20 يونيو في باريس.. الشتات الإيراني يرسم ملامح البديل الديمقراطي
تتجه الأنظار إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث يستعد عشرات الآلاف من الإيرانيين وأنصار الحرية للمشاركة في تظاهرة كبرى يوم 20 يونيو 2026، في حدث سياسي واسع يُنتظر أن يتحول إلى رسالة واضحة للمجتمع الدولي: مستقبل إيران لا يكون بالعودة إلى ديكتاتورية الشاه، ولا باستمرار نظام الملالي، بل بقيام جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة وسيادة الشعب.
وتأتي هذه التعبئة في لحظة دقيقة من تاريخ إيران، حيث تتزامن الأزمات الداخلية المتفاقمة، من القمع والإعدامات والفقر والغضب الشعبي، مع اتساع النقاش الدولي حول مستقبل النظام الحاكم في طهران. وفي هذا السياق، تكتسب شهادات السجناء السياسيين السابقين، وبينهم شبنم مددزاده، أهمية خاصة، لأنها تكشف جانباً من واقع السجون والقمع، وتربط بين وحشية النظام في الداخل وسلوكه القائم على تصدير الأزمات إلى الخارج.
وتؤكد هذه الشهادات، إلى جانب التقارير الدولية التي تناولت الوضع الإيراني، أن النظام لم يعد قادراً على إخفاء هشاشته خلف خطاب القوة. فتصاعد الإعدامات، وتوسيع أجهزة القمع، ومحاولات إسكات المجتمع، لا تعكس استقراراً سياسياً، بل خوفاً عميقاً من انفجار شعبي جديد. وكلما زادت السلطة من استخدام المشنقة، بدا أكثر وضوحاً أنها تواجه أزمة بقاء لا مجرد أزمة إدارة.
"لا شاه ولا ملا"
تكتسب تظاهرة باريس أهميتها أيضاً من كونها تعبر عن فرز سياسي واضح داخل الحركة الإيرانية المعارضة. فالمشاركون يرفضون بصورة صريحة إعادة إنتاج الاستبداد بأي شكل من الأشكال؛ سواء عبر بقايا النظام الملكي السابق أو عبر استمرار نظام ولاية الفقيه.
ومن هنا يبرز شعار "لا شاه ولا ملا" بوصفه تعبيراً عن تجربة تاريخية عميقة، لا مجرد موقف سياسي عابر.
وتشير كتابات وتحليلات غربية حديثة، بينها مقالات تناولت تظاهرة 20 يونيو، إلى أن عام 2026 يمثل منعطفاً في مسار الصراع بين المجتمع الإيراني والنظام. فقد راكم الشعب الإيراني، عبر انتفاضات متتالية وتجارب قمع دامية، وعياً سياسياً يرفض حكم الفرد، سواء باسم التاج أو باسم الدين، ويبحث عن بديل ديمقراطي منظم.
وفي هذا الإطار، لا تبدو تظاهرة باريس مجرد مناسبة جماهيرية، بل محطة سياسية لإبراز ملامح البديل. فهي تأتي بعد انتفاضة يناير 2026، وبعد إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن تشكيل حكومة مؤقتة لنقل السيادة إلى الشعب، ما يمنح هذا التجمع بعداً يتجاوز الاحتجاج إلى تثبيت رؤية سياسية للمرحلة الانتقالية.
"من القمع إلى البديل"
يرتكز الخطاب السياسي للتظاهرة على ثلاث حقائق رئيسية. الأولى أن النظام الإيراني لم يعد خطراً على الشعب الإيراني وحده، بل أصبح عاملاً دائماً لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها. والثانية أن القمع والإعدامات لا يصنعان استقراراً، بل يكشفان ذعر السلطة من المجتمع. أما الثالثة فهي أن التغيير الحقيقي لن يأتي من صفقات خارجية أو حرب أجنبية، بل من داخل إيران، عبر الشعب ومقاومته المنظمة.
ومن هنا تبرز أهمية "وحدات المقاومة" بوصفها الطليعة الميدانية التي تعمل داخل البلاد على تحويل الغضب الشعبي إلى فعل منظم في مواجهة الديكتاتورية. فالنظام يحاول عبر القمع والتعتيم والحروب النفسية كسر الإرادة الشعبية، لكن استمرار النشاط الميداني واتساع الدعم في الخارج يكشفان أن معادلة الخوف بدأت تتغير.
وتحمل تظاهرة 20 يونيو رسالة مزدوجة: إلى الداخل الإيراني بأن نضاله ليس معزولاً، وإلى العالم بأن هناك بديلاً ديمقراطياً منظماً قادراً على ملء الفراغ السياسي بعد سقوط النظام. كما توجه رسالة واضحة إلى النظام وبقايا الشاه معاً بأن مستقبل إيران لن يكون عودة إلى الماضي ولا استمراراً للحاضر، بل انتقالاً نحو جمهورية ديمقراطية حرة.
وفي المحصلة، تبدو تظاهرة باريس الكبرى أكثر من تجمع احتجاجي. إنها إعلان سياسي عن نضج حركة التغيير الإيرانية، وعن إصرار الشتات الإيراني على أن الحرية في إيران والسلام في المنطقة يرتبطان بإنهاء نظام ولاية الفقيه، ودعم حق الشعب الإيراني في إسقاطه وبناء دولة ديمقراطية لا تصدّر القمع ولا الأزمات.