اخبار الإقليم والعالم

كردفان.. المعركة التي قد ترسم خريطة السودان الجديد

وكالة أنباء حضرموت

تتجه الأنظار مجدداً إلى كردفان باعتبارها واحدة من أكثر ساحات الحرب السودانية حساسية، في ظل تصاعد المعارك وتبادل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الإعلانات بشأن السيطرة على مناطق ومواقع استراتيجية. ولم تعد كردفان مجرد جبهة أخرى في حرب مفتوحة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بل باتت مرشحة لأن تتحول إلى مركز الثقل العسكري الذي يمكن أن يحدد اتجاه الصراع خلال المرحلة المقبلة.

وتكتسب المنطقة أهميتها من موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين وسط السودان وغربه، وبين مناطق النفوذ المختلفة للطرفين. ولذلك فإن المعركة فيها لا تتعلق فقط بالسيطرة على مدن أو طرق، وإنما بمحاولة كل طرف إعادة رسم شبكة الإمداد والانتشار العسكري بما يخدم أهدافه على المدى الأبعد.

تتمتع كردفان بموقع استراتيجي يجعلها أشبه بمفصل بين جبهات القتال. فهي تمتد على مساحة واسعة وتضم طرقاً تربط وسط البلاد بالمناطق الغربية، كما تشكل ممراً مهماً للحركة العسكرية واللوجستية. ومن هنا فإن السيطرة على أجزاء منها تمنح صاحبها قدرة أكبر على المناورة ونقل القوات والعتاد، وتضيق في المقابل خيارات الطرف الآخر.

ولهذا السبب، تبدو المعارك في كردفان مختلفة عن المواجهات التي تدور في مناطق أخرى. فكل تقدم عسكري يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة نفسها، خصوصاً إذا أدى إلى قطع طرق الإمداد أو تأمين ممرات جديدة نحو دارفور أو النيل الأبيض ووسط السودان.

وتزداد أهمية كردفان في ظل تبلور مناطق نفوذ متباينة داخل السودان. فكل طرف يحاول تثبيت وجوده في المناطق التي يسيطر عليها، مع البحث عن طرق تربط هذه المناطق ببعضها وتمنع عزلها عسكرياً. وفي هذه المعادلة تصبح كردفان ساحة حاسمة في معركة الوصل والفصل بين هذه الجيوب.

ولا تكمن أهمية كردفان في عدد المدن والمواقع التي يمكن السيطرة عليها فقط، بل في شبكة الطرق التي تمر عبرها. ففي الحروب الممتدة، تتحول خطوط الإمداد إلى عنصر حاسم في قدرة القوات على الاستمرار، وقد تكون السيطرة على طريق استراتيجي أكثر أهمية من السيطرة على موقع عسكري محدود.

ومن هذه الزاوية، فإن المعركة في كردفان هي أيضاً معركة على القدرة على الحركة. الجيش يسعى إلى الحفاظ على خطوطه التي تربط مواقعه في وسط وشمال البلاد بالجبهة الغربية، بينما تحاول قوات الدعم السريع تأمين خطوط الحركة والإمداد التي تدعم انتشارها في المناطق الغربية.

وهنا يمكن تفسير شدة التنافس على المواقع والطرق في المنطقة؛ فالمكسب الحقيقي لا يتمثل فقط في رفع علم طرف فوق مدينة، وإنما في تحويل السيطرة الميدانية إلى قدرة مستدامة على تحريك القوات وتعزيزها.

منذ اندلاع الحرب، شهد ميزان القوى تحولات متكررة، إذ لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق حسم شامل. ومع استمرار الحرب، تتزايد أهمية المناطق التي يمكن أن تمنح أحد الطرفين أفضلية استراتيجية بدلاً من مجرد مكاسب تكتيكية مؤقتة.

