التصريحات الجوفاء لا تفتح المضائق
في وقت سابق من هذا الشهر، كتب وزير الطاقة الأميركي كريس رايت رسالة على منصة التواصل الاجتماعي إكس، أن البحرية الأميركية نجحت في مرافقة ناقلة نفط عبر مضيق هرمز. غير أن هذا المنشور لم يبقَ طويلا، حيث حُذف بعد فترة وجيزة، قبل أن يصدر البيت الأبيض بيانا توضيحيا ينفي فيه تنفيذ أي مهمة مرافقة من هذا النوع.
وبدا هذا في ظاهر الأمر وكأنه خطأ في التواصل أو سوء تقدير إعلامي. لكن هذا التناقض كشف في جوهره عن ملامح أعمق في منهجية إدارة الرئيس الأميركي ترامب في التعامل مع الأزمات، ربما أكثر مما تفعل البيانات الرسمية المصاغة بعناية.
ولم يكن اللافت في الواقعة مجرد احتواء المنشور على معلومات مضللة، بل كان الأثر الذي أحدثه خلال دقائق معدودة. ففي غضون نحو عشر دقائق فقط، انخفضت العقود الآجلة للنفط الخام بنسبة تقارب 17 في المائة، في استجابة فورية من الأسواق التي بدت متعطشة لأي إشارة توحي بإمكانية احتواء الأزمة.
ولا يُعد مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي عابر في سياق التصعيد العسكري، بل يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا.
وفي هذا السياق، وصفت وكالة الطاقة الدولية الاضطراب الناجم عن الحرب على إيران بأنه أكبر صدمة في إمدادات النفط على الإطلاق، مع توقع فقدان نحو 8 ملايين برميل يوميا خلال شهر واحد فقط.
وتُعد هذه تحديدا من نوع الأزمات التي تسعى الحكومات إلى احتوائها بسرعة، نظرا لأن آثارها الاقتصادية تتراكم في الزمن الحقيقي، قبل أن تلوح أية حلول عسكرية أو دبلوماسية في الأفق.
وترى ميسون كفافي، مستشارة أولى لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي أنه من هنا، يبدو ميل إدارة ترامب إلى بث رسائل الطمأنة أمرا مفهوما، بل وربما ضروريا في سياق إدارة الأزمات. غير أن هذه المحاولات، حين تفشل أو تتناقض مع الواقع، تكشف عن إشكالية أعمق. فالملاحظ في مختلف جوانب الأزمة، سواء في تحركات الأسواق أو الجداول الزمنية العسكرية أو إدارة التحالفات أو الخطاب الدبلوماسي، هو اعتماد نمط متكرر يقوم على الحكم من خلال الإعلانات.
وبمعنى آخر، تُعلن واشنطن عن واقع ما، على أمل أن يلحق الواقع الفعلي بهذا الإعلان. هذا الخلط بين التصريح والفعل، بين إظهار العزم وامتلاكه فعليا، يشكّل الخيط الناظم للأزمة، لكنه يظل نهجا يصعب استدامته على المدى الطويل.
ولجأ المسؤولون الأميركيون إلى استخدام لغة مشروطة واستباقية، بدلا من تقديم مسار واضح وموثوق لخفض التصعيد أو ضمان استعادة الملاحة الآمنة.
وتحدثوا عن قدرة البحرية الأميركية على مرافقة السفن عند الحاجة، وعن إمكانية بدء هذه العمليات حين تسمح الظروف العسكرية، وعن استئناف النشاط بمجرد تحقيق سيطرة كاملة على المجال الجوي.
وفي 13 مارس، أعاد الرئيس دونالد ترامب التأكيد على أن الولايات المتحدة ستتولى مهمة مرافقة السفن إذا اقتضت الضرورة. غير أن هذه التصريحات، رغم قوتها الظاهرية، تشير في جوهرها إلى توجهات مستقبلية محتملة، مع تجنب واضح لأي تأكيد على وجود إجراءات قائمة بالفعل.
