اخبار الإقليم والعالم
الحسم الاقتصادي.. ترامب يوقف الحرب ويتخلى عن مضيق هرمز
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء ما وصفه بـ«حرب اقتصادية» و«عزلة على نطاق غير مسبوق» ضد إيران، مهدداً الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تقدم دعماً لطهران بعواقب اقتصادية قاسية. ودعا إلى وقف تهريب النفط، وتحويلات الأموال، وخطوط المقايضة، واستخدام شركات الواجهة وتغيير سجلات السفن، في محاولة لإغلاق المنافذ التي استخدمتها إيران طوال سنوات العقوبات للحفاظ على تدفق مواردها.
لكن إعلان ترامب يفتح سؤالاً أكبر من حجم العقوبات نفسها: هل يكون الحسم الاقتصادي هو البديل عن الحسم العسكري، أم أنه مجرد طريقة لإطالة الحرب من دون حسم سياسي أو استراتيجي؟
حتى الآن، تبدو واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحرب العسكرية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، بحسب الرواية الأميركية، لكن استمرار الأزمة حول مضيق هرمز يكشف أن تدمير القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة الإيرانية على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط.
وهنا تظهر أهمية التحول من «ضرب إيران» إلى «خنق إيران».
وإذا تمكنت الولايات المتحدة من إغلاق منافذ النفط والتمويل والتهريب، فإنها قد تكون اختارت عملياً استراتيجية تقوم على إنهاك إيران بدلاً من الدخول في جولة عسكرية جديدة ذات نتائج غير مضمونة.
لكن المشكلة أن العقوبات ليست جديدة على إيران. فقد عاشت الجمهورية الإسلامية عقوداً من الحصار، وطورت خلالها شبكات للالتفاف على العقوبات، من شركات الواجهة والأساطيل غير الشفافة إلى المقايضة والعملات البديلة والوسطاء الإقليميين.
والأهم أن النفط الإيراني وجد على مدى سنوات طريقه إلى الأسواق الآسيوية، وخصوصاً الصين، عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل». وتقول تقارير حديثة إن العقوبات الأميركية دفعت إيران إلى الاعتماد بصورة متزايدة على ناقلات قديمة وشبكات بحرية معقدة لتسويق نفطها.
لذلك فإن نجاح الخطة الأميركية يتوقف على سؤال بالغ الصعوبة: هل تستطيع واشنطن بالفعل إغلاق كل هذه المنافذ، أم أنها ستجد نفسها أمام حرب طويلة مع شبكات التهريب والوسطاء والسفن التي تتغير أعلامها وشركاتها ومساراتها باستمرار؟
وسيكون اختبار القوة الحقيقي خارج إيران نفسها.
فماذا ستفعل واشنطن إذا ظهرت سفن روسية متجهة إلى إيران أو شاركت شركات روسية في تسهيل التجارة معها؟ وهل ستذهب الإدارة الأميركية إلى حد مواجهة روسيا اقتصادياً وبحرياً لمنعها من كسر الحصار؟
والسؤال أكثر حساسية مع الصين، التي ظلت لسنوات الوجهة الأهم للنفط الإيراني. فإيقاف صادرات النفط الإيرانية لا يعني فقط معاقبة طهران، بل يعني الدخول في مواجهة مع شبكة المصالح الصينية التي تستفيد من النفط الإيراني بأسعار وشروط تتناسب مع اقتصاد العقوبات.
وهنا يمكن أن يتحول «الحسم الاقتصادي» إلى معركة أوسع من إيران نفسها: هل تريد واشنطن حصاراً إيرانياً أم حصاراً دولياً تقوده الولايات المتحدة؟
والفارق بين الاثنين هائل. ففرض العقوبات على إيران أسهل بكثير من إجبار جميع الدول على تطبيقها بالدرجة نفسها. وحتى الحلفاء الإقليميون قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى إبقاء قنوات تجارية محدودة مع طهران، خصوصاً إذا طال أمد المواجهة وارتفعت كلفة القطيعة.
هل توجد استثناءات للحصار الكامل؟
حتى في أقصى سيناريوهات الضغط، سيكون من الصعب عملياً بناء جدار اقتصادي كامل حول إيران. فهناك الغذاء والدواء، والتجارة الحدودية، والتحويلات الفردية، والموانئ، والخدمات البحرية، والتجارة عبر دول ثالثة. كما أن واشنطن نفسها ستواجه سؤالاً سياسياً حول مدى استعدادها لمعاقبة كل دولة لا تلتزم حرفياً بالعزلة الأميركية.
واشنطن تراهن على خنق طهران بدلاً من توجيه ضربة جديدة.. لكن عزل إيران قد يترك أخطر ملفات الحرب مفتوحاً: من يملك قرار الملاحة في مضيق هرمز؟
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن الحصار الكامل قد يدفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات فردية مع طهران بدلاً من الالتزام بجبهة موحدة ضدها. وهنا تعود هرمز إلى قلب المعادلة.
