اخبار الإقليم والعالم
تايوان والانتخابات.. مفاجآت قد تقلب المعادلات!
على وقع قرع طبول الحرب، يتوجه الشعب التايواني الى صناديق الانتخابات في 13 من كانون الثاني /يناير لانتخاب مجلس نيابي جديد يحدد السياسة المقبلة في المنطقة والتي تتجه إليها كل أنظار العالم.
فالإدارة الأميركية في واشنطن والصينية في بكين تراقبان عن كثب ماذا سيجري في الانتخابات وما سيتوصل إليه الناخبون في الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي والاستقلالية الخاصة التي تجبر بكين على الصراخ بأعلى صوتها بأنها معنية باستعادة الجزيرة للحفاظ عل وحدة اراضيها الكاملة.
والسؤال المطروح في ظل هذه الأجواء المشحونة بين القوتين العالميتين: هل سيكون لواقع هذه الانتخابات من تداعيات سلبية على الأجواء العالمية؟
وتتنافس في هذه الانتخابات ثلاث قوى أساسية وفاعلة ولكل منها توجهاتها الخاصة من خلال برامجها الإعلامية التي تحدد مساراتها السياسية في حال السيطرة على مقاليد الحكم في الجزيرة
- الحزب التقدمي التايواني الذي يقود الدولة من خلال إئتلاف خاص يملك 113 نائبًا ويحاول المحافظة عليهم للاستمرار بقيادة الدولة ويعتبر رئيسه وهو طبيب أن أولويات حزبه التواصل مع الولايات المتحدة للمحافظة على طبيعة الحياة الديمقراطية في تايوان بينما تسميه بكين الحزب الانفصالي وتخشى صعوده من جديد للحكم.
- حزب الكومينتانغ والذي يعتبر أن وصوله لقيادة الجزيرة سيؤدي الى بناء ثقة مع الأم "الصين" للعودة الى أحضانها ويقود الحزب شرطي سابق يؤمن بالعدالة ويحارب الفساد.
- حزب الشعب التايواني الذي يعتبر أن في أولويته الاهتمام بتطوير الدولة وتأمين الرفاهية للمواطن التايواني ، حيث يعتمد على تطوير التكنولوجيا والتعليم والاقتصاد بمعنى الاهتمام الأساسي للوضع الداخلي (الاقتصادي والاجتماعي ) يقوده رئيس بلدية العاصمة السابق ويعتبر خياراً ثالثاً لدى التايوانيين حيث يبقى موقفه من الصين غير واضح ولم يستطع هذا الحزب مع حزب الكومينتانغ التوصل الى تحالف وتشكيل محور أو إئتلاف فاعل بوجه الحزب التقدمي.
وفي تقرير لوكالة بلومبرغ الاميركية تم نشره في 9 كانون الثاني/يناير الحالي، يبقى شبح الحرب يخيم على شبه الجزيرة نتيجة المواقف الدولية وخاصة أميركا والصين من منطقة بحر الصين وفي طليعتها المشكلة التايوانية والتهديد النووي من كوريا الشمالية.
الظروف المناخية للحرب جاهزة لكن الشرارة لا تزال تستعر من أجل اندلاعها لكن الطرفان الأميركي والصين يحاولان اللعب حتى النهاية فأميركا تعمل على نشر قواعد عسكرية في المنطقة وتزويد الدول الصديقة بسلاح ردعي جديد وهناك اتفاقات توافق بين المجموعة الحليفة للولايات المتحدة (اليابان، الفلبين، كوريا الجنوبية واستراليا ) بضرورة تعزيز أميركا لقواعدها العسكرية في هذه الدول من اجل المحافظة على نفوذها ودعم أصدقائها في ظل تهديد كوريا الشمالية والصين.
وبالرغم من المناورات العسكرية الصينية في بحر الصين والدعاية الموجهة ضدها بأنها تريد استعادتها بالقوة وهي تؤهل جيشها للسيطرة على الجزيرة، في المقابل تعطي الصين إشارات للخارج بأنها غير معنية بالذهاب نحو الحرب ولن تعمل على استعادة الجزيرة بقوة السلاح وهي غير معنية بتوتير العلاقات مع الولايات المتحدة بل هي منفتحة وتعمل على تطوير التجارة حيث تقوم الفلسفة الصينية على رفض مبدأ الحرب وتعزيز القدرات الاقتصادية التي تعتبرها بكين الطريق الأوحد لتعزيز النفوذ العالمي من خلال بناء علاقات اقتصادية وتجارية مع العالم وفقًا للإستراتيجية القائمة على تطوير طريق الحرير والحزم.
