قوة الغضب أم غضب القوة.. ترامب يفكر في خياراته بإيران
في وقت يواجه فيه النظام الإيراني أخطر تهديد لبقائه حتى الآن، عادت شوارع إيران لتغرق مجددًا في صمت ثقيل، فُرض بالقوة.
وبحسب شبكة «سي إن إن» الأمريكية، فإن «النظام الإيراني ربما نجح في سحق أحدث موجة احتجاجات باستخدام أدوات القمع المجربة، لكن المظالم الجوهرية التي دفعت المحتجين إلى الشوارع لم تختفِ».
ويعكس «حجم القمع الذي أعقب ذلك حالة نظامٍ جريح، خرج لتوه من حرب صيفية مع إسرائيل والولايات المتحدة، وفاقدٍ لمعظم أذرعه الإقليمية، ولم يكن مستعدًا لأي تسوية».
فهل تتجه واشنطن وطهران إلى مواجهة؟
خلال الأسابيع الماضية، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا بضرب إيران إذا استخدم النظام العنف ضد المحتجين.
غير أنه قال للصحفيين الخميس إن «مصادر مهمة جدًا من الطرف الآخر» أبلغته بتوقف عمليات القتل، في إشارة إلى عدم وجود تحرك عسكري أمريكي وشيك.
كما أبلغ مسؤولون خليجيون لشبكة «سي إن إن»، أن دولا إقليمية حثّت واشنطن على تجنب ضرب إيران، محذرة من مخاطر أمنية واقتصادية قد تطال الولايات المتحدة والمنطقة بأسرها. ويبدو أن هذه الجهود الدبلوماسية أسهمت في خفض التصعيد، وإن كان مؤقتًا.
ويرى محللون أن خطر الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية لم يُرفع بعد.
وقال تريتا بارسي، نائب رئيس معهد «كوينسي لفن الحكم الرشيد»، إن «جذور التوتر لم تُحل»، مشددًا على أن التوتر بين إسرائيل وإيران لم يكن مرتبطًا بالاحتجاجات.
وفي السياق نفسه، أفاد مصدر لـ«سي إن إن»، بأن الجيش الأمريكي ينقل مجموعة حاملة طائرات هجومية إلى الشرق الأوسط، يُتوقع وصولها إلى الخليج أواخر الأسبوع المقبل.
وبحسب مجلة «ذي أتلانتك»، فإن ترامب اليوم، يواجه خيارًا مصيريًا: إما أن يفي بوعوده ويخاطر بعواقب عمل عسكري لا يمكن التنبؤ بنتائجه، أو أن «يتحمل عار تقديم تشجيع زائف لمقاتلي الحرية، وتعزيز أحد أشد خصوم الولايات المتحدة ضراوة».
لكن، في الوقت الراهن، يبدو صوت الدبلوماسية أعلى من قرع طبول الحرب. فقد تبنّى مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، لهجة تصالحية، مؤكدًا وجود تواصل مباشر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وقد ساهم قرار الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بعدم تنفيذ «خطه الأحمر» عقب استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية عام 2013 في ترسيخ الحسابات ذاتها لدى الجيش السوري آنذاك، ومهد لعقد إضافي من القتل.
ما قد يدفع ترامب إلى التحرك، مع ذلك، هو قلقه من الضرر الذي قد يلحقه التقاعس بصورته كـ«رجل قوي». فترامب لا يحب أن يُنظر إليه بوصفه ضعيفًا أو موضع سخرية، بحسب «ذي أتلانتك».
وعلى غرار ما فعله الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في الأسابيع التي سبقت اعتقاله، عمد المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الأسبوع الماضي إلى استفزاز ترامب، واصفًا إياه بـ«الطاغية» الذي «سيُطاح به». والظهور بمظهر العاجز – لا سيما في لحظة قد يكافئ فيها الرأي العام الحزم – قد يدفع ترامب بالفعل إلى اتخاذ إجراء.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود أسباب استراتيجية وجيهة لتردده. فغالبية التدخلات الأمريكية انتهت بنتائج كارثية، ولا توجد «رصاصة فضية» أمريكية قادرة على إسقاط قادة طهران بسلاسة، وتحويل البلاد سلميًا إلى ديمقراطية مستقرة.
فمنذ الحرب العالمية الثانية، لم يؤدِّ سوى أقل من ربع انهيارات الأنظمة السلطوية إلى ديمقراطيات، وكانت تلك الناتجة عن تدخل خارجي الأقل حظًا في ذلك. فالثورات العنيفة صراعات قسرية، يحسمها من ينظم القوة، لا من يحشد الوسوم.
ومع ذلك، لا يزال بإمكان العمل العسكري الأمريكي أن يؤثر في مسار الأحداث بشكل بنّاء، حتى لو لم يتحكم بنتائجها النهائية. فالتدخل الخارجي لن يصنع «دنمارك إيرانية»، لكنه قد يمنع ترسيخ «كوريا شمالية إيرانية».
3 مسارات:
في هذا السياق، ينبغي على ترامب أن يكون واضحًا بشأن أهدافه، مركزًا على ثلاثة مسارات:
أولًا، ردع العنف ضد المدنيين عبر الإشارة إلى أن كلفة المذابح ستفوق مكاسب القمع.
ثانيًا، الإصرار على تفكيك «الستار الحديدي الرقمي» الذي مكّن النظام من قتل الناس في الظلام، إذ لم تتجاوز نسبة الاتصال بالإنترنت في إيران خلال الأسبوع الماضي 1%.
