تقارير وحوارات
«خلية في شمال اليمن».. هل أحبطت «أنثروبيك» محاولة حوثية لتطوير صواريخ بالذكاء الاصطناعي؟
كشفت شركة أنثروبيك (Anthropic) عن حالة خطيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة موجّهة داخل اليمن، في واحدة من أكثر الوقائع تفصيلاً التي عرضتها الشركة بشأن إساءة استخدام نماذجها المتقدمة في المجال العسكري.
وفي تقرير حديث عن إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، قالت الشركة إنها حددت "خلية من الجهات الفاعلة في شمال اليمن" كانت تدير 3 برامج لتطوير الأسلحة، واستعانت بنموذجها |كلود" Claude لتطوير برمجيات متخصصة في توجيه الصواريخ والطائرات المسيرة والتحكم فيها.
ورغم أن أنثروبيك لم تسمِّ الجهة اليمنية المتورطة، فإن طبيعة النشاط وموقعه الجغرافي، إلى جانب السياق العسكري المعروف في اليمن، يشير بوضوع إلى مليشيات الحوثي الإرهابية، وفقا لما توقعته صحيفة نيوريورك تاميز.
3 برامج لتطوير الصواريخ
بحسب أنثروبيك، كانت الخلية تدير ثلاثة برامج رئيسية لتطوير الأسلحة.
الأول كان صاروخاً موجهاً يستخدم حاسوب طيران من فئة الهواتف التجارية، مع نظام توجيه ذاتي في المرحلة النهائية من الطيران.
أما البرنامج الثاني فكان يتعلق بـصاروخ باليستي متعدد المراحل، مع هدف معلن للوصول إلى مدى يتجاوز 2,000 كيلومتر.
والبرنامج الثالث حمل اسم «R2000»، وهو مجموعة متعددة المتغيرات من الصواريخ، تضمنت نسخة مزودة بما وصفه التقرير بـمركبة انزلاقية فرط صوتية.
لكن التطور الأكثر إثارة للانتباه لم يكن في طبيعة الأسلحة وحدها، وإنما في الطريقة التي استعانت بها الخلية بالذكاء الاصطناعي لتطويرها.
كلود بدلاً من مهندسي البرمجيات
قالت أنثروبيك إن أفراد الخلية استخدموا Claude Code بدلاً من مهندسي برمجيات بشريين لتطوير ما يعرف ببرمجيات التوجيه والملاحة والتحكم (GNC)، وهي البرمجيات المسؤولة عن توجيه المركبة أثناء الطيران والحفاظ على استقرارها.
وفي أحد الأمثلة التي أوردتها الشركة، استخدم أفراد الخلية كلود لدمج نظام قيادة آلي مفتوح المصدر مع حاسوب طيران من فئة الهواتف، إلى جانب كتابة برمجيات التحكم وتقدير الموقع، وضبط إعدادات التحكم، وتشغيل عملية بناء البرنامج الثابت، وإجراء محاكاة للطيران.
ولم يقتصر الاستخدام على الاستعانة بنموذج واحد لأداء مهمة محددة، بل أدارت الخلية عدة مثيلات من Claude في الوقت نفسه، ووزعت عليها أدواراً مختلفة، على غرار فريق هندسي صغير. فقد كُلّف أحد المثيلات بكتابة الشيفرة، بينما تولى آخر البحث، فيما استخدم ثالث لمراجعة الشيفرة التي أنتجها الأول.
وبذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للحصول على معلومات أو شرح مفاهيم هندسية، بل استُخدم، وفق رواية أنثروبيك، في أجزاء متعددة من دورة تطوير منظومة سلاح.
تجربة إطلاق انتهت بالفشل
وتشير المعلومات التي كشفتها أنثروبيك إلى أن النشاط لم يبقَ في نطاق التصميم النظري. فقد أجرت الخلية تجربة إطلاق لصاروخ موجّه، إلا أن الاختبار الميداني يبدو أنه انتهى بالفشل.
واللافت أن أفراد الخلية عادوا، خلال ساعات من التجربة، إلى كلود لمحاولة معرفة سبب فشل الإطلاق، ومع ذلك، تؤكد أنثروبيك أنها لا تملك دليلاً على أن الخلية نجحت في نشر أو تشغيل سلاح عملي.
كيف حاولت الخلية تجاوز ضوابط الذكاء الاصطناعي؟
لم تكن أنثروبيك غافلة تماماً عن طبيعة الاستخدام. وقالت الشركة إن أنظمة الحماية التابعة لها نجحت في منع العديد من الطلبات، لكن ليس جميعها.