ولا يقتصر تأثير هذه اللغة على المجال السياسي، بل يمتد إلى الأسواق التي لا تتفاعل فقط مع الوقائع، بل مع مصداقية الروايات التي تُقدَّم لها. فالرواية الأميركية تبدو متماسكة من حيث الشكل: أزمة خطيرة لكنها قابلة للإدارة، وواشنطن لا تزال تتحكم في وتيرة التصعيد، وتدفقات الطاقة ستُستأنف، وارتفاع الأسعار مؤقت.
وقد عززت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، هذه الرسالة، مؤكدة أن العملية ضد إيران ستفضي في نهاية المطاف إلى انخفاض أسعار الطاقة. كما سعى البيت الأبيض إلى تأمين دعم تأميني وضمانات مالية لقطاع الشحن في الخليج، في محاولة لاحتواء الصدمة واستعادة الاستقرار.
غير أن فعالية هذه الرواية تظل مرهونة بمدى ارتباطها بالواقع العملي، وهو ارتباط بدا في هذه الحالة هشا.
وتشير تقارير إلى أن البحرية الأميركية رفضت طلبات من قطاع الشحن لتوفير مرافقة عسكرية بسبب ارتفاع مستوى المخاطر. وبينما تواصل واشنطن طمأنة الأسواق علنا، يعكس هذا الرفض واقعا مغايرا يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة.
والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة لم تقدم حتى الآن تصورا عمليا لكيفية ضمان بقاء المضيق مفتوحا في ظل تصاعد الأعمال العدائية.
وقد اتسعت هذه الفجوة بشكل أكبر مع محاولة تدويل الأزمة. ودعا ترامب عددا من الدول، من بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، إلى إرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين المضيق، محذرا من أن عدم الاستجابة قد يؤثر على مستقبل حلف الناتو. وأعلن أن عدة دول استجابت بالفعل، لكنه امتنع لاحقا عن تسميتها.
وفي المقابل، لم تؤكد أي دولة مشاركتها علنا، حيث أشارت اليابان إلى قيودها الدستورية، وأكدت أستراليا أنها لم تتلقَ طلبا، بينما أعلن وزير الدفاع الألماني صراحة أن هذه ليست حرب بلاده، ورفضت إسبانيا المشاركة بشكل قاطع. وعكست هذه المواقف حالة تردد شبه جماعي بين الحلفاء.
وتزداد المفارقة وضوحا عندما يُطلب من هذه الدول، التي تعتمد على نفط الخليج أكثر من الولايات المتحدة، أن تتحمل مخاطر صراع لم تشارك في إشعاله، ومن دون أن تكون قد استُشيرت بشأنه. وجاء هذا الطلب في وقت أعلن فيه ترامب أن واشنطن حققت النصر بالفعل في حربها على إيران، ممّا زاد من تعقيد الرسالة السياسية الموجهة إلى الحلفاء.
ومع ذلك، لم يستقر هذا المسار طويلا. ففي 19 مارس، أبدت عدة دول، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة واليابان، استعدادها للمشاركة في تأمين المضيق. لكن في اليوم التالي، لمح ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد لا تشارك أصلا في هذه المهمة، معتبرا أن القضية تخص دولا أخرى. وبعد أقل من 24 ساعة، عاد ليصعّد الموقف، موجها إنذارا نهائيا لإيران لمدة 48 ساعة لإعادة فتح المضيق، مهددا بضرب منشآت الطاقة.
الولايات المتحدة لم تقدم حتى الآن تصورا عمليا لكيفية ضمان بقاء المضيق مفتوحا في ظل تصاعد الأعمال العدائية.
وامتد هذا النمط المتقلب إلى المجال الدبلوماسي. وأعلن ترامب أن إيران وافقت على 15 بندا من اتفاق إطاري، فيما وصفه بتقدم كبير نحو الحل. غير أن طهران سارعت إلى نفي ذلك بشكل قاطع، مؤكدة عدم وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة.
ومع ذلك، تفاعلت الأسواق مع هذا الإعلان، ما يعكس مرة أخرى كيف يمكن للروايات أن تسبق الوقائع وتؤثر فيها.
