كيف يمكن للألغام البحرية أن تغيّر مسار الحرب في الخليج؟
برز مضيق هرمز في خضم الحرب المتصاعدة مع إيران باعتباره النقطة الأكثر حساسية في معادلة الأمن والطاقة العالميين، إذ لا يقتصر دوره على كونه ممراً بحرياً إقليمياً، بل يمثل شرياناً رئيسياً يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
ومع اتساع نطاق الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية التي طالت دول الخليج وإسرائيل، بما في ذلك منشآت طاقة رئيسية، أصبح الصراع يتجاوز حدوده العسكرية المباشرة ليطال الاقتصاد العالمي والأسواق المالية.
وفي هذا السياق، بدأ المستثمرون يتعاملون مع احتمال دخول الأسواق مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من أن يتحول المضيق إلى نقطة اختناق قادرة على تعطيل التجارة الدولية لفترة طويلة.
وتدرك طهران جيداً أن مضيق هرمز يشكل نقطة ضغط استراتيجية، ليس فقط بسبب حجم النفط الذي يمر عبره، بل أيضاً بسبب طبيعته الجغرافية الضيقة التي تجعل أي تهديد فيه سريع التأثير.
ومن هنا برزت المخاوف من لجوء إيران إلى استخدام الألغام البحرية كوسيلة لتعطيل الملاحة.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن إيران تمتلك القدرة على زرع الألغام في المضيق خلال ساعات قليلة، بينما قد تستغرق عملية إزالتها أشهراً طويلة.
وتمنح هذه المفارقة الزمنية بين سرعة الإغلاق وبطء إعادة الفتح هذا السلاح أهمية استراتيجية كبيرة، لأنها تعني أن تعطيل حركة الملاحة قد يحدث بسرعة تفوق قدرة القوى البحرية الكبرى على الاستجابة الفورية.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على رغبة إيران في استخدام أدواتها البحرية لزيادة الضغط على خصومها. فمنذ اندلاع الصراع، تعرضت عدة سفن لهجمات صاروخية أو لهجمات بزوارق سريعة قرب سواحل عُمان، بينها ناقلات نفط كانت تعبر بالقرب من المضيق.
ولم تكن مثل هذه الهجمات مجرد عمليات عسكرية معزولة، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن طهران قادرة على نقل المواجهة إلى المجال البحري وتعطيل تدفقات الطاقة.
ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف التأمين على السفن التي تمر عبر المنطقة بشكل كبير، الأمر الذي دفع بعض شركات الشحن إلى تجنب الإبحار في المضيق أو تأجيل رحلاتها، فيما بدأت شركات الطاقة بإعادة تقييم طرق نقل صادراتها ووارداتها.
غير أن أخطر سيناريو محتمل لا يتعلق فقط بالهجمات المباشرة، بل بإمكانية تحويل المضيق إلى حقل ألغام واسع. فإيران تمتلك، بحسب تقديرات عسكرية، آلاف الألغام البحرية، إضافة إلى منشآت عسكرية منتشرة على جانبي المضيق، ما يمنحها القدرة على نشر هذه الألغام بسرعة وفي مواقع حساسة.
وبسبب ضيق الممر الملاحي، فإن عدداً محدوداً من الألغام قد يكون كافياً لخلق خطر كبير يهدد السفن التجارية والعسكرية على حد سواء. وفي حال تم زرع الألغام بكثافة، فقد تصبح الملاحة في المضيق شبه مستحيلة من دون عمليات تطهير واسعة ومعقدة.
ويسلط هذا الاحتمال الضوء على تحدٍ كبير تواجهه الولايات المتحدة، رغم امتلاكها واحداً من أقوى الأساطيل البحرية في العالم. فزرع الألغام عملية سريعة نسبياً ومنخفضة التكلفة مقارنة بعملية إزالتها، التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين وتقنيات متخصصة.
وتشير التقديرات إلى أن قدرات البحرية الأميركية في مجال إزالة الألغام ليست بالحجم الكافي للتعامل بسرعة مع تهديد واسع النطاق، خصوصاً بعد إخراج عدد من سفن كاسحات الألغام من الخدمة في السنوات الأخيرة.
وتعتمد الولايات المتحدة بدرجة أكبر على سفن القتال الساحلية والمروحيات المتخصصة، وهي وسائل توفر قدرات مهمة لكنها قد لا تكون كافية إذا جرى نشر آلاف الألغام في منطقة تشهد أعمالاً قتالية مستمرة.
وتكمن صعوبة إزالة الألغام في أنها عملية دقيقة وبطيئة بطبيعتها، إذ يتعين أولاً مسح المياه لتحديد مواقع الألغام، ثم التعامل معها بحذر شديد لتفكيكها أو تفجيرها.
وغالباً ما تتم هذه العمليات في بيئة خطرة، خاصة إذا كانت القوات التي زرعت الألغام قادرة على شن هجمات إضافية خلال عمليات الإزالة.
وفي حال استغرق تطهير المضيق وقتاً طويلاً، فإن التأثير الاقتصادي قد يكون عميقاً، إذ ستظل أسواق النفط في حالة اضطراب مستمر، بينما سترتفع تكاليف التأمين والنقل إلى مستويات غير مسبوقة، وقد تتوقف حركة ناقلات النفط بشكل شبه كامل، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة حقيقية.