وللالتفاف على هذه القيود، لجأت الخلية إلى مجموعة من الأساليب، من بينها إخفاء أهدافها الحقيقية والمنتجات التي ستستخدم فيها البرمجيات، كما قسّمت أعمالها على جلسات متعددة، بحيث لا تكشف أي جلسة بمفردها عن الصورة الكاملة للمشروع.
لكن الشركة أشارت إلى أن هذه الإجراءات لم تمنعها من الوصول إلى بعض المعلومات المتعلقة بالنشاط، وانتهت إلى حظر الحسابات المرتبطة بالجهات الفاعلة ومشاركة معلومات التهديد مع شركاء في القطاعين العام والخاص.
غير أن هناك جانباً أكثر تعقيداً في القضية، فالخلية كانت قد أنشأت بالفعل مجموعة أدوات للمحاكاة تعمل دون اتصال بالإنترنت ولا تعتمد على كلود أو على بيئات الحوسبة الهندسية الأخرى مثل MATLAB.
وهذا يعني أن حظر الحسابات لم يكن كافياً، بالضرورة، لإيقاف قدرتها التقنية على مواصلة العمل.
هل كانت هذه محاولة حوثية؟
لا تسمي أنثروبيك في تقريرها الجهة اليمنية بالاسم، لكن وجود خلية لتطوير صواريخ موجهة وباليستية في شمال اليمن، مع سعي إلى تطوير منظومات بعيدة المدى ومتقدمة، يجعل القضية شديدة الصلة بالقدرات الصاروخية التي طورتها مليشيات الحوثيين الإرهابية خلال السنوات الماضية.
كما أن الإشارة إلى إيران في سياق نفس التقرير، والتي استعانت أيضا بكلود لأغراض سيئة، تجعل احتمال وجود صلة بالحوثيين موضع اهتمام.
اليمن ليس الحالة الوحيدة
الحالة اليمنية جاءت ضمن تقرير أوسع لأنثروبيك حول إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الثمانية الماضية. وقالت الشركة إنها وثقت حالات أخرى لاستخدام نماذجها في تطوير أسلحة تقليدية، بما في ذلك الأسلحة النارية والصواريخ والطائرات المسيّرة المسلحة والقنابل، مشيرة إلى حالات في الصين وروسيا.
وتكتسب هذه الحالات أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش حول مخاطر الذكاء الاصطناعي من سيناريوهات افتراضية إلى استخدامات واقعية، حيث يمكن للنماذج المتقدمة أن تساعد في تنفيذ أجزاء من أعمال كانت تتطلب في السابق خبرات بشرية متخصصة.
تقرير شامل
وفي التقرير الذي استعرض حالات إساءة استخدام نماذجها للذكاء الاصطناعي، ونقلته صحيفة فايننشال تايمز، أشارت "أنثروبيك" إلى ابحاث بيولوجية لكنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تلك الأبحاث تهدف إلى غرض مشروع أم هدف خبيث، إذ أن الأبحاث البيولوجية السليمة، كتلك التي قد تفضي إلى إنجازات علمية هامة مثل ابتكار اللقاحات، يمكن أن تُستغل أيضاً في هندسة مسببات أمراض خطيرة.
ونظراً لهذا الغموض، آثرت الشركة توخي الحذر الشديد، معتبرةً أن عواقب عدم رصد الأنشطة الخبيثة قد تكون وخيمة للغاية.
وفي هذا الصدد، قال جاكوب كلاين، رئيس قسم استخبارات التهديدات في "أنثروبيك"، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز: "الأمر لا يتعلق بشخصية من قصص الرسوم المصورة تعلن صراحةً، ’أريد صنع سلاح بيولوجي للقضاء على البشرية‘، فالوضع ينطوي على تعقيدات وتفاصيل دقيقة للغاية".
وتُعد قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة على تسهيل تطوير مسببات أمراض بيولوجية، سواء كانت معروفة أو مستحدثة بالكامل، واحدةً من أخطر المخاوف التي تساور الخبراء بشأن هذه التكنولوجيا، فهي تتطور بوتيرة متسارعة لدرجة أن حتى كبار مطوريها يشككون في قدرة البشر على السيطرة عليها بشكل كامل.
