تقارير وحوارات

من اليمن إلى السودان.. كيف تتوسع شبكات السلاح في أفريقيا؟

وكالة أنباء حضرموت

لم تعد الحرب السودانية محصورة في خطوط المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولا حتى في حدود البلاد التي دخلت عامها الرابع وسط أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة. فالتطورات الأخيرة تكشف عن بروز طبقة أخرى من الصراع، تتمثل في اتساع شبكات السلاح والتهريب التي تتحرك عبر البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، مستفيدة من هشاشة الحدود وتعدد الفاعلين المسلحين وتراجع قدرة الدول على ضبط طرق التجارة غير المشروعة.

وفي أحدث مؤشر على هذا التحول، سلط تقرير نشر الأربعاء الضوء على تنامي علاقات الحوثيين في اليمن مع جماعات وشبكات في أفريقيا، بينها حركة الشباب في الصومال وأطراف مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، بما أدى إلى نشوء شبكات لتبادل الأسلحة والخبرات والموارد عبر البحر الأحمر. ويضع التقرير هذا النشاط في سياق أوسع لشبكات بناها الحوثيون بالتوازي مع منظومة الدعم والتسليح الإيرانية في المنطقة.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تحالف موحد بين جميع هذه الأطراف، لكن المؤشرات المتراكمة تكشف عن اقتصاد أمني عابر للحدود، تتداخل فيه مصالح جماعات مسلحة وشبكات تهريب ووسطاء وممرات بحرية وبرية، بحيث تصبح الحدود بين تهريب السلاح وتمويل الجماعات المسلحة وتوفير الخدمات اللوجستية أكثر ضبابية.

وتكمن أهمية السودان في هذه المعادلة في موقعه الجغرافي. فالساحل السوداني على البحر الأحمر يمنح البلاد منفذاً مباشراً على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، فيما ترتبط موانئه ومناطقه الشرقية بشبكة أوسع تمتد إلى إريتريا واليمن والصومال.

وتشير أبحاث متخصصة إلى أن الحرب السودانية ساهمت في خلق بيئة مناسبة لتوسيع شبكات التهريب، خصوصاً مع ضعف الرقابة على مساحات واسعة من البلاد وتعدد القوى المسلحة. كما أشار تقرير لمؤسسة القرن إلى مزاعم وتقارير عن استخدام السودان وإريتريا ضمن مسارات لنقل أسلحة ومكونات عسكرية، مع طرح احتمال تشكل ممر يربط السودان وإريتريا واليمن. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن بعض هذه الادعاءات لا تزال بحاجة إلى إثبات مستقل وحاسم.

وهنا تبرز المفارقة: الحرب التي بدأت باعتبارها صراعاً على السلطة داخل السودان باتت تخلق بنية تحتية غير رسمية للصراعات الإقليمية. فكلما طال أمد القتال، زادت قيمة الموانئ والمناطق الحدودية ومسارات التهريب، وأصبح التحكم فيها جزءاً من الصراع نفسه.

بالنسبة إلى الحوثيين، يمثل القرن الأفريقي امتداداً جغرافياً طبيعياً لنشاطهم في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد سبق أن وثقت تقارير دولية وجود شبكات تهريب تربط اليمن بالصومال، فيما تحدثت تقارير أممية عن استخدام الصومال كنقطة عبور لشحنات أسلحة متجهة إلى مناطق خاضعة للحوثيين. كما أشارت تقارير إلى تعاون متزايد بين الحوثيين وحركة الشباب في مجالات تتعلق بالتهريب والتدريب والخدمات اللوجستية.

وتكتسب هذه الشبكات أهمية أكبر لأن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على أراضٍ أفريقية حتى يوسعوا نفوذهم. يكفي أن يمتلكوا شركاء محليين ووسطاء وممرات آمنة تسمح بنقل الأموال أو المعدات أو الخبرات.

