تقرير استقصائي أمريكي يهدد عرش باتيل في الـ«إف بي آي»

وكالة أنباء حضرموت

في تقرير استقصائي هزّ أروقة العاصمة الأمريكية، فجّرت مجلة "ذا أتلانتيك" سلسلةً من الادعاءات الصادمة حول السلوك الشخصي والمهني

ويرسم التقرير صورة لباتيل كقائد يعيش حالةً متقدمةً من جنون الارتياب إزاء إمكانية إقالته، ويُفرط في تناول الكحول بدرجة أثارت قلق المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة العدل على حد سواء

ورغم مسارعة باتيل إلى التلويح بالملاحقة القضائية ووصف التقرير بأنه "ملفق بالكامل"، إلا أن التفاصيل التي أوردتها المجلة، واستندت إلى أكثر من عشرين مصدرا بينهم مسؤولون حاليون وسابقون في المكتب، رسمت صورة قاتمةً لاضطرابٍ إداريٍ قد يُعيق قدرة أقوى جهازٍ أمني في البلاد على الاستجابة للأزمات الوطنية الطارئة.

يروي تقرير مجلة "ذا أتلانتيك" وقائع تُنذر بالخطر، أبرزها مزاعم بأن أفراد فريق حماية باتيل واجهوا صعوبات متكررة في إيقاظه من النوم، فيما لجأ الموظفون في إحدى المرات إلى طلب "معدات اقتحام" تُستخدم عادةً في عمليات إنقاذ الرهائن، وذلك لمجرد الوصول إليه داخل مكتبه المغلق.

هذا المستوى من السلوك، الذي يتنافى بشكل صارخ مع قواعد السلوك الفيدرالية التي تُجرّم وصول المسؤولين إلى حالة "السكر الواضح"، يفتح الباب أمام مخاوف أمنية جدية تتعلق بإمكانية إخضاع مدير "إف بي آي" للإكراه أو الاستغلال.

ولم تعد هذه المخاوف حبيسة أروقة الجهاز السري؛ فقد تسربت تفاصيل حالة هلع أصابت باتيل الأسبوع الماضي إثر عطل تقني منعه من الولوج إلى النظام الداخلي، حيث ظن خطأً أنه تمت إقالته بالفعل، في مشهد وصل صداه سريعا إلى الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب، مُعززًا بذلك رواية عدم الاستقرار النفسي التي تُحيط بالرجل.

وفي خضم هذا الجدل المحتدم، خرج باتيل وفريقه القانوني والإعلامي بعنفٍ لردّ الاعتبار. فقد هدد مدير المكتب بمقاضاة المجلة ومراسلتها سارة فيتزباتريك، ونشر عبر منصة "إكس" مراسلات من مسؤول الاتصالات بالمكتب وصف فيها المقال بأنه "أكثر الأمور سخافة على الإطلاق".

كما شن محاميه جيسي بينال هجومًا شرسًا، متهماً المجلة بالاعتماد على "مصادر غامضة ومعادية" وتجاهل السجلات الرسمية التي تؤكد النجاحات العملياتية للمكتب تحت قيادة باتيل، والتي شملت اعتقال 67 ألف شخص ومصادرة أطنان من مخدر الفنتانيل القاتل.

ويُذكّر هذا الهجوم القانوني المضاد بدعوى التشهير التي رفعها باتيل سابقًا ضد محلل قناة "إم إس إن بي سي" فرانك فيغليوزي، والذي اضطر للتراجع عن ادعاءاتٍ مماثلة حول ارتياد باتيل للنوادي الليلية، وهو ما يعكس استراتيجيةً دفاعيةً شرسةً ينتهجها مدير "إف بي آي" لضرب مصداقية أي إعلامٍ يمس سمعته الشخصية التي تُعتبر رأس ماله السياسي في إدارة ترامب.

غير أن مراسلة "ذا أتلانتيك" سارة فيتزباتريك دافعت عن تقريرها بصلابةٍ ملحوظة، مؤكدةً وقوفها "خلف كل كلمة" وردّت بشكلٍ غير مباشر على ادعاءات التلفيق بالكشف عن طبيعة المصادر التي اعتمدت عليها.

وأوضحت فيتزباتريك أن مناخ الخوف غير المسبوق الذي فرضه باتيل داخل "إف بي آي"، من خلال إخضاع العملاء لاختبارات كشف الكذب لتعقب المُسربين وإقالة من يُوصفون بـ"الدولة العميقة"، هو ما دفع بهذا العدد الكبير من المصادر للخروج عن صمتهم التقليدي.

ووفقًا للصحفية، فإن مستوى القلق الداخلي في المكتب بشأن تصرفات مديره لم يعد مجرد همساتٍ في الكواليس، بل تحول إلى يقينٍ لدى البعض بأن "أمريكا في خطر" نتيجةً لعدم استقرار القيادة. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من تزامنها مع دعاوى قضائية رفعها موظفون كبار فُصلوا من المكتب، زاعمين أن باتيل نفذ حملة انتقام سياسي لإرضاء ترامب، وذلك بعد أن رفضوا تسليم قوائم بأسماء من حققوا في أحداث اقتحام الكابيتول.

وخلصت المجلة إن الجدل حول تعاطي باتيل المشروبات الكحولية في مطاعم نيويورك الفاخرة أو احتفالاته الصاخبة مع لاعبي الهوكي الأمريكي ليس مجرد نكات هامشية في دهاليز السلطة؛ بل تحول إلى ورقة ضغطٍ في صراع وجودي على هوية "إف بي آي" واستقلاليته.

فبينما يصرّ فريق باتيل على أن هذه "القصص الملفقة" لم تحدث قط، وأن المدير لم يحصل إلا على إجازة 17 يومًا فقط طوال فترة ولايته، تبقى الحقيقة الأكثر إثارةً للقلق هي الفجوة العميقة بين رواية البيت الأبيض ورواية الميدان الأمني.

وفي انتظار ما ستُسفر عنه أروقة المحاكم من مواجهات قانونية بين باتيل و"ذا أتلانتيك"، يظل السؤال الأبرز مُعلقًا في سماء واشنطن: هل يُدار أقوى جهاز تحقيق في العالم بيدٍ ترتعش، وعقلٍ يطارده شبح العزل؟