مخاطر لم تحظى بالاهتمام الكافي
ومقارنةً بخطر الهجمات الإلكترونية الكارثية أو برامج الذكاء الاصطناعي التي لا تتوافق مع النوايا البشرية، لم يحظَ سوء استخدام الأسلحة البيولوجية بالاهتمام الكافي باعتباره خطرًا وجوديًا للذكاء الاصطناعي، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن الأمثلة السابقة اقتصرت عمومًا على البيئات البحثية لا الواقعية.
وقال أندرو ويبر، لصحيفة نيويورك تايمز، وهو الباحث البارز في مجلس المخاطر الاستراتيجية الذي راجع تقرير شركة أنثروبيك قبل نشره، إن النتائج تُعدّ "أمثلة مُرعبة على استغلال مطوري الأسلحة البيولوجية المدعومين من دولٍ ما للقدرات المتطورة بسرعة" لنماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.
وسرد التقرير المطوّل الذي نشرته أنثروبيك يوم الخميس سلسلةً من حالات إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، بما في ذلك برنامج الدردشة الآلي "كلود"، خلال الأشهر الثمانية الماضية.
وتشابهت بعض الأمثلة مع ما كشفته أنثروبيك ومختبرات ذكاء اصطناعي أخرى سابقًا، بما في ذلك جهات يُشتبه في ارتباطها بالحكومتين الصينية والإيرانية تستهدف مجتمعات المعارضة والشتات لأغراض المراقبة.
كما سلط التقرير الضوء على حالات استخدام وسائل الإعلام الحكومية الروسية لكلود لتوليد دعاية عبر الإنترنت تتنكر في صورة تقارير مستقلة، بما في ذلك ادعاءات ملفقة حول انتخابات في مولدوفا.
مصدر قلق متزايد
ويُعد استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الشبكات الإرهابية مصدر قلق متزايد لدى مسؤولي الأمن الأمريكيين.
ومع ذلك، فمن بين جميع فئات التهديدات التي أوردها التقرير، ربما لا شيء يثير القلق بقدر حالات الأبحاث البيولوجية.
ولم تكشف شركة "أنثروبيك" (Anthropic) عن أسماء الباحثين أو المؤسسات التي حظرتها، ولا عن البلدان التي ينتمون إليها أو العوامل البيولوجية المحددة المعنية، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم يقينها بشأن أهدافهم.
ورغم ذلك، ذكرت "أنثروبيك" أن العلماء تحايلوا على الضوابط التي وضعتها لمنع المستخدمين من المناطق المحظورة من الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وعملوا على "إخفاء الغرض من أبحاثهم للالتفاف على تدابير الحماية" التي تفرضها الشركة، وقد قامت الشركة بحظر الحسابات المرتبطة بتلك الأبحاث.
وفي مثال يعود لشهر مايو/أيار، سعى أحد العلماء للحصول على مساعدة نموذج "كلود" (Claude) في كتابة طلب للحصول على منحة مالية لإجراء أبحاث تهدف إلى تجربة فيروس "شيكونغونيا" (chikungunya) -وهو مرض ينقله البعوض ويمكن أن يؤدي إلى أشهر من الألم الشديد وأعراض أخرى.
ومثل هذه الأبحاث، المعروفة باسم أبحاث "اكتساب الوظيفة" (gain-of-function)، قد تكون مشروعة وتؤدي إلى تطوير لقاحات، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى خلق نسخ شديدة الخطورة (سلالات فائقة الضراوة) من الفيروسات.
وفي هذه الحالة تحديداً، أراد العالم هندسة طفرات في الفيروس تجعله أكثر ضرراً وفتكاً أثناء انتقاله المتكرر بين الحيوانات الحية.
وذكرت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) أنها رأت في هذا البحث تحديداً مدعاةً للقلق، وذلك جزئياً لأنها استطاعت أن تتبين أن العمل كان مُعدّاً ليُنجز في معهد أبحاث عسكري.
ووفق نيويورك تايمز، ذكرت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) أن تقييمات أجريت العام الماضي لنماذجها الأقدم أظهرت أنها لم تكن قادرة بعد على تقديم مساعدة ذات شأن في إجراء أبحاث بيولوجية خطيرة.
وأوضحت الشركة أن نماذجها الحالية تتمتع بقدرة أكبر على إنجاز أبحاث علمية معقدة، مما دفعها إلى فرض تدابير وقائية أكثر صرامة تهدف إلى تقييد الوصول إلى مجموعة واسعة من الاستعلامات المتعلقة بالأبحاث البيولوجية ذات الاستخدام المزدوج.