الأولى بربط شبكة السكك الحديدية التركية بمدينة حلب شمالي سوريا، واستكمال نحو 30 كيلومتراً من الخطوط غير المكتملة داخل الأراضي السورية، على أن تمتد الشبكة لاحقا باتجاه الأردن، ثم السعودية وسلطنة عُمان، مع إدراج ميناء العقبة ضمن المشروع، بما يتيح إنشاء ممر بري متكامل يصل الخليج بالبحر الأحمر وتركيا ثم أوروبا.
كيلومتر من السكك بين سوريا والأردن تحتاج إلى إعادة تأهيل، وأكثر من 100 كيلومتر متضررة بين تركيا وحلب
ويُنظر إلى المشروع بوصفه أحد أكثر مشاريع النقل طموحا في الشرق الأوسط، إذ لا يقتصر على إعادة تشغيل خط تاريخي، بل يستهدف تأسيس شبكة حديثة قادرة على تقليص زمن الشحن، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز حركة التجارة بين الخليج وآسيا والأسواق الأوروبية.
ويرى خبراء أتراك أن المشروع اكتسب أهمية مضاعفة في ظل التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، والتي أثرت في حركة الملاحة عبر عدد من الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.
ويقول الباحث في التكامل الاقتصادي الدولي بجامعة أنقرة، كنعان أصلانلي، “إن أنقرة تعمل منذ عام 2025 على تطوير ممر بري يربط الخليج بسوريا والأردن ثم تركيا، ليشكل بديلاً عمليا في حال تعرض الممرات البحرية التقليدية لأي اضطراب”.
ويشير إلى أن سكة حديد الحجاز الجديدة ستكون العمود الفقري لهذا الممر؛ إذ ستوفر لدول الخليج منفذا بريا لنقل صادراتها ووارداتها، وخاصة السلع غير النفطية، إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، بما يقلل الاعتماد على المسارات البحرية التي أصبحت أكثر عرضة للمخاطر الأمنية.
ولا يقتصر المشروع على الربط بين ثلاث دول، بل يندرج ضمن رؤية تركية أوسع تستهدف دمج عدد من المبادرات الإقليمية والدولية في شبكة نقل واحدة. فالمخطط يتقاطع مع مشروع “طريق التنمية” العراقي، الذي يربط موانئ العراق بتركيا، كما يتكامل مع “الممر الأوسط” الواصل بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز، إضافة إلى إمكانية اندماجه مستقبلاً مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
ويعني هذا التكامل أن سكة حديد الحجاز لن تكون مجرد خط إقليمي، وإنما جزءا من شبكة تجارة عالمية تمتد من شرق آسيا مرورا بالخليج وتركيا وصولا إلى أوروبا، وهو ما يمنح المشروع ثقلا اقتصاديا وجيوسياسيا يتجاوز حدود الدول المشاركة فيه.
ويؤكد أستاذ التاريخ في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية، زكريا قرشون، أن المشروع يحمل أيضا بعدا تاريخيا مهما، إذ يعيد إحياء أحد أبرز المشاريع التي أطلقها السلطان عبدالحميد الثاني مطلع القرن العشرين.
ويشير إلى أن سكة حديد الحجاز الأصلية أُنشئت بين عامي 1900 و1908 بهدف تسهيل وصول الحجاج إلى المدينة المنورة، إلى جانب تعزيز الترابط السياسي والاقتصادي بين أقاليم الدولة العثمانية، كما أسهمت في تنشيط التجارة الداخلية ونقل البضائع بين المدن الواقعة على امتدادها.
لكن قرشون يرى أن النسخة الجديدة تختلف عن المشروع التاريخي في أهدافها، إذ أصبحت الأولوية اليوم لإنشاء ممر اقتصادي يعزز التكامل الإقليمي، ويمنح دول المنطقة قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الاقتصادية وتقلبات التجارة العالمية.
ويعتقد أن اكتمال المشروع سيؤدي إلى ظهور محور اقتصادي جديد يمتد من البحر الأحمر إلى الخليج ثم تركيا، بما يخفف الضغط عن الممرات البحرية التقليدية ويمنح المنطقة دورا أكبر في حركة التجارة الدولية.
اكتمال المشروع سيؤدي إلى ظهور محور اقتصادي جديد يمتد من البحر الأحمر إلى الخليج ثم تركيا، بما يخفف الضغط عن الممرات البحرية التقليدية ويمنح المنطقة دورا أكبر في حركة التجارة الدولية
ورغم الطموحات الكبيرة للمشروع، فإن تنفيذه يواجه تحديات لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها إعادة تأهيل البنية التحتية داخل سوريا، بعدما تعرضت أجزاء واسعة من شبكات النقل فيها لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب.
ويشير خبراء إلى أن نحو 500 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية بين سوريا والأردن تحتاج إلى إعادة إنشاء أو تأهيل، إضافة إلى أكثر من 100 كيلومتر متضررة بين الحدود التركية ومدينة حلب، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة وتعاونا إقليميا واسعا لضمان نجاح المشروع.
كما يرتبط مستقبل المشروع بمدى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا، إذ إن أي ممر تجاري دولي يحتاج إلى بيئة مستقرة تضمن انسياب حركة البضائع وحماية البنية التحتية من المخاطر الأمنية.
وبالنسبة إلى سوريا، يمثل المشروع فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد من خلال تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وزيادة حركة الترانزيت، واستقطاب استثمارات جديدة في البنية التحتية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار.
أما بالنسبة إلى تركيا، فإن المشروع ينسجم مع إستراتيجيتها الرامية إلى ترسيخ مكانتها مركزا رئيسيا للتجارة بين آسيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة الممرات التي تعمل على تطويرها خلال السنوات الأخيرة.
وفي المحصلة، لا يقتصر إحياء سكة حديد الحجاز على استعادة مشروع تاريخي، بل يعكس تحوّلاً في هندسة الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط، حيث تتقدم شبكات الربط البري باعتبارها إحدى أهم أدوات المنافسة الجيوسياسية. وإذا نجحت تركيا وشركاؤها في تجاوز التحديات الفنية والأمنية، فقد يتحول المشروع إلى أحد أبرز مسارات التجارة البرية بين الخليج وأوروبا، مع استعادة سوريا دورها بوصفها مفترق محوري في شبكة الربط الإقليمي والدولي.