وسواء كان هذا الإعلان نابعا من قناعة بوجود اتفاق فعلي قيد التشكيل، أو مجرد محاولة لإدارة توقعات الأسواق، فإن النتيجة واحدة: تآكل تدريجي في مصداقية الإشارات الصادرة عن واشنطن. فكل مرة تتقدم فيها الرواية على الواقع، تتراجع الثقة في المرة التالية، حتى وإن كانت الرسالة صحيحة.
ولا يبدو هذا النمط مجرد سلسلة من المبالغات، بل يعكس نهجا أوسع في الحكم يعتمد على التدخل اللفظي في الأسواق قبل تهيئة الشروط الواقعية التي تمنحه المصداقية.
وقد يكون لهذا الأسلوب بعض الفعالية في السياسة النقدية، حيث تمتلك البنوك المركزية أدوات واضحة وسجلا يمكن للأسواق تفسيره. أما في الجغرافيا السياسية، فلا توجد آلية مماثلة. وعندما تسبق الكلمات الأفعال، فإنها تعمّق حالة عدم اليقين بدلا من احتوائها.
وقد التقط الحلفاء هذه الإشكالية بوضوح. وعبّر مسؤولون أوروبيون عن شكوكهم، حيث أشار وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى أن الحلفاء يتوقعون من واشنطن إشراكهم في القرارات واطلاعهم على تطوراتها، وهو تصريح يعكس غياب التشاور الحقيقي.
وحتى البيان المشترك الصادر يوم19 مارس، فقد ركز على الهجمات الإيرانية دون أن يدعم الرواية الأميركية بشأن قرب التوصل إلى حل.
ويطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا في العمق: لماذا أصبحت واشنطن تعتمد إلى هذا الحد على السرديات؟ يبدو أن عقيدة الهيمنة على الطاقة لعبت دورا في ترسيخ الاعتقاد بأن وفرة الإنتاج الأميركي توفر نوعا من الحصانة الاستراتيجية. غير أن أسواق الطاقة تظل دولية بطبيعتها، وأسعار النفط تتحدد عالميا، وخطوط الإمداد تبقى عرضة للمخاطر.
وقد كشف مضيق هرمز بوضوح عن الفجوة بين القدرة على الإنتاج والقدرة على التحكم، حيث لم تكن عزلة واشنطن عن صدمات الإمدادات مرادفة أبدا لقدرتها على إدارتها.
وتتجلى هذه الفجوة أيضا في معضلة جزيرة خرج، حيث استهدفت القيادة المركزية الأميركية عشرات المواقع العسكرية، مع تجنب المنشآت النفطية.
ورغم تصريحات ترامب عن تدمير الأهداف العسكرية بالكامل، فقد لوّح بإمكانية استهداف البنية التحتية النفطية، ممّا يفتح الباب أمام تصعيد خطير. فالجزيرة تعالج نحو 90 في المائة من صادرات إيران النفطية، واستهدافها قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية، خاصة بالنسبة للاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على هذه الإمدادات كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: فواشنطن تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تفتقر إلى وسيلة لاستخدامها دون التسبب في مزيد من عدم الاستقرار. تحاول إدارة ترامب استخدام الخطاب لتعويض شكل من أشكال السيطرة العملياتية التي لا تستطيع فرضها بسرعة. ويتبع نداء التحالف المنطق نفسه: إذا لم تستطع الولايات المتحدة فرض النظام على المضيق من جانب واحد، فربما يكفي الإعلان عن جهد دولي، حتى لو لم يكن على الأرض، لتحقيق ما لم يفرضه وجودها العسكري حتى الآن.
إلا أن سياسات الطمأنة المبنية على وعود مشروطة، وأفعال مستقبلية، وإشارات قيادة مُعدّة بعناية، هي سياسات هشة. وفي النهاية، تكشف هذه الأزمة عن خلل أعمق من مجرد سوء تقدير للخصوم. إنها تعكس سوء تقدير للذات، حيث افترضت الولايات المتحدة أن الثقة المستمدة من كونها أكبر منتج للنفط عالميا تمنحها القدرة على التحكم في مسارات السوق.