المؤشرات المتراكمة تكشف عن اقتصاد أمني عابر للحدود، تتداخل فيه مصالح جماعات مسلحة وشبكات تهريب ووسطاء وممرات بحرية وبرية

وهذه بالضبط هي طبيعة النفوذ الذي باتت تتجه إليه الجماعات المسلحة الحديثة: شبكة بدلاً من قاعدة، وممرات بدلاً من أراضٍ، وشركاء محليون بدلاً من وجود عسكري مباشر.

لا يمكن فصل هذا التطور عن التدهور الأمني المتزايد في البحر الأحمر وخليج عدن. فعودة القرصنة قبالة السواحل الصومالية خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع استمرار التهديدات المرتبطة بالحوثيين، أعادت المنطقة إلى دائرة المخاطر البحرية. وشهد أغسطس/آب الحالي عمليات خطف سفن عدة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى البيئة الأمنية.

وفي هذه البيئة، يصبح تهريب السلاح أكثر سهولة عندما تتوافر مساحات بحرية واسعة، وسواحل ضعيفة الرقابة، وموانئ متعددة، وجماعات مسلحة تملك خبرة في الحركة غير النظامية.

كما أن نشاط هذه الشبكات لا يسير في اتجاه واحد بالضرورة. فالدراسات المتخصصة تشير إلى أن طرق التهريب في البحر الأحمر والقرن الأفريقي أصبحت أكثر ترابطاً، وأن الأسلحة والأموال والمعلومات والخبرات يمكن أن تتحرك في اتجاهات متعددة بحسب احتياجات الجماعات والظروف الأمنية.

لا تقتصر مشكلة السودان على احتمال ارتباطه بشبكات الحوثيين. فالحرب نفسها تحولت إلى سوق ضخمة للأسلحة والمعدات والطائرات المسيّرة والذخائر، تعتمد على خطوط إمداد خارجية متعددة.

وتشير تحليلات دولية إلى أن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل واللوجستيات من خارج السودان يمثل أحد الأسباب الأساسية لاستمرار الحرب، وأن الطرفين المتحاربين حصلا على دعم خارجي بدرجات وأشكال مختلفة.

كما أدى تعدد الفصائل المسلحة داخل السودان إلى زيادة الطلب على السلاح. وتشير تقديرات حديثة إلى وجود نحو 150 جماعة مسلحة وفصيلاً عسكرياً وشبه عسكري ينشطون بدرجات متفاوتة في الحرب، ما يجعل السيطرة على سوق السلاح أكثر صعوبة.

وبذلك لا يعود السؤال فقط: من يسلح الجيش أو الدعم السريع؟ بل يصبح السؤال الأوسع: من يسيطر على طرق انتقال السلاح إلى السودان، ومن يملك القدرة على تحويل تلك الطرق إلى أدوات نفوذ سياسي وأمني؟

تزداد حساسية المشهد مع وجود إيران في خلفية جزء من هذه الشبكات. فالتحالف بين طهران والحوثيين وفر للأخيرين قدرات عسكرية وتقنية وشبكات إمداد تطورت على مدى سنوات، بينما أصبحت مناطق القرن الأفريقي جزءاً مهماً من الحسابات اللوجستية المتعلقة بالبحر الأحمر.

ولا يعني ذلك أن كل حركة سلاح في المنطقة مرتبطة بإيران أو الحوثيين؛ فالسودان نفسه أصبح ساحة تتنافس فيها شبكات إقليمية ودولية متعددة. لكن تقاطع المصالح بين الجماعات المسلحة وشبكات التهريب يجعل المنطقة أكثر قابلية لتبادل الخبرات والموارد.

وتكشف هذه الصورة أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر للتجارة العالمية، بل يتحول تدريجياً إلى حزام أمني يمتد من اليمن إلى الصومال والسودان وإريتريا، وتتداخل داخله الحروب المحلية مع صراعات القوى الإقليمية والدولية.

