إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى: صراع المشاريع الإقليمية والمشروع السعودي كمعادلة ثالثة

وكالة أنباء حضرموت

على مدى عدة عقود، برز في الشرق الأوسط مشروعان متنافسان لإعادة رسم الخريطة: “إسرائيل الكبرى” القائمة على التفوق العسكري والتحالف مع واشنطن، و”إيران الكبرى” المعتمدة على شبكة من المحاور بالوكالة والنفوذ الطائفي.
في عام 2023، ظهرت محاولة عربية بقيادة السعودية لتغيير قواعد اللعبة عبر استراتيجية التماسك وإعادة ترتيب البيت العربي، لا عبر مشروع توسعي جديد. ثم اندلعت في 28 فبراير 2026 حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة جوية.
سأحاول من خلال هذا المقال الاقتراب من تقييم منطقي للمشاريع الثلاثة، مع مناقشة التحديات التي تواجه ما يمكن قراءته كمحاولة سعودية لتشكيل مشروع عربي بديل، وأثر الحرب الجارية عليها، واستشراف السيناريوهات المحتملة في المستقبل القريب.

إسرائيل الكبرى – المشروع التوسعي
يستند مفهوم “إسرائيل الكبرى” إلى رؤية تتجاوز حدود عام 1967، وتستند إلى قراءة توراتية للحدود الجغرافية التي تعتبرها الأحزاب اليمينية المتشددة – التي تشكل الائتلاف الحاكم في إسرائيل اليوم – حقًا تاريخيًا ودينيًا لا يمكن التنازل عنه. تمتد هذه الرؤية لتشمل أجزاء من المشرق العربي، وتُترجم على الأرض عبر أدوات متعددة: التفوق العسكري (بدعم أميركي، برنامج نووي غير معلن)، التطبيع (اتفاقيات إبراهيم 2020)، وتحالف المصالح الاستراتيجية مع واشنطن.
في الحرب الدائرة مع إيران، تنفذ إسرائيل والولايات المتحدة عمليات مشتركة ضد أهداف إيرانية. أسفر المشروع عن تهيئة واقع يهمش الحقوق الفلسطينية، لكن الحرب أظهرت حدود القوة العسكرية في تحقيق الاستقرار، كما أن الانقسامات الداخلية في إسرائيل واعتمادها شبه الكامل على الدعم الأميركي قد يشكلان نقطتي ضعف في حال تغيرت الأولويات الأميركية.

مشروع إيران التوسعي عبر تصدير الثورة
يقوم مشروع “إيران الكبرى” على ركيزتين متكاملتين: أيديولوجية تصدير الثورة القائمة على ولاية الفقيه، ورؤية دينية – سياسية ترتبط بظهور الإمام المهدي المنتظر وفق العقيدة الشيعية الإثنى عشرية، حيث تُستخدم هذه الرؤية لتبرير مشروعية التوسع الإقليمي والتدخل في شؤون الدول الأخرى بوصفه تمهيدًا لنهاية الأيام. أدواته الميدانية: دعم الجماعات المسلحة (حزب الله، الحشد الشعبي، الحوثيون، وفصائل فلسطينية)، استغلال الفجوات في الدول العربية الهشة لتعزيز النفوذ، والسعي لامتلاك قدرة نووية ردعية.
واجه المشروع احتجاجات داخلية وأزمة اقتصادية، وتراجع تأثيره الطائفي بشكل ملحوظ بعد اتفاق الرياض – طهران بوساطة صينية (2023)، لكنه حاول تعويض ذلك بخطاب القومية ومواجهة الغرب. والحرب مع التحالف الأميركي – الإسرائيلي كشفت حدود نفوذه، حيث باتت طهران تتعرض لضربات مباشرة دون قدرة على حشد محاورها بالكامل.
مجموعة المبادرات السعودية العربية

في مواجهة المشروعين التوسعيين، اختارت الرياض مسارًا مختلفًا: إعادة التماسك العربي، إدارة الصراعات، والتحول نحو التكامل الاقتصادي والدبلوماسية. غير أن هذه المجموعة من المبادرات، التي يمكن قراءتها كمحاولة لتشكيل مشروع عربي بديل، تواجه تحديات داخلية وخارجية تعقّد مهمتها.
– لمّ الشمل العربي:
كانت الفجوة العربية مكسبًا استراتيجيًا للمشروعين. أعادت السعودية فتح القنوات مع دمشق (2023)، واستعادت مقعد سوريا في الجامعة العربية. في 18 مارس 2026، عقدت الرياض اجتماعًا وزاريًا تشاوريًا ضم 12 دولة (أذربيجان، البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، باكستان، قطر، السعودية، سوريا، تركيا، الإمارات). دان البيان الختامي “الاستخدام المتعمد للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تستهدف المناطق السكنية”، معتبرًا ذلك انتهاكًا لقرار مجلس الأمن 2817 (2026).

