لبنان وإسرائيل.. مفاوضات تختبر حدود المعادلة المستحيلة والممكنة
طاولة واحدة تجمع لبنان وإسرائيل في مفاوضات بدأت جولتها الثالثة مؤخرًا، لمناقشة تهدئة صراع استمر لعقود.
مفاوضات قالت عنها مجلة ناشيونال إنترست، إن اعتبارها مجرد خطوة شكلية أو محاولة محكومة بالفشل قد تكون قراءة متسرعة، لأن أهميتها الحقيقية لا ترتبط فقط بإمكانية الوصول إلى اتفاق سريع، بل بقدرتها على كشف رؤية كل طرف لطبيعة الأزمة وحدود الحل الممكن.
معضلة لبنان المركبة: تحدٍ يتجاوز السلاح
ووفقا للتقرير، تدرك الحكومة اللبنانية أن أزمة حزب الله تتجاوز بكثير مسألة امتلاكه للسلاح. فالحزب بالنسبة للدولة اللبنانية يمثل شبكة معقدة من التحديات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية.
فارتباطه الوثيق بإيران، واحتفاظه بقدرات عسكرية مستقلة، يقوضان مبدأ سيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة. كما أن نشاطاته المالية وشبكاته الاقتصادية الموازية تضعف مؤسسات الدولة وتخلق اقتصاداً خارج الرقابة الرسمية.
إلى جانب ذلك، يستخدم العنف السياسي والترهيب ضد معارضيه، ما يجعله عامل توتر دائم داخل الساحة اللبنانية حتى بعيداً عن المواجهة مع إسرائيل.
وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب الطابع الأيديولوجي والطائفي للحزب، إذ ترى أطراف لبنانية عديدة أن مشروعه السياسي المستند إلى أفكار إيرانية يتعارض مع طبيعة المجتمع اللبناني القائم على التعددية والانفتاح.
لذلك، لا تنظر بيروت إلى ملف حزب الله باعتباره قضية أمنية فقط، بل كأزمة شاملة تمس شكل الدولة اللبنانية ومستقبلها السياسي والاجتماعي.
خطوات متوازية
هذا الإدراك دفع الحكومة اللبنانية خلال الفترة الأخيرة إلى اتخاذ خطوات متوازية على أكثر من مستوى. فعلى الصعيد السياسي، صدرت مواقف واضحة من الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام تؤكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، مع تشديد على حماية سيادة لبنان ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة صراع إقليمي.
كما شهدت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية تغييرات إدارية هدفت إلى تقليص نفوذ الحزب داخل بعض المواقع الحساسة، خاصة في المطار والميناء والأجهزة الأمنية.
وفي الجانب المالي، بدأت السلطات اللبنانية اتخاذ إجراءات للحد من النشاط المالي الموازي المرتبط بالحزب، خصوصاً عبر التضييق على المؤسسات المالية التابعة له.
أما عسكرياً، فقد كثف الجيش اللبناني انتشاره في جنوب البلاد، ونفذ عمليات لإزالة بنى عسكرية ومخازن أسلحة جنوب نهر الليطاني، في إطار خطة تهدف إلى فرض سلطة الدولة تدريجياً على المنطقة.
أزمة جوهرية
لكن رغم هذه الخطوات، تواجه الحكومة اللبنانية أزمة حقيقية تتعلق بالإمكانات. فالجيش اللبناني يعاني من نقص كبير في التمويل والتجهيزات، في وقت يُطلب منه تأمين الحدود، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومواجهة أي تصعيد محتمل مع حزب الله أو إسرائيل.
وهذا يعني أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، ما لم تحصل بيروت على دعم دولي ولوجستي يسمح لها بتنفيذ خططها على الأرض.
المنظور الإسرائيلي: هوس أمني بنتائج عكسية
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى حزب الله من زاوية مختلفة تماماً. فالأولوية بالنسبة لها تبقى أمن الحدود ومنع الهجمات الصاروخية على أراضيها. لذلك، لا تبدو إسرائيل معنية كثيراً بالتداعيات الداخلية لوجود الحزب داخل لبنان، سواء تعلق الأمر بالوضع السياسي أو الاقتصادي أو حتى بالسلم الأهلي اللبناني. ما يهمها أساساً هو منع الحزب من امتلاك القدرة على تهديد المدن الإسرائيلية.
هذه الرؤية الأمنية الضيقة دفعت إسرائيل طوال العقود الماضية إلى الاعتماد على الحل العسكري بشكل شبه كامل. فمنذ الثمانينيات خاضت عدة حروب وعمليات واسعة في لبنان، وأقامت مناطق عازلة في الجنوب، ودعمت قوات محلية حليفة، لكنها لم تنجح في القضاء على حزب الله أو نزع سلاحه. بل على العكس، خرج الحزب بعد كل مواجهة أكثر قوة وتنظيماً.
ورغم الضربات القاسية التي تعرض لها الحزب مؤخراً، سواء عبر استهداف قادته أو تدمير جزء من ترسانته، فإنه ما زال يحتفظ بقدرات عسكرية تمكّنه من تنفيذ هجمات ضد إسرائيل.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية: فكلما وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل لبنان، وازدادت الخسائر المدنية والدمار، تراجعت قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها، لأن الفوضى الناتجة عن الحرب تمنح حزب الله مساحة أكبر لإعادة تنظيم نفسه وتقديم نفسه كقوة حماية داخل بيئته الشعبية.
المعادلة المستحيلة والممكنة
من هنا تبرز أهمية المفاوضات الحالية، حتى وإن بدت محدودة النتائج حتى الآن. فهذه المحادثات قد تكون الإطار الوحيد القادر على خلق تفاهم غير مباشر بين الطرفين حول كيفية التعامل مع حزب الله دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة. فلبنان يحتاج إلى وقت ودعم لتقوية مؤسسات الدولة وفرض سلطتها تدريجياً، بينما تحتاج إسرائيل إلى ضمانات أمنية تمنع استمرار الهجمات على حدودها.
وفي حال نجحت الحكومة اللبنانية في اتخاذ خطوات أكثر جرأة، مثل توسيع انتشار الجيش في مناطق حساسة أو استكمال خطة نزع السلاح جنوب الليطاني، فقد تتمكن في المقابل من الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية والانسحاب من بعض المناطق المحتلة.
وفي النهاية، يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة، ولو بشكل غير معلن، بأن الحل العسكري وحده لم يعد قادراً على إنهاء الأزمة، وأن أي تسوية مستقبلية، مهما كانت صعبة أو ناقصة، تبقى أقل كلفة من استمرار الحرب المفتوحة.