وبالرغم من الأجواء المشحونة في المنطقة والتي توحي باندلاع الحرب بلحظات بين القوتين نرى أن الشعب التايوني يتجه للحفاظ على الهوية الوطنية التايونية والتمسك بها وهذا ما يمنع الصين بالسير في استخدام طريق المواجهة العسكرية التي سينعكس سلبًا عليها وعلى العالم.
يعلم الجميع بأن الحرب التي ستندلع ستكون أشد وأصعب من الحرب الأوكرانية الروسية وحتى أصعب من أزمة كورونا التي لا يزال العالم يعاني من آثارها حتى اليوم والاقتصاد الصيني في قلب هذه المعاناة .
وبحسب تقرير بلومبرغ فإن الحرب قذرة وتكون تكلفتها باهظة جدا وقد تبلغ خسارتها بحال اندلاعها عشرة تريليون دولار اي حوالي 10% من الناتج المحلي العالمي وربما انعكاس العقوبات الدولية على روسيا ساهم أكثر في تريث الصين بالذهاب في هذا التوجه الموجع لاقتصاد العالم.
بالرغم من تهيئة كل الظروف المناسبة لاندلاع هذه الحرب بظل الأجواء المشحونة والتوتر القائم بين بكين وواشنطن من اجل النفوذ والسيطرة لكن كما يبدو لا يزال التوتر والتصعيد مضبوطين في اتجاه الحلول من أجل المصالح الخاصة لكل طرف.
وفي قراءة سريعة لتطور الأحداث بحال التوجه نحو الحرب فمن البديهي جدًا طرح أهم السيناريوهات التي يمكن أن تستخدم:
السيناريو الأول: البقاء على ما هو قائم مع تعزيز بعض الشروط من خلال الضغط للوصول الى قطع المواصلات ومنع الشحن والتصدير والاستيراد ورفع الرسوم والتهديد باستخدام السلاح وفرض رسوم جمركية عالية وفرض عقوبات اقتصادية على الكيانات والأشخاص وتحويل صناعات الى دول اخرى .
السيناريو الثاني: سير الصين بتنفيذ عمليات عسكرية ضد تايوان من البحر والجو لجرّ الولايات المتحدة الى مواجهة عسكرية مما يعني تطور الصراع بين البلدين وعندها سيخسر الاقتصاد العالمي نحو 10,2 من الناتج المحلي العالمي يسبب الازمة وستخسر كل من ( تايوان 40%، الصين 16,7 والولايات المتحدة6,7% ) من الناتج المحلي لكل دولة .
السيناريو الثالث : يشمل فرض حصار من قبل الصين على الجزيرة التايوانية لشل قدراتها الاقتصادية والعسكرية فإن خسائر العالم ستكون أقل، أي حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الأول وعندها سيتراجع اقتصاد تايوان الى 12,2 واقتصاد الصين سيهبط الى 8,9والاميركي الى4,3 من الناتج المحلي بحسب مركز الأبحاث المالية والاقتصادية.
يذكر بأن الوضع في تايوان بدأ بالتوتر الفعلي بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي الجزيرة في آب/ أغسطس عام 2022، مما دفع الصين الى انتقاد هذه الخطوة الأميركية التي اعتبرتها بكين بأنها دعمًا للانفصاليين وقد دفعتها لإجراء أكبر مناورة عسكرية كتحدي للولايات المتحدة وبأن خيار الحرب مفتوح .
في ظل هذه الأجواء المتوترة، الانتخابات التايوانية قد تحمل مفاجأة للمراقبين والمتابعين بعد الإدلاء بأصوات الناخبين ولمن ستكون الغلبة ومن يفوض الناخب التايواني بحماية صوته؟
لكن الصين غير مستعدة للخوض في حرب عسكرية تكون مصيرها غير واضح وتنعكس سلبًا عليها وعلى اقتصادها فتعيق اندفاعها وتنفيذ إستراتيجيتها القائمة على الربط الداخلي والخارجي للعالم من أجل السيطرة الاقتصادية.