المملكة قد تكون على أبواب تحول استراتيجي كبير، لكن مدى نجاحها في تحويل هذا التحول إلى معادلة إقليمية جديدة يعتمد على قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية

يشكل التحالف بين السعودية ومصر، أكبر قوتين عربيتين من حيث الثقل الديموغرافي والاقتصادي والعسكري، الركيزة الأساسية للمشروع السعودي العربي. في 25 فبراير 2026، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قمة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة، أكدا خلالها على رفض تهجير الفلسطينيين والتأكيد على حل الدولتين كأساس للسلام الإقليمي. وهذا التحالف يشكل في جوهره ردًا عربيًا مشتركًا على محاولات إسرائيل وإيران لاختراق العمق العربي وتقسيم المنطقة، حيث يجمع أكبر جيشين عربيين وأكبر اقتصادين عربيين في موقف موحد.
على المستوى الاقتصادي، أودعت السعودية 5 مليارات دولار في البنك المركزي المصري في مارس 2026، مع توقيع اتفاقية استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار، مما يعزز استقرار القاهرة كركيزة أساسية للمشروع. أما عسكريًا، فانطلقت في فبراير 2026 مناورات “سيف العرب” في مصر بمشاركة سعودية، وشاركت مصر في مناورات “رماح النصر 2026” الجوية التي استضافتها السعودية، مما يعكس تكاملاً أمنيًا متزايدًا.
ويجمع البلدين أيضًا تنسيق مستمر في ملف أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث يعملان كـ”حارسين رئيسيين” للممر المائي الحيوي. مع الإشارة إلى أن مصر تحافظ في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع إيران (تاريخيًا) ومع إسرائيل (باتفاقية كامب ديفيد)، مما يضع التحالف في إطار شراكة استراتيجية لا تحالفا حصريا.
– التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين
في سبتمبر 2024، قادت السعودية تشكيل “التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين” الذي يضم أكثر من 90 دولة، برئاسة مشتركة مع فرنسا. في أوائل فبراير 2026، أعلنت الرياض تخصيص مليار دولار لدعم السلام وتمكين السلطة الفلسطينية. لكن الحرب الدائرة فرضت واقعًا جديدًا: في 17 مارس 2026، أُعلن عن تأجيل المؤتمر رفيع المستوى للأمم المتحدة بسبب التصعيد، مع تأكيد الالتزام الكامل بأهداف التحالف.
– التصعيد مع إيران وتحول الموقف السعودي
منذ بدء الحرب في 28 فبراير 2026، تعرضت السعودية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية من الأراضي الإيرانية استهدفت منشآت نفطية في الرياض وينبع. اعترضت الدفاعات السعودية 575 طائرة مسيرة و42 صاروخًا باليستيًا حتى الآن، مستخدمة أنظمة دفاع جوي متطورة (بما في ذلك بطاريات باتريوت وثاد) في عملية دفاع لافتة أظهرت قدرة المملكة على حماية أراضيها رغم اعتمادها على التحالفات الخارجية.
في 19 مارس 2026، حذّر وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان من أن المملكة “تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية”. وفي 21 مارس 2026، طردت الرياض الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة أعضاء من البعثة، منحتهم 24 ساعة لمغادرة البلاد، في خطوة غير مسبوقة تعكس تحولًا من الاحتواء إلى الردع.
– المشروع الاقتصادي
ركزت السعودية على بناء كتلة اقتصادية عربية من خلال الربط الكهربائي بين الخليج والعراق والأردن، ومنطقة التجارة الحرة العربية، وصندوق استثماري لدعم الدول الهشة. الهدف: جعل المصالح المشتركة شبكة أمان ضد الصراعات بالوكالة. لكن نجاح هذه المشاريع يتطلب استقرارًا إقليميًا طويل الأمد، وهو ما تهدده الحرب الجارية.
– تحالف متعدد الأقطاب
– نوّعت الرياض شراكاتها: تعزيز العلاقة مع الصين (شريك استراتيجي شامل)، والحفاظ على الشراكة الأميركية، والتقارب مع تركيا، والانفتاح على روسيا في إطار أوبك+، إلى جانب التحالف مع فرنسا حول حل الدولتين. هذا التعدد حال دون انحصار المنطقة في اصطفاف أحادي، لكنه يضع الرياض في موقع صعب أحيانًا عند التناقض بين مصالح هذه الأطراف (مثل التوتر الأميركي – الصيني).