الاتحاد الأوروبي قال في يونيو إن الحرس الثوري الإيراني فرض نظاماً للمعلومات والرسوم على السفن التي تعبر المضيق، بحيث تقدم السفن بيانات عن هويتها وشحنتها ووجهتها، فيما تُحدد السلطات الإيرانية السماح بالعبور في بعض الحالات بعد دفع رسوم.
وهذا تحديداً هو السيناريو الذي يجعل الحسم الاقتصادي ناقصاً. فإذا انتهت العمليات العسكرية الكبرى، ولم تتوصل واشنطن وطهران إلى تسوية واضحة بشأن الملاحة، فقد تجد دول الخليج نفسها أمام واقع جديد: إيران لا تستطيع بالضرورة إغلاق هرمز بالكامل، لكنها تستطيع التأثير في حركة السفن وفرض شروط على العبور.
وقد ظهرت بالفعل خلافات حول الرسوم وآليات التفتيش في المفاوضات الخاصة بإعادة فتح المضيق؛ إذ طرحت إيران رسوماً تصل إلى 5-7%، فيما رفضت واشنطن فكرة الرسوم، واقترحت عُمان نسبة أقل. وهنا يكمن الخطر الاستراتيجي.
فإذا عجزت الولايات المتحدة عن فرض مبدأ حرية الملاحة بصورة واضحة، فقد تنشأ مع الوقت صفقات ثنائية بين إيران وكل دولة خليجية على حدة: ترتيبات للمرور، رسوم، آليات تفتيش، وضمانات أمنية. وما يبدأ كتسوية مؤقتة قد يتحول تدريجياً إلى اعتراف عملي بنفوذ إيراني على حركة الملاحة.
هل يستطيع الاقتصاد إجبار إيران على الاستسلام؟ هذا هو السؤال الأصعب.
قد يؤدي الحصار إلى انهيار العملة، وتراجع الصادرات، واستنزاف الاحتياطيات، وزيادة التضخم والبطالة، ويضع النظام أمام ضغوط اجتماعية متصاعدة. لكن الانتقال من الألم الاقتصادي إلى الاستسلام السياسي ليس آلياً.
إيران ليست دولة اعتادت الضغوط لفترة قصيرة ثم تبحث عن مخرج سريع. النظام بنى جزءاً من شرعيته الداخلية على فكرة الصمود أمام العقوبات والتهديد الخارجي، ويمكنه تقديم الخسائر الاقتصادية باعتبارها ثمناً لمواجهة الولايات المتحدة.
لذلك قد يؤدي الحصار الشامل إلى إضعاف إيران من دون أن يدفع قيادتها بالضرورة إلى التنازل في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها السيادة والملاحة والبرنامج النووي.
بل إن الحصار الطويل قد يمنح التيار الأكثر تشدداً داخل النظام حجة إضافية للقول إن الغرب لا يريد اتفاقاً وإنما يريد إخضاع إيران.
لهذا فإن إعلان ترامب قد يمثل تحولاً مهماً في طبيعة الحرب، لكنه لا يعني بالضرورة نهايتها. فالخيار العسكري المباشر يحمل كلفة ضخمة على الولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة، فيما يوفر الحصار الاقتصادي بديلاً أقل كلفة عسكرياً وأكثر قابلية للاستمرار.
لكن ثمنه قد يكون الزمن.
حرب اقتصادية طويلة تعني إبقاء إيران تحت الضغط، وفي الوقت نفسه إبقاء الخليج تحت التهديد، وإبقاء هرمز ورقة تفاوضية مفتوحة، واستمرار المعركة حول النفط والأساطيل وشركات التأمين والموانئ والتحويلات المالية.
وقد تصبح المعادلة الجديدة أكثر تعقيداً: واشنطن تمنع إيران من تحقيق عائد كامل من هرمز، وإيران تمنع المنطقة من العودة الكاملة إلى حرية الملاحة التي كانت قائمة قبل الحرب.
وهذا ليس نصراً كاملاً لأي طرف. فإذا كان الخيار العسكري قد وصل إلى سقف ما يمكن أن يحققه من دون التورط في حرب إقليمية أوسع، فإن الحسم الاقتصادي يصبح محاولة لإجبار إيران على التراجع عبر الزمن.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس فقط بانهيار الريال أو انخفاض صادرات النفط، بل بالسؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن منع إيران من تحويل هرمز إلى ورقة نفوذ دائمة؟
ذلك أن أخطر نتيجة للحصار قد لا تكون انهيار الاقتصاد الإيراني، وإنما نشوء توازن جديد في الخليج تقوم فيه كل دولة بإدارة علاقتها مع طهران منفردة، وتتعامل مع المرور في هرمز باعتباره ملفاً تفاوضياً لا حقاً ثابتاً للملاحة.
عندها ستكون الولايات المتحدة قد تجنبت جولة عسكرية جديدة، لكنها قد تكون تركت لإيران مكسباً استراتيجياً طويل الأمد: القدرة على تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى ورقة سياسية واقتصادية تستخدمها كلما أرادت التفاوض أو الضغط.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المواجهة ليس فقط: هل ينجح ترامب في خنق الاقتصاد الإيراني؟ بل: هل يستطيع خنق إيران من دون أن يسمح لها بخنق هرمز؟