أزمة طاقة «مجهولة المصير».. إمدادات مفقودة ومخزونات تتآكل
في أعقاب الإعلان عن هدنة في حرب إيران، شهدت أسواق النفط حالة من التفاؤل المفرط.
قاد هذا الشعور إلى هبوط أسعار الخام بنسب مئوية في خانة العشرات في كل من نيويورك ولندن، ليتحول سعر البرميل من نطاق 110 – 115 دولارًا إلى نحو 90 دولاراً خلال لحظات.
لكن تحليلا نشرته مجلة "فورين بوليسي" اعتبر أن هذا التفاؤل في غير محله. فحتى لو صمد وقف إطلاق النار فإن عودة أسواق الطاقة إلى طبيعتها ستستغرق أشهراً. وينطبق ذلك بشكل خاص على المنتجات النفطية المكررة التي يستخدمها الأفراد فعلياً، وبدرجة أكبر على منتجات طاقة أخرى مثل الغاز الطبيعي المسال، الذي قد يستغرق تعافيه سنوات.
مجموعة «أورانو» الفرنسية تقود موجة توظيف كبرى في قطاع الطاقة النووية
والحقيقة البسيطة هي أن كل ما فُقد من إنتاج وتكرير وتصدير للنفط الخام، والمنتجات المكررة، ومكوّنات الأسمدة، والبتروكيماويات خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان قد ضاع إلى الأبد. وهذا يعني أن أسعار هذه السلع -بما في ذلك الديزل (محرك الشاحنات والجرارات)، ووقود الطائرات (المستخدم لنقل السياح والشحن الجوي حول العالم)، والأسمدة (وهي عنصر أساسي لإنتاج الغذاء)- ستظل مرتفعة حتى النصف الثاني من هذا العام. وذلك على افتراض ألا تنهار أسس وقف إطلاق النار المؤقت تمهيداً لاتفاق سلام دائم.
إمدادات مفقودة
ولا يقتصر الأمر على مسائل اعتيادية مثل تكلفة وقود السيارات أو الرسوم الإضافية على الوقود التي تفرضها شركات الطيران، بل إن هناك أيضًا تكاليف إنسانية لأزمة الطاقة المستمرة. ففي أنحاء آسيا، من الهند وباكستان إلى كوريا الجنوبية، أدت صدمة الطاقة إلى إجراءات تراوحت بين إغلاق المدارس وتقليص أسابيع العمل. كما ستظل أسعار الغذاء مرتفعة بالنسبة للفئات المجتمعية الأكثر هشاشة، سواء في بعض تلك الدول الآسيوية أو في مصر وتركيا، بحسب مجموعة "أوراسيا".
وكلما طال أمد تقييد تدفقات السلع عبر نقطة الاختناق الحيوية المتمثلة في مضيق هرمز، تفاقمت هذه التأثيرات وامتد أمدها. وهذه هي المشكلة الأولى تحديدًا؛ فالمضيق لا يزال، عمليًا، مغلقًا.
أفق مبهم
في المقابل، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء فكرة دخول الولايات المتحدة في مشروع مشترك مع إيران لإدارة المضيق.
من جهته، قال محلل الجغرافيا السياسية للطاقة في "إنرجي إسبيكتس"، ريتشارد برونز، إن تعليقات مختلفة للرئيس ترامب بدت وكأنها تؤيد واقع الإدارة المشتركة لمضيق هرمز مع إيران، حتى وإن كانت التفاصيل لا تزال غير واضحة".
وأضاف: «سيحاول الدبلوماسيون تعديل هذا الوضع إلى صيغة أكثر قبولًا، مثل إنشاء كونسورتيوم دولي لإدارة المضيق، لكن يبدو أنه لا عودة إلى الواقع السابق المتمثل في حرية المرور عبر المضيق".
وقال التحليل إن تضييق الخناق على المضيق يعرقل في المقام الأول تدفقات النفط الخام، لكن المنتجات المكررة هي ما يهم الساسة والجمهور فعليًا. والنتيجة هي نقص في المنتجات الاستهلاكية، بما في ذلك البنزين، وخاصة الديزل ووقود الطائرات.
معاناة مختلفة
وقد شعرت آسيا بالأزمة منذ المراحل الأولى للحرب، بينما استنزفت أوروبا احتياطياتها، لكنها على وشك أن تواجه التأثيرات السلبية -حتى لو صمد وقف إطلاق النار. وقد أوضح معهد أكسفورد لدراسات الطاقة قبل أيام كيف أن تراجع القدرة التكريرية في أوروبا، إلى جانب انخفاض واردات المنتجات المكررة من مناطق أخرى، ينذر بمشكلات لقارة تعاني أصلًا من تباطؤ النمو الاقتصادي.
وقالت لوسادا: "إذا نظرنا إلى أوروبا، فنحن عند نقطة ألم". وأوضحت أن الدول الأوروبية ستضطر إلى مواصلة السحب من المخزونات التجارية لسد الفجوة التي خلّفها عدم وصول ناقلات النفط، وكل ذلك سيتعين تعويضه لاحقًا، مما يعني زيادة الطلب واستمرار ارتفاع الأسعار خلال النصف الثاني من العام. أما فيما يتعلق بقطاع إنتاج النفط نفسه، فلن يعود إلى طبيعته في وقت قريب فإعادة تشغيل الإنتاج تستغرق أسابيع عدة إن لم تكن أشهرًا.
وينطبق كل ما سبق على أسواق النفط والمنتجات البترولية أيضًا على أسواق الغاز الطبيعي، حيث ستستغرق إعادة التدفقات لمعدلاتها الطبيعية وقتاً طويلاً. وهو ما سيلحق الضرر بمجتمعات العالم، وفي معظم جوانب الحياة اليومية.
ونقل التحليل عن المتخصصة في المنتجات المكررة لدى شركة "إنرجي إسبيكتس"، ناتاليا لوسادا، أن "السيناريو الأساسي يفترض أن تبدأ تدفقات الطاقة في الاستئناف بحلول نهاية أبريل/نيسان، وما حدث أمس لا يغير شيئا... وكل الإمدادات التي فُقدت لن يتم إنتاجها مجددًا، وبالتالي سواء كنت في آسيا أو في أوروبا، فستستمر في السحب من المخزونات، ثم ستحتاج إلى إعادة ملئها". وتابعت: "وطالما أن المخزونات منخفضة، ستظل الأسواق عرضة للمخاطر".
ولا يزال من غير الواضح ما الذي تنوي الولايات المتحدة وإيران فعله بشأن مستقبل أهم ممر بحري في العالم. إذ تعتقد إيران أنها ستواصل إدارة هذا الممر -الذي يُعد اسميًا مضيقًا دوليًا تنظمه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- كما لو كان بوابة رسوم خاصة. كما يبدو أن أحدث المقترحات يتضمن دفع الرسوم باستخدام العملات المشفرة.