تجاهل الخليج… ثغرة استراتيجية في أي اتفاق بين واشنطن وطهران

وكالة أنباء حضرموت

لم تعد المشكلة الأساسية في أي اتفاق أميركي–إيراني محتمل مرتبطة فقط ببنوده النووية أو العسكرية، بل بمدى قدرته على الصمود والتنفيذ داخل بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية لدول الخليج بشكل مباشر. فهذه الدول لم تعد مجرد ساحات تتلقى نتائج التفاهمات الدولية، بل تحولت إلى جزء من البنية التنفيذية لأي اتفاق، بحكم سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية، وامتلاكها للبنية التحتية للطاقة، ودورها في منظومات الردع والمراقبة الإقليمية.

ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الأخيرة، عاد السؤال حول موقع دول الخليج في أي تسوية محتملة إلى الواجهة، خاصة في ظل إدارة المفاوضات بعيدا عن العواصم الخليجية رغم أن هذه الدول تبقى الأكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد أو انهيار محتمل للاتفاقات.

الدول الخليجية، التي تعرضت منشآتها النفطية وموانئها لهجمات ليست مجرد مراقب للأزمة، بل طرف عملي في أي ترتيبات

وشكلت المحادثات التي انهارت في إسلام آباد في 12 أبريل أول محاولة مباشرة ورفيعة المستوى للتواصل بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 2015، لكنها انتهت دون اتفاق بعد أكثر من عشرين ساعة من النقاشات. وأعلن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس حينها أن إيران لم تقبل بالشروط الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي والقيود الأمنية، مع الإبقاء على الإجراءات العسكرية والبحرية الأميركية في المنطقة.

لكن المعضلة التي كشفتها تلك المفاوضات لا تتعلق فقط بفشل التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، بل أيضا بطبيعة المقاربة التي ما تزال تتعامل مع أمن الخليج باعتباره نتيجة جانبية للاتفاق وليس جزءا من بنيته الأساسية. فالدول الخليجية، التي تعرضت منشآتها النفطية وموانئها ومجالاتها الجوية لهجمات مباشرة خلال السنوات الماضية، ليست مجرد مراقب للأزمة، بل طرف عملي في أي ترتيبات تتعلق بالملاحة والطاقة والردع الإقليمي.

ولاحقا، قدمت إيران مقترحا من 14 بندا تضمّن إعادة فتح مضيق هرمز ووقف العمليات العسكرية وتأجيل معالجة بعض الملفات النووية، في خطوة فسرتها دوائر غربية باعتبارها محاولة لتخفيف الضغط العسكري قبل الدخول في التزامات تتعلق بالتخصيب والرقابة النووية. لكن المقترح أعاد في الوقت ذاته إبراز حجم التباين بين رؤية طهران للتسوية ورؤية واشنطن لها، كما أعاد طرح سؤال أساسي حول مدى قابلية أي اتفاق للتنفيذ إذا لم تكن الدول الخليجية جزءا من ترتيباته الأمنية واللوجستية.

ويقول الباحث إيريك ألتار في تقرير نشره المجلس الأطلسي إن المعضلة الأساسية التي تواجه أي مقاربة خليجية موحدة تجاه إيران تتمثل في أن دول الخليج ليست كتلة سياسية متجانسة، بل دول تختلف في حساباتها الاستراتيجية وأولوياتها الأمنية والاقتصادية.

ولا يقتصر هذا التباين على اختلاف السياسات الخارجية، بل يمتد إلى تقييم طبيعة التهديد الإيراني نفسه وكيفية التعامل معه والنتائج المقبولة لأي اتفاق محتمل مع طهران.

فالإمارات العربية المتحدة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية عبر توسيع شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، إلى جانب تطوير منظوماتها الدفاعية واتباع خطاب أكثر تشددا تجاه إيران، يقوم على تحميلها مسؤولية مباشرة عن الهجمات التي استهدفت المنطقة. ويعكس هذا التوجه قناعة إماراتية بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترتيبات أمنية أكثر صلابة تتجاوز الصيغ الخليجية التقليدية.

