الخطة الأميركية لتقاسم السلطة في ليبيا.. تسوية أم إعادة تدوير للأزمة؟

وكالة أنباء حضرموت

تكثف الولايات المتحدة تحركاتها السياسية في ليبيا عبر مقاربة جديدة تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محاولة لدفع الأطراف الليبية نحو اتفاق سياسي يضع حدا لحالة الانقسام المستمرة منذ سنوات، وسط تشكيك متزايد في قدرة هذه المبادرة على تحقيق تسوية حقيقية تتجاوز مجرد إعادة ترتيب موازين القوى القائمة بين المعسكرات المتنافسة.

وتقود هذه التحركات شخصيات مقربة من الإدارة الأميركية، أبرزها مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي طرح خلال الأسابيع الماضية تصورا جديدا للحل يقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية، تمهيدا لإجراء انتخابات عامة.

ويرى مراقبون أن عودة واشنطن بقوة إلى الملف الليبي تعكس تحولا في أولويات الإدارة الأميركية، التي باتت تنظر إلى ليبيا من زاوية المصالح الاقتصادية والإستراتيجية، أكثر من التركيز على مسار التحول الديمقراطي أو إعادة بناء الدولة وفق رؤية سياسية شاملة.

ويقول الباحث الليبي – الأميركي كريم مزران، في تحليل نشره المجلس الأطلسي، إن الخطة الأميركية الحالية ترتكز أساسا على إدارة التوازنات القائمة بين الشرق والغرب، أكثر من سعيها إلى معالجة جذور الأزمة الليبية أو تفكيك البنية المعقدة لشبكات النفوذ السياسي والعسكري التي تشكلت منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

العودة الأميركية القوية إلى الملف الليبي تعكس تحولا في أولويات واشنطن التي باتت تنظر إلى ليبيا من زاوية المصالح الاقتصادية

وتقوم خارطة الطريق الأميركية على أربعة محاور رئيسية، تشمل توحيد الميزانية العامة، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، وتشكيل حكومة موحدة، ثم تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة قصيرة بعد الاتفاق على السلطة التنفيذية الجديدة.

لكن هذه الخطة، بحسب متابعين، تبدو أقرب إلى صيغة لتقاسم النفوذ بين القوى المسيطرة على الأرض، وفي مقدمتها معسكر قائد شرق ليبيا المشير خليفة حفتر من جهة، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة من جهة أخرى.

ويعزز هذا الانطباع تركيز الإدارة الأميركية على ملفات الاستقرار الاقتصادي والطاقة والاستثمارات الأجنبية، في إطار سياسة “الاقتصاد أولا” التي تتبناها إدارة ترامب في عدد من ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا.

وخلال الأشهر الأخيرة شهدت طرابلس سلسلة لقاءات جمعت مسؤولين أميركيين بمسؤولين ليبيين لبحث الإصلاحات المالية والتعاون في قطاع الطاقة والبنية التحتية، بالتزامن مع توقيع اتفاقات مع شركات أميركية كبرى مثل شيفرون وبوينغ.

غير أن هذا الحراك الأميركي يواجه انتقادات متزايدة داخل الأوساط السياسية الليبية، حيث يرى معارضون أن واشنطن تحاول تثبيت نظام المحاصصة القائم بين النخب السياسية والعسكرية، بدلا من الدفع نحو عملية سياسية أوسع تشمل مختلف القوى الاجتماعية والمدنية.

ويحذر منتقدو المبادرة من أن أي اتفاق يقوم على تقاسم المناصب والثروات بين المعسكرات المتصارعة قد يتحول إلى هدنة مؤقتة، من دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، مثل ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، والانقسام الجهوي، وتضارب الولاءات الأمنية والعسكرية.

وتبرز مدينة مصراتة كأحد أبرز مراكز الاعتراض على أي تسوية تمنح معسكر الشرق نفوذا أكبر داخل السلطة التنفيذية المقبلة، إذ تعتبر قوى سياسية وأمنية في الغرب الليبي أن مثل هذه الصيغة قد تعيد إنتاج اختلالات القوة التي أعقبت الحرب الأهلية وتفتح الباب أمام صدامات جديدة.

كريم مزران: الخطة الأميركية الحالية ترتكز أساسا على إدارة التوازنات القائمة بين الشرق والغرب، أكثر من سعيها إلى معالجة جذور الأزمة

في المقابل لا تبدو الجبهة الشرقية موحدة بالكامل خلف مشروع التسوية المطروح. وتشير تقارير سياسية إلى وجود تباينات داخل معسكر حفتر بشأن مستقبل توزيع النفوذ، خصوصا مع تنامي دور أبناء المشير حفتر داخل المؤسسة العسكرية والإدارية في الشرق الليبي.

ويرى محللون أن الرهان الأميركي على تثبيت التوازن بين القوى المسيطرة قد يصطدم بتعقيدات المشهد الليبي، حيث تتداخل الولاءات القبلية والمناطقية والعسكرية، ما يجعل أي اتفاق سياسي عرضة للاهتزاز عند أول خلاف حول تقاسم الموارد أو المناصب أو السيطرة الأمنية.

كما تواجه أي خطة لإعادة الاستقرار تحديات اقتصادية عميقة، في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي بين الشرق والغرب، وضعف النظام المالي، وارتفاع مستويات الفساد، وصعوبة تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية فعالة.

ورغم امتلاك ليبيا احتياطيات نفطية ضخمة، فإن بيئة الأعمال لا تزال توصف بأنها من الأكثر هشاشة وتعقيدا في المنطقة، بسبب الاضطراب الأمني وتعدد مراكز القرار وصعوبة ضمان الاستقرار القانوني والاستثماري.

ويقول خبراء إن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب أكثر من مجرد اتفاق بين النخب المتصارعة، إذ يحتاج إلى بناء مؤسسات موحدة وقادرة على فرض سلطتها، إضافة إلى دمج الجماعات المسلحة وإطلاق عملية مصالحة وطنية أوسع.

ومع ذلك، تحظى المبادرة الأميركية بدعم إقليمي ودولي متزايد، مدفوع بحالة الإنهاك التي أصابت القوى المتدخلة في الملف الليبي بعد سنوات من الصراع.

ورغم الزخم الدبلوماسي الإقليمي يبقى مستقبل المبادرة الأميركية رهينا بقدرتها على تجاوز منطق إدارة الأزمة نحو معالجة جذور الانقسام الليبي، وهي مهمة تبدو شديدة التعقيد في بلد لا تزال فيه موازين القوى هشة ومتغيرة باستمرار.

ويحذر مراقبون من أن أي تسوية لا تقوم على توافق وطني واسع وإصلاحات مؤسساتية حقيقية قد تعيد إنتاج الحلقة نفسها من الاتفاقات المؤقتة، التي نجحت خلال السنوات الماضية في خفض التوتر لفترات محدودة، لكنها فشلت في إنهاء الأزمة الليبية بشكل دائم.