ثالثًا، العمل على تفكيك تماسك الأجهزة الأمنية الإيرانية من خلال إضعاف منظومة القيادة والسيطرة، بما يزرع الشك داخل صفوفها ويشجّع السكان.
ونصح جوني غانون، وهو ضابط مخضرم في وكالة الاستخبارات المركزية ويتحدث الفارسية، بأن أي تحرك أمريكي يجب أن يهدف إلى «إحباط العدو وإلحاق الضرر به وتقويض هيبته».
واستحضر مقولة لميكيافيلي حول مخاطر أنصاف الحلول: «إما أن تلاطف الإنسان أو تسحقه. وإذا آذيته، فافعل ذلك على نحو لا يترك لك ما تخشاه من انتقامه». وإذا كان الهدف هو المرشد الأعلى، فمن الأفضل ألّا تُخطئ.
كما أوصى مسؤول عسكري أمريكي رفيع متقاعد، أمضى عقودًا في دراسة الحرس الثوري الإيراني، بضرب القدرات الصاروخية الإيرانية واستهداف مراكز القيادة، بما يعجز النظام عن التنسيق الداخلي ويتيح للمحتجين العودة إلى الشوارع دون خوف.
ووفقًا لمسؤول استخباراتي سابق آخر، ينبغي أن يقنع تحرك ترامب الحرسَ الثوري بأن أمامه ثلاثة خيارات فقط: التغيير طوعًا، أو التغيير على يد المحتجين، أو التغيير على يد دونالد ترامب.
فهل لا تزال هناك فرصة للدبلوماسية؟
وأشارت «ذي أتلانتك»، إلى أنه «إذا اختار ترامب عدم التحرك، فإن تشجيعه الإيرانيين على الانتفاض، ووعوده المتكررة بدعم أمريكي، ثم تخليه عنهم لاحقًا، ستُسجَّل كأحد أكثر نماذج الخيانة الرئاسية قسوة في التاريخ الحديث»
وحتى لو حاولت طهران وواشنطن إحياء المسار الدبلوماسي، فإن إيران ستدخل أي مفاوضات من أضعف موقع لها حتى الآن. فقد تضررت منشآتها النووية الرئيسية بشدة جراء ضربات أمريكية الصيف الماضي، كما جرى تحييد معظم وكلائها الإقليميين، بحسب «سي إن إن».
ورغم احتفاظ إيران بمخزون كبير من اليورانيوم عالي التخصيب، فإن الضربة المادية والرمزية كانت قاسية.
ويقول بارسي إن الإيرانيين «خسروا قدرًا هائلًا من أوراق القوة»، متوقعًا أن يعتمد ترامب موقفًا تفاوضيًا «أقصى ما يكون تشددًا».
ومن المرجح أن تتجاوز أي مفاوضات جديدة الملف النووي لتشمل برنامج الصواريخ ودعم طهران لجماعات مثل حماس وحزب الله والمليشيات، وهي ملفات تعتبرها القيادة الإيرانية «غير قابلة للتفاوض»، وأي تنازل فيها سيُعد استسلامًا كاملًا.
لكن التاريخ يشير إلى أن إيران الثورية قبلت سابقًا بتسويات مؤلمة لضمان بقائها، كما حدث عام 1988 عندما وافقت على وقف الحرب مع العراق، وهو القرار الذي وصفه الخميني حينها بـ«تجرّع كأس السم».
العقد الاجتماعي.. تصدع لا رجعة فيه
يرى خبراء أن الاحتجاجات الأخيرة كشفت أن العقد الاجتماعي بين النظام وشعبه قد تضرر بشكل لا يمكن إصلاحه. فالدولة فشلت في حماية مواطنيها أو تحقيق الرفاه أو توفير الحريات، وأظهرت استعدادًا دائمًا لاستخدام العنف لإسكاتهم.
ويؤكد بارسي أن العقد الاجتماعي «تضرر إلى الأبد»، معتبرًا أن مستوى العنف الحالي غير مسبوق.
ويرجح مراقبون أن موجة احتجاج جديدة ليست سوى مسألة وقت، مستحضرين أن ثورة 1979 نفسها كانت ذروة عام كامل من الاحتجاجات المتقطعة.
«لا أعتقد أن هذه آخر الاحتجاجات»، تقول دينا إسفندياري من بلومبيرغ إيكونوميكس، مضيفة: «لقد جرى تجاوز خط اللاعودة».
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم يعد التغيير الجزئي كافيًا، بل بات التغيير الجذري مطلبًا، رغم صعوبة تحقيقه في ظل قبضة أمنية خانقة.
أما المعارضة في الخارج، فتبدو منقسمة وغير قادرة على تقديم بديل موحد. ورغم عودة رضا بهلوي إلى الواجهة، فإنه فشل في بناء تحالف واسع أو طرح خطة تغيير لا تعتمد على التدخل الأمريكي، فضلًا عن كونه شخصية شديدة الانقسام داخل المجتمع الإيراني.
ويخشى بعض الإيرانيين من أن يؤدي سقوط النظام إلى تفكك الدولة نفسها، في ظل تنوعها العرقي والمناطقي وتصاعد دعوات الانفصال.
وعلى المدى المتوسط، تبدو الرهانات واضحة بين مرشد يبلغ من العمر 86 عامًا ومجتمع شاب. فخامنئي سيهزمه الزمن، وقوة طهران الصلبة على مدى 47 عامًا ستُقهر في نهاية المطاف بالقوة الناعمة لأمة عريقة تسعى لاستعادة تاريخها، بحسب «ذي أتلانتك».