تهريب السلاح يصبح أكثر سهولة عندما تتوافر مساحات بحرية واسعة، وسواحل ضعيفة الرقابة، وموانئ متعددة، وجماعات مسلحة تملك خبرة في الحركة غير النظامية

الخطر الأكبر أن يؤدي استمرار الحرب إلى ترسيخ هذه الشبكات بدلاً من أن تبقى مجرد أدوات مؤقتة لتمويل القتال.

فكلما طال أمد الصراع، تتطور طرق التهريب، وتتوسع شبكات الوسطاء، وتصبح الجماعات المسلحة أكثر اعتماداً على اقتصاد الحرب. وعندها يصبح إنهاء القتال أصعب، لأن أطرافاً كثيرة تكون قد بنت مصالح اقتصادية وأمنية مرتبطة باستمرار الفوضى.

كما أن انتشار السلاح لا يهدد السودان وحده. فالحدود مع تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا، إلى جانب الساحل على البحر الأحمر، تجعل أي تحول في السودان قابلاً للانتقال إلى دول الجوار.

وهذا ما يجعل الحرب السودانية مختلفة عن صراع داخلي تقليدي. فالسودان يقع في نقطة تلتقي فيها القرن الأفريقي والبحر الأحمر وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ولذلك فإن أي شبكة تهريب تنشأ داخله يمكن أن تجد سريعاً امتدادات إقليمية.

المشكلة إذن لا تتعلق فقط بوقف شحنات السلاح، وإنما بتفكيك البنية التي تسمح لهذه الشحنات بالوصول إلى مناطق الصراع. وهذا يتطلب تعاوناً بين دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتعزيز الرقابة على الموانئ والمياه الإقليمية، وتعقب الأموال التي تمول شبكات التهريب، إلى جانب تشديد الرقابة على حركة السفن التجارية المشبوهة.

لكن التجربة السودانية تظهر أن العقوبات وحدها لا تكفي. فقد خلصت تحليلات دولية إلى أن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل الخارجي يعني أن أي مسار دبلوماسي لا يتعامل مع مصادر هذا الدعم سيظل عاجزاً عن إنهاء الحرب بصورة مستدامة.

ومن هنا، فإن مواجهة شبكات السلاح يجب أن تكون جزءاً من أي تسوية سياسية مستقبلية، لا ملفاً منفصلاً عنها. فحتى لو توقفت المعارك مؤقتاً، ستبقى شبكات التهريب قادرة على إعادة إشعالها إذا لم تُفكك مصادر تمويلها وممراتها اللوجستية.

تكشف التطورات الجديدة أن الحرب السودانية دخلت مرحلة لم يعد ممكناً فيها الفصل بين الداخل والخارج. فالسلاح الذي يدخل السودان، والشبكات التي تموله، والممرات البحرية التي تستخدم لنقله، والجماعات التي تتبادل الخدمات والخبرات، كلها أصبحت عناصر في معادلة واحدة.

ومن اليمن إلى الصومال، ومن البحر الأحمر إلى السودان، تتشكل تدريجياً شبكة صراعات ومصالح تجعل أمن المنطقة مترابطاً بصورة غير مسبوقة.

ولهذا فإن وقف الحرب في السودان لن يكون مجرد تسوية بين الجيش والدعم السريع. سيكون أيضاً معركة لاستعادة السيطرة على الممرات والحدود والموانئ واقتصاد الحرب. وإذا لم تُحسم هذه المعركة، فإن السودان قد يخرج من حربه الداخلية ليجد نفسه عالقاً في شبكة إقليمية أوسع، تتحول فيها تجارة السلاح والتهريب من نتيجة للفوضى إلى أحد أسباب استمرارها.

مصر تعيد بناء أمن الطاقة.. هل تستعيد موقعها الغازي؟


الشرعية اليمنية تقطع مع الانتظار: جاهزون للمواجهة


واشنطن ترحب باندماج قسد وتدعم مسار سوريا الموحدة


بـ4 صواريخ باليستية.. الحوثي يعاود قصف المخا اليمنية