غروسي: لا اتفاق نوويا مع إيران بلا رقابة صارمة

وكالة أنباء حضرموت

أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، الجمعة، أن أي اتفاق نووي مع إيران لن يكون قابلاً للحياة ما لم يقترن بنظام تحقق "معمق للغاية" يضمن عدم تطوير طهران أسلحة نووية، في رسالة تعكس أن الرقابة الدولية باتت تمثل الشرط الأساسي لإنجاح التفاهمات الجديدة بين واشنطن وطهران بعد الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.

وقال غروسي، خلال مؤتمر صحفي في اليابان، إن الهدف من الاتفاق الإيراني الأميركي هو ضمان عدم تطوير إيران أسلحة نووية، مشيراً إلى أن الحكومة الإيرانية أعلنت بوضوح أنها لا تنوي القيام بذلك، لكنه استدرك بالقول إن "النوايا وحدها لا تكفي"، مؤكداً ضرورة اعتماد آليات تحقق صارمة بمجرد أن يصبح ذلك ممكناً.

وتأتي تصريحات غروسي في مرحلة دقيقة من مسار الملف النووي الإيراني، إذ بدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالفعل محادثات أولية مع طهران بعد التوصل إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لبحث مصير مخزون اليورانيوم المخصب وآليات استئناف التعاون الفني بين الجانبين.

وأوضح المدير العام للوكالة أن هذه المحادثات انطلقت بالفعل، مع توقعات بأن تتسارع وتيرتها خلال الفترة المقبلة، بما يشير إلى انتقال الجهود من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بالتنفيذ الميداني وإعادة بناء منظومة الرقابة الدولية.

وتكشف تصريحات غروسي أن الوكالة الدولية تسعى إلى إعادة تعريف قواعد الرقابة على البرنامج النووي الإيراني بعد الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن الظروف التي أعقبت المواجهة العسكرية لم تعد تسمح بالعودة إلى آليات التفتيش التقليدية التي كانت سارية قبلها. فالحرب التي شهدت ضربات إسرائيلية وأميركية استهدفت منشآت نووية إيرانية، وما تبعها من قرار طهران تعليق زيارات مفتشي الوكالة، خلقت فجوة في منظومة الرقابة الدولية، وأثارت تساؤلات بشأن التطورات التي طرأت على البرنامج النووي خلال فترة غياب المفتشين.

ولهذا السبب، تبدو الوكالة حريصة على ألا يتحول الاتفاق الجديد إلى مجرد تفاهم سياسي يفتقر إلى أدوات التنفيذ، إذ تعتبر أن نجاح أي اتفاق لن يقاس فقط بحجم التنازلات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وإنما بقدرة الوكالة على الوصول إلى المنشآت النووية، والتحقق من مستويات تخصيب اليورانيوم، ومراقبة الأنشطة النووية بصورة مستمرة وشفافة.

ومن هذا المنطلق، فإن حديث غروسي عن "نظام تحقق معمق للغاية" يعكس رغبة الوكالة في الحصول على صلاحيات أوسع من تلك التي كانت تتمتع بها قبل اندلاع الحرب.

ويحتل ملف اليورانيوم المخصب موقعاً محورياً في هذه المرحلة، إذ يمثل المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب القضية الأكثر حساسية بالنسبة للوكالة الدولية والدول الغربية. فمعرفة حجم هذا المخزون، وأماكن وجوده، ومستويات تخصيبه، تعد من العناصر الأساسية لتقييم مدى التزام إيران بالطابع السلمي لبرنامجها النووي.

ولذلك، فإن بدء المحادثات حول هذا الملف يشير إلى أن الوكالة تضعه في مقدمة أولوياتها، باعتباره الاختبار الأول لجدية التعاون الإيراني في المرحلة المقبلة.

