تييكا يارو.. قصة جندي بوركيني واجه الإرهاب لإنقاذ مدنيي «غومبورو»

وكالة أنباء حضرموت

في واحدة من أكثر اللحظات دموية وخطورة التي شهدتها بوركينا فاسو مؤخرًا، برز اسم جندي شاب ليجسد المعنى الحقيقي للشجاعة العسكرية والالتزام الإنساني.

خلال الهجمات المسلحة العنيفة التي ضربت منطقة غومبورو شمال البلاد بين 25 و27 سبتمبر/أيلول 2025، اتخذ تييكا يارو قرارًا استثنائيًا قلب موازين الخطر، حين اختار البقاء في قلب المواجهة لإنقاذ المدنيين، بينما انسحبت وحدات عسكرية إلى مواقع أكثر أمانًا.

تييكا يارو، جندي من الصف الثاني في اللواء 52 التابع للفوج المظلي القتالي بمدينة توغان، لم يتعامل مع المعركة باعتبارها مهمة عسكرية فحسب، بل كمسؤولية أخلاقية تجاه المدنيين العالقين تحت تهديد مباشر من الجماعات الإرهابية.

هذا الموقف الاستثنائي دفع السلطات في بوركينا فاسو إلى تكريمه رسميًا، أمس الجمعة، بحسب ما أورده موقع «لو فاسو.نت» الإخباري الناطق بالفرنسية.

قرار في لحظة فاصلة
خلال الأيام الثلاثة للهجمات، كانت قرى غومبورو تعيش تحت وطأة الخوف، مع تقدم عناصر إرهابية مسلحة واستهداف مباشر للمدنيين. وفي ظل هذا المشهد القاتم، وجد تييكا نفسه أمام خيارين: الانسحاب وفق مقتضيات السلامة العسكرية، أو البقاء لمواجهة خطر شبه مؤكد.

اختار الطريق الأصعب. مستندًا إلى معرفته الجيدة بتضاريس المنطقة وقدرته اللافتة على ضبط الأعصاب تحت الضغط، بادر بتنظيم عملية إخلاء دقيقة، نفذها عمليًا بمفرده. وتمكن من تأمين خروج رئيس القرية ونحو عشرة مدنيين آخرين، ونقلهم إلى منطقة آمنة بعيدًا عن مرمى الهجمات، رغم تعرضه لتهديدات مباشرة على حياته.

من هو تييكا يارو؟
ينحدر تييكا يارو من إحدى القرى القريبة من مدينة توغان شمال بوركينا فاسو. وهو شاب في أوائل العشرينات، نشأ في أسرة عسكرية متواضعة غرست فيه منذ الصغر قيم الانضباط والالتزام وحب الوطن. هذا المحيط الأسري شكّل ملامح شخصيته، وجعل الالتحاق بالجيش خيارًا طبيعيًا بعد إنهائه الدراسة الثانوية.

اختار تييكا الانضمام إلى اللواء 52 للفوج المظلي القتالي، أحد أكثر التشكيلات العسكرية صرامة من حيث التدريب والجاهزية، خاصة في مناطق النزاع الساخنة. ووفق شهادات زملائه، يتمتع بطبيعة هادئة وقدرة عالية على قراءة المواقف المعقدة واتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، وهي سمات لعبت دورًا حاسمًا في عملية إنقاذ المدنيين في غومبورو.

ما وراء الزي العسكري

خارج نطاق الخدمة العسكرية، يُعرف تييكا يارو بالتزامه المجتمعي، حيث يشارك في أنشطة تطوعية محلية تهدف إلى دعم الشباب وتعليمهم المهارات الأساسية للحياة. ويؤمن، بحسب مقربين منه، بأن حماية الوطن لا تقتصر على حمل السلاح، بل تبدأ من بناء مجتمع قادر على الصمود في وجه الأزمات.

هذا البعد الإنساني في شخصيته جعل قراره في غومبورو امتدادًا طبيعيًا لقناعاته، وليس مجرد رد فعل ظرفي على تهديد عابر.

تكريم رسمي ورسالة معنوية
لم تمر بطولة تييكا يارو مرور الكرام. فقد أعلنت القيادة العسكرية في بوركينا فاسو ترقيته إلى رتبة عريف استثنائي، قبل منحه «صليب المحارب» مع شارة «الشجاعة»، الأربعاء الماضي، تقديرًا لما أبداه من تفانٍ استثنائي في حماية المدنيين.

وأكد رئيس أركان الجيش الوطني وقادة القوات المسلحة أن تييكا يارو يجسد نموذجًا حيًا للشرف العسكري والانضباط والتفاني، معتبرين أن قصته تمثل رسالة واضحة داخل المؤسسة العسكرية، في وقت تواجه فيه البلاد تصاعدًا حادًا في التهديدات الإرهابية.

بطولة في سياق أمني معقد
تأتي قصة تييكا يارو في ظل موجة متزايدة من الهجمات المسلحة التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية الحيوية في شمال بوركينا فاسو، وتحديدًا في منطقة غومبورو، التي تُعد من أكثر المناطق هشاشة أمنيًا.

ومع محدودية الإمكانات اللوجستية وضغوط الميدان، أصبح الدور الفردي للجنود عاملًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح. وهو ما جعل عملية الإخلاء التي نفذها تييكا مثالًا حيًا على قدرة الجيش البوركينابي على العمل تحت أقسى الظروف، مع الحفاظ على أولوية حماية المدنيين.

أثر يتجاوز المعركة
على المستوى المجتمعي، تركت بطولة تييكا يارو أثرًا بالغًا في نفوس سكان غومبورو، الذين رأوا في موقفه بارقة أمل في زمن الخوف. وأكد العديد منهم أن ما فعله الجندي الشاب لم ينقذ حياتهم فحسب، بل أعاد الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على حمايتهم.

كما أسهم التكريم الرسمي له في رفع الروح المعنوية داخل صفوف القوات المسلحة، في رسالة مفادها أن التضحية من أجل الآخرين لا تزال جوهر الخدمة العسكرية في بوركينا فاسو.