وفي محاولة لطمأنة الأسواق واحتواء المخاوف، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البحرية الأميركية يمكن أن تبدأ في مرافقة ناقلات النفط والغاز التي تعبر الخليج إذا اقتضت الضرورة. لكن هذه الخطة، رغم أهميتها السياسية، لا تخلو من تحديات عملية كبيرة. فمرافقة السفن في مضيق ضيق ومزدحم تشكل مهمة معقدة، خصوصاً في ظل التهديدات المتعددة التي تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، إضافة إلى الألغام البحرية.
كما أن الأسطول الأميركي منتشر في مناطق مختلفة من العالم، ما يعني أن قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق في الخليج لفترة طويلة قد تكون محدودة نسبياً.
والأهم من ذلك أن مرافقة السفن لا تعالج المشكلة الأساسية التي تمثلها الألغام البحرية، إذ تبقى السفن معرضة لخطر الاصطدام بلغم قد يتسبب بأضرار كبيرة أو يؤدي إلى غرقها.
ولذلك يرى كثير من المحللين أن خطة القوافل البحرية قد توفر قدراً من الحماية لكنها لا تمثل حلاً جذرياً للمشكلة إذا تحول المضيق فعلاً إلى منطقة مزروعة بالألغام.
وفي موازاة ذلك، حاولت الولايات المتحدة حشد دعم دولي للمشاركة في تأمين المضيق، وأعلنت عدة دول غربية استعدادها للمساهمة في جهود إعادة فتحه. غير أن تفاصيل هذا الالتزام بقيت غامضة، كما أن طبيعة المشاركة العسكرية المحتملة لم تتضح بشكل كامل.
ويعكس هذا الغموض صعوبة تشكيل تحالف بحري فعال في ظل مخاطر مرتفعة واحتمال التصعيد المباشر مع إيران. فبعض الدول قد تكون مترددة في الانخراط في عمليات عسكرية قد تجرها إلى مواجهة أوسع، خاصة أن التوتر في المنطقة ما يزال في حالة تصاعد مستمر.
وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة، برز توجه نحو استهداف القوات الإيرانية المتمركزة قرب المضيق كوسيلة لتقليل التهديد ومنع طهران من توسيع عملياتها البحرية.
وقد بدأت بالفعل عمليات عسكرية من هذا النوع، حيث استهدفت طائرات حربية ومروحيات هجومية مواقع إيرانية تشمل طائرات مسيّرة وسفناً عسكرية.
ما يجعل هذا التهديد خطيراً بشكل خاص ليس قدرة إيران على زرع الألغام، بل محدودية قدرة الولايات المتحدة على إزالتها.
والهدف من هذه العمليات هو تقليص قدرة إيران على تنفيذ هجمات إضافية أو نشر ألغام جديدة، لكن مثل هذه الخطوات تحمل في الوقت نفسه مخاطر التصعيد، إذ قد تدفع طهران إلى الرد بعمليات أوسع.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن إيران ربما بدأت بالفعل في زرع ألغام في المضيق على نطاق محدود، ربما بهدف إرسال رسالة تحذير أكثر من كونه خطوة لإغلاقه بشكل كامل.
ومع ذلك، فإن كثيراً من المحللين يرون أن طهران قد تحتفظ بخيار توسيع عمليات زرع الألغام كوسيلة للتصعيد إذا شعرت بأن الضغوط العسكرية أو الاقتصادية عليها تتزايد.
وما يجعل هذا السيناريو مقلقاً بشكل خاص هو أن إيران لا تحتاج إلى خوض معركة بحرية تقليدية لتحقيق تأثير استراتيجي كبير. فالألغام البحرية تعد من الأسلحة منخفضة التكلفة نسبياً مقارنة بالسفن الحربية الحديثة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
وبمجرد نشر عدد محدود منها في موقع حساس مثل مضيق هرمز، يمكن لطهران أن تفرض قيوداً كبيرة على حركة الأساطيل العسكرية وعلى تجارة النفط العالمية في الوقت نفسه. وحتى الشك في وجود ألغام قد يكون كافياً لتعطيل الملاحة ورفع تكاليف النقل والتأمين بشكل كبير.
وتمنح هذه المعادلة إيران أداة ضغط فعالة في مواجهة خصوم يمتلكون تفوقاً عسكرياً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه تعني أن أي تصعيد في المضيق قد تكون له آثار تتجاوز بكثير حدود المنطقة. فتعطيل حركة النفط عبر هرمز لن يؤثر فقط على الدول المنتجة في الخليج، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا التي تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات.
وفي نهاية المطاف، قد يصبح مضيق هرمز العامل الأكثر حسماً في تحديد مسار الصراع الدائر حالياً. فإذا نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحفاظ على الممر البحري مفتوحاً وتأمين الملاحة فيه، فإن ذلك سيعزز قدرتهم على احتواء الأزمة ومنعها من التحول إلى صدمة اقتصادية عالمية طويلة الأمد.
وأما إذا تحول المضيق إلى منطقة خطرة أو مغلقة فعلياً، فإن ذلك سيضع الاستراتيجية الأميركية أمام اختبار صعب، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث قدرتها على حماية استقرار أسواق الطاقة العالمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الدولي بشكل كبير.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية والتصريحات السياسية المتبادلة، يبقى مستقبل الملاحة في هذا الممر الحيوي أحد أهم الأسئلة المفتوحة في الأزمة الحالية، وهو سؤال قد تحدد إجابته شكل المرحلة المقبلة في الصراع بأسره.