قد لا تكون كردفان مجرد مسرح إضافي للحرب، بل الساحة التي تختبر فيها قدرة الجيش والدعم السريع على الانتقال من حرب الاستنزاف إلى محاولة فرض معادلة جديدة

وهذا تحديداً ما يجعل كردفان مرشحة للعب هذا الدور. فإذا تمكن أحد الطرفين من تثبيت نفوذه على نطاق واسع في المنطقة، فقد يصبح أكثر قدرة على إعادة ترتيب جبهاته وفتح مسارات جديدة، في وقت يمكن أن يؤدي فيه فقدان بعض المواقع إلى عزل قوات أو إضعاف قدرتها على تلقي التعزيزات.

كما أن تطورات كردفان قد تؤثر في شكل الصراع في دارفور، حيث تتمركز كتلة أساسية من نفوذ الدعم السريع، وفي وسط السودان حيث يحاول الجيش الحفاظ على مناطق نفوذه ومؤسساته وممراته الحيوية. ولذلك فإن نتيجة المعارك في كردفان يمكن أن تخلق توازناً جديداً بين المركز والأطراف.

الأهم في معركة كردفان أنها تأتي في مرحلة لم تعد فيها الحرب مجرد مواجهة من أجل السيطرة على العاصمة. فقد تحول الصراع تدريجياً إلى تنافس على بناء مناطق نفوذ قابلة للاستمرار، وهو ما يرفع قيمة المناطق الواقعة بين هذه المراكز.

وفي حال استمر الجمود العسكري على الجبهات الرئيسية، يمكن أن تصبح كردفان ساحة لاختبار قدرة كل طرف على تحويل انتصاراته الجزئية إلى واقع جغرافي وسياسي. فالطرف الذي ينجح في تثبيت نفوذه هناك قد يمتلك ورقة أقوى في أي مفاوضات مقبلة، ليس فقط بسبب ما يسيطر عليه من أراضٍ، وإنما بسبب قدرته على التأثير في حركة الخصم وإمداداته.

وهذا يعني أن المعركة قد تنتقل من سؤال «من يسيطر على المدينة؟» إلى سؤال أكبر: «من يملك القدرة على ربط مناطق نفوذه وتأمينها؟».

ولا يعني تصاعد أهمية كردفان بالضرورة أن الحرب تتجه إلى حسم سريع. على العكس، قد يؤدي استمرار القتال إلى ترسيخ الانقسام الجغرافي إذا تمكن كل طرف من بناء خطوط نفوذ مستقرة. وفي هذه الحالة تصبح كردفان منطقة فاصلة بين مراكز قوة متنافسة، بدلاً من أن تكون جسراً بينها.

لكن السيناريو الآخر يتمثل في نجاح أحد الطرفين في تحقيق اختراق واسع يغير ميزان القوى. وإذا حدث ذلك، فقد لا تبقى كردفان مجرد جبهة عسكرية، بل تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة ترتيب الخريطة العسكرية والسياسية للسودان.

ومن هنا تكتسب التطورات الميدانية في المنطقة أهمية تتجاوز البيانات اليومية المتضاربة حول السيطرة على هذا الموقع أو ذاك. فالمسألة الأساسية هي ما إذا كانت هذه المكاسب قادرة على تغيير خطوط الإمداد، وإعادة توزيع القوات، وفرض واقع جغرافي جديد.

في نهاية المطاف، قد لا تكون كردفان مجرد مسرح إضافي للحرب السودانية، بل الساحة التي تختبر فيها قدرة الجيش والدعم السريع على الانتقال من حرب الاستنزاف إلى محاولة فرض معادلة جديدة. وإذا كان مستقبل السودان سيتحدد إلى حد كبير وفق خريطة النفوذ التي ستخرج من الحرب، فإن كردفان تبدو واحدة من أهم القطع التي يمكن أن تحدد شكل تلك الخريطة.

فالمعركة هناك ليست على الأرض وحدها، بل على الطريق الذي سيقود السودان إلى ما بعد الحرب.

مصر تعيد بناء أمن الطاقة.. هل تستعيد موقعها الغازي؟


الشرعية اليمنية تقطع مع الانتظار: جاهزون للمواجهة


واشنطن ترحب باندماج قسد وتدعم مسار سوريا الموحدة


بـ4 صواريخ باليستية.. الحوثي يعاود قصف المخا اليمنية