ولا يقتصر التحدي على معالجة ملف اليورانيوم، بل يمتد إلى استئناف عمليات التفتيش نفسها. فإيران كانت قد علقت في يوليو الماضي زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآتها النووية عقب حملة القصف التي استمرت اثني عشر يوماً، وهو ما حدّ من قدرة الوكالة على متابعة التطورات داخل المواقع النووية بصورة مباشرة.

الوكالة الدولية تسعى إلى إعادة تعريف قواعد الرقابة على البرنامج النووي الإيراني بعد الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن الظروف التي أعقبت المواجهة العسكرية لم تعد تسمح بالعودة إلى آليات التفتيش التقليدية التي كانت سارية قبلها.

ومع بدء الحديث عن إعادة تفعيل الاتفاق النووي، يصبح السماح بعودة المفتشين أحد أهم المؤشرات على استعداد طهران لترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية.

وفي المقابل، تواصل إيران التأكيد أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وأنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وهو موقف كررته مراراً خلال السنوات الماضية. غير أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تميز بين التصريحات السياسية وعمليات التحقق الفنية، إذ ترى أن مهمتها لا تقوم على تقييم النوايا، وإنما على التأكد من الوقائع عبر التفتيش الميداني وجمع العينات وتحليل البيانات ومراقبة الأنشطة النووية بصورة مستقلة.

ويبدو أن الحرب الأخيرة دفعت المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر تشدداً تجاه آليات الرقابة. ففي الاتفاقات السابقة، كان الجدل يدور بصورة أساسية حول مستويات تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي والعقوبات الاقتصادية، أما اليوم فقد أصبح السؤال الأهم يتعلق بقدرة الوكالة على التحقق مما جرى خلال فترة توقف عمليات التفتيش، والتأكد من عدم حدوث أنشطة أو تغييرات خارج نطاق الرقابة الدولية. وهذا ما يجعل استعادة الثقة أكثر تعقيداً من مجرد توقيع اتفاق سياسي جديد.

كما تعكس تصريحات غروسي حرص الوكالة على عدم تكرار أوجه القصور التي صاحبت المراحل السابقة من الملف النووي الإيراني، حيث تعرضت منظومة الرقابة خلال السنوات الأخيرة لاختبارات صعبة نتيجة تراجع التعاون بين طهران والوكالة، وتقييد وصول المفتشين إلى بعض المواقع، فضلاً عن الخلافات بشأن المعلومات المتعلقة ببعض الأنشطة النووية. لذلك، يبدو أن الوكالة تسعى هذه المرة إلى بناء منظومة تحقق أكثر شمولاً، تقلل من احتمالات حدوث فجوات رقابية مستقبلاً.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تصريحات غروسي باعتبارها رسالة موجهة إلى جميع أطراف الاتفاق، وليس إلى إيران وحدها. فهي تعني أن الوكالة الدولية لن تكتفي بدور المراقب الشكلي، وإنما تسعى إلى استعادة دورها كجهة فنية مستقلة تمتلك الأدوات اللازمة للتحقق من تنفيذ الالتزامات النووية على الأرض. كما أنها تضع معياراً واضحاً لنجاح الاتفاق، يتمثل في أن أي تقدم سياسي لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع تقدم مماثل في مجال الرقابة والتفتيش.

وعليه، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد مفاوضات معقدة لا تقتصر على القضايا السياسية، وإنما تمتد إلى التفاصيل الفنية المتعلقة بآليات التفتيش، وصلاحيات المفتشين، ومستقبل مخزون اليورانيوم المخصب، وسبل إعادة بناء الثقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي ضوء ذلك، يصبح الشرط الذي وضعه غروسي واضحاً؛ فالاتفاق النووي الجديد لن يقاس فقط بقدرته على وقف التصعيد أو تخفيف العقوبات، وإنما بمدى نجاحه في إنشاء نظام رقابي صارم وشفاف يمنح المجتمع الدولي ضمانات حقيقية بشأن سلمية البرنامج النووي الإيراني، ويحول دون عودة الأزمة إلى نقطة الصفر.