قوة المبادرات السعودية العربية
إلى جانب التحديات التي تواجهها، تعمل السعودية بشكل نشط على تعزيز قدراتها الداخلية وتقوية أسس مشروعها الإقليمي من خلال مسارات متعددة:
– التحول الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط: أطلقت السعودية رؤية 2030 بهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وقد قطعت مراحل كبيرة في هذا المجال من خلال تطوير قطاعات السياحة، الترفيه، الصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة. صناديق الاستثمار السيادية الضخمة، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة الذي يدير أصولًا تتجاوز 700 مليار دولار، تعمل على تحقيق عوائد مستدامة وتقليل الهشاشة الاقتصادية أمام تقلبات أسعار النفط. هذه الإصلاحات الهيكلية تعزز قدرة الرياض على الاستمرار في مشاريعها الإقليمية دون انقطاع.
– تنامي القوة العسكرية: تشهد القدرات العسكرية السعودية تطورًا مطردًا، حيث زادت ميزانية الدفاع، وتوسعت برامج التوطين العسكري (مثل برنامج “تطوير الصناعات العسكرية”)، وتم تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي بقدرات متطورة أثبتت كفاءتها خلال الحرب الجارية باعتراض 575 طائرة مسيرة و42 صاروخًا باليستيًا. هذا التنامي لا يقتصر على الجانب الدفاعي فقط، بل يشمل بناء قدرات ردع هجومية متنامية، مما يقلل الاعتماد على التحالفات الخارجية على المدى الطويل.
– التحالفات المتعددة كمصدر قوة ومرونة: بدلاً من أن تكون استراتيجية الانفتاح على الصين وروسيا مصدر ضعف، فإنها تشكل تمايزًا استراتيجيًا يمنح الرياض مرونة في إدارة علاقاتها الدولية. فالحفاظ على الشراكة الأميركية التقليدية إلى جانب تعزيز العلاقة مع الصين (شريك استراتيجي شامل) والتقارب مع روسيا في إطار أوبك+، يسمح للسعودية بالاستفادة من المصالح المتعددة دون رهن قرارها لأي طرف واحد. هذه الاستراتيجية تعكس نضجًا دبلوماسيًا وتضع المملكة في موقع فاعل في نظام دولي متعدد الأقطاب، بدلاً من أن تكون مجرد تابع في اصطفاف أحادي.

نحو معادلة إقليمية جديدة
على عكس المشروعين التوسعيين، فإن ما تقوم به السعودية، من مبادرات متعددة في المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، يمكن قراءته كمحاولة لبناء معادلة إقليمية قائمة على التماسك والردع، بهدف تقليص الفجوات التي تستغلها القوى الإقليمية، ونقل الصراع إلى غرف التفاوض، ومنع تحول العالم العربي إلى مجرد ساحة لتنفيذ أجندات “إسرائيل الكبرى” و”إيران الكبرى”.
لكن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تضع هذه المحاولة أمام اختبار صعب. ويمكن تصوّر سيناريوهين رئيسيين:

سيناريو النجاح: إذا تمكنت السعودية من احتواء التصعيد العسكري، وإعادة توجيه الجهود نحو التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين بعد انتهاء الحرب، وتعزيز التكامل الاقتصادي رغم الظروف، فقد تتحول هذه المبادرات إلى نموذج إقليمي قادر على فرض شروطه في أي ترتيب مستقبلي. ويزداد هذا السيناريو ترجيحًا بفضل التحالف الاستراتيجي مع مصر، الذي يوفر للرياض ثقلًا ديموغرافيًا وعسكريًا إضافيًا. وفي سيناريو النجاح، قد يتوسع التعاون العسكري السعودي – المصري ليشمل دولًا عربية أخرى، في إطار بناء قدرة ردع جماعية عربية تقلل الاعتماد على القوى الخارجية، وتشكل في المستقبل نواة لتحالف أمني عربي أوسع.
سيناريو الفشل: إذا استمر التصعيد، وتوسعت رقعة الحرب لتشمل السعودية بشكل أكبر، أو إذا تعثرت المشاريع الاقتصادية بسبب الضغوط الأمنية، فقد تضطر هذه المبادرات إلى الانكماش والتراجع، مما يعيد المنطقة إلى منطق المشروعين الثنائيين. وفي هذا السيناريو، سينعكس التراجع مباشرة على التحالف مع مصر، الذي يعتمد على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلدين معًا.
في كلا الحالتين، تبقى الرياض أمام خيارات مصيرية. طرد الملحق العسكري الإيراني والتحذير من “إجراءات عسكرية” يشيران إلى أن المملكة قد تكون على أبواب تحول استراتيجي كبير، لكن مدى نجاحها في تحويل هذا التحول إلى معادلة إقليمية جديدة يعتمد على قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية والخارجية في آنٍ معًا.
في النهاية، نجاح هذا المسار – في أفضل السيناريوهات – قد يعيد رسم خريطة المنطقة، بولادة فاعل عربي قادر على فرض معادلة جديدة تجعل أي ترتيب إقليمي مستقبلي – مع إسرائيل أو إيران – يمر عبر بوابة المصالح العربية الجامعة، وفي مقدمتها حل الدولتين كأساس للسلام الحقيقي.