وفي المقابل، تتبنى السعودية مقاربة أكثر تدرجا تقوم على الجمع بين الردع والانفتاح الدبلوماسي. فقد حافظت الرياض على قنوات تواصل مع طهران، بالتوازي مع دعمها لمسارات تفاوضية أوسع، انطلاقا من قناعة بأن أي اتفاق طويل الأمد يجب أن يعالج جذور التوتر الإقليمي، بما في ذلك أمن الممرات البحرية ودعم الجماعات المسلحة. وفي الوقت نفسه.

أما قطر، فتتحرك ضمن معادلة أكثر تعقيدا، إذ تجمع بين استضافة أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة والحفاظ على علاقات عمل مع إيران. ويجعلها هذا الموقع أكثر حساسية تجاه أي تصعيد، ويدفعها إلى التركيز على منع الانزلاق نحو حالة “اللاحرب واللاسلم”، لما يمثله استمرار التوتر من تهديد للبنية التحتية للطاقة ولدورها الدبلوماسي كوسيط إقليمي.

في حين تميل البحرين والكويت إلى مقاربة أقرب للموقف الإماراتي من حيث دعم تعزيز الردع الجماعي، لكن دون الذهاب نحو إعادة تشكيل شاملة للمنظومة الأمنية الإقليمية. أما سلطنة عمان، فتواصل الحفاظ على موقعها التقليدي كقناة خلفية بين واشنطن وطهران، انطلاقا من قناعة بأن دفع إيران إلى زاوية مغلقة قد يقود إلى تصعيد أكبر لا إلى استقرار دائم.

تجاهل دول الخليج في صياغة أي اتفاق أميركي–إيراني لا يمثل فقط ثغرة سياسية، بل أيضا خللا في البنية التنفيذية للاتفاق نفسه

ورغم غياب رؤية خليجية موحدة بالكامل تجاه إيران، فإن هذا التباين لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن جميع دول الخليج ستكون معنية بتنفيذ أي تفاهم مستقبلي، سواء عبر حماية الممرات البحرية أو تأمين صادرات الطاقة أو المشاركة في ترتيبات المراقبة والإنذار المبكر. ولهذا فإن تجاوز هذه الدول أثناء التفاوض قد ينتج اتفاقا سياسيا على الورق، لكنه يفتقر إلى البنية الإقليمية القادرة على ضمان استمراره.

وتبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحا في ملف مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا أساسيا لتجارة الطاقة العالمية. فإيران تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة ضغط استراتيجية، بينما تصر واشنطن على إبقائه مفتوحا بالكامل أمام الملاحة الدولية، في حين تعتمد دول الخليج عليه لتصدير الجزء الأكبر من نفطها وغازها.

ومع تعطل الملاحة خلال فترات التصعيد ووجود سفن عالقة في بعض المراحل، بات واضحا أن أي تفاهم أميركي–إيراني لا يتضمن ترتيبات أمنية واضحة للمضيق سيظل ناقصا من حيث التطبيق العملي. فالموانئ الخليجية وأنظمة الرصد البحري والبنية التحتية للطاقة ليست عناصر هامشية في المعادلة، بل أدوات تنفيذ فعلية لأي اتفاق يتعلق بحرية الملاحة ومنع التصعيد.

وفي النهاية، لا تكمن هشاشة أي اتفاق أميركي–إيراني محتمل في حجم الخلافات بين الطرفين فقط، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى الخليج داخل هذه المعادلة. فالتعامل مع دول الخليج باعتبارها مجرد متلقية لنتائج التفاهمات، وليس شريكا في صياغتها وتنفيذها، يعني إنتاج تسويات ناقصة منذ البداية.

لم يعد الاستقرار الإقليمي يُبنى عبر تفاهمات ثنائية معزولة، بل عبر شبكات أمنية وسياسية واقتصادية مترابطة تحتل دول الخليج موقعا مركزيا فيها. ولذلك فإن أي اتفاق لا يمنح هذه الدول دورا فعليا في الضمانات وآليات التنفيذ والرقابة، قد يحقق اختراقا دبلوماسيا مؤقتا، لكنه سيظل اتفاقا هشّا استراتيجيا على المدى الطويل، لأن الأطراف الأكثر تأثرا به ستكون خارجه لا داخله.