اخبار الإقليم والعالم
اصطدام غواصتين نوويتين في ظلام الأطلسي
في واحدة من أغرب وقائع الردع النووي في العصر الحديث، شهدت أعماق المحيط الأطلسي حادثاً نادراً كاد يتحول إلى كارثة استراتيجية تهدد العالم.
في ليلة 3 - 4 فبراير/شباط 2009، اصطدمت غواصتان نوويتان بريطانية وفرنسية، مسلحتان بصواريخ باليستية، في واقعة جسدت مفارقة تكنولوجيا التخفي العسكري؛ إذ إن الوسيلة التي صُممت لحماية الغواصتين من أعين الخصوم جعلتهما عاجزتين عن اكتشاف وجود إحداهما للأخرى قبل الاصطدام.
«البيت الأبيض» كان هدفاً.. تفاصيل الخطة السرية لهجمات 11 سبتمبر
وبحسب مجلة ناشيونال إنترست، كانت الغواصة البريطانية «إتش إم إس فانغارد» والفرنسية «لو تريومفان» تنفذان مهام في مياه الأطلسي، وهما من أبرز منصات الردع النووي لدى بلديهما.
وعلى الرغم من الاتساع الهائل للمحيط، التقت الغواصتان في نقطة واحدة تحت الماء، في حادث بدا احتمال وقوعه ضئيلاً للغاية، لكنه أثبت أن أكثر السيناريوهات استبعاداً قد تصبح واقعاً عندما تجتمع تقنيات التخفي العالية في منطقة عمليات واحدة.
ترسانة نووية فوق حافة الخطر
كان حجم المخاطر هائلاً؛ إذ يتجاوز وزن كل غواصة 14 ألف طن، ويمكن لكل منهما حمل ما يصل إلى 16 صاروخاً باليستياً، ما يعني وجود عشرات الرؤوس النووية في المكان نفسه لحظة الاصطدام.
وكان على متن «فانغارد» 135 فرداً، في حين ضمت «لو تريومفان» 111 بحاراً، ليجد مئات الأشخاص أنفسهم أمام احتمال كارثة بشرية ونووية بالغة الخطورة.
ولحسن الحظ، حالت السرعة المنخفضة للغواصتين دون تحول الاصطدام إلى حادث أكثر تدميراً. فلم تُسجل إصابات بين أفراد الطاقمين، كما لم يحدث تسرب إشعاعي أو خلل في سلامة الأسلحة النووية، وفق ما أكدته السلطات البريطانية لاحقاً. وبذلك انتهت المواجهة المفاجئة من دون خسائر بشرية أو كارثة بيئية.
تصادم صامت وأضرار جسيمة
ظلت التفاصيل الدقيقة للحادث محاطة بالسرية، باعتبار أن مواقع دوريات الغواصات النووية من أكثر المعلومات العسكرية حساسية. وكانت «فانغارد» في دورية روتينية، في حين كانت «لو تريومفان» عائدة من مهمة مماثلة.
وأعلنت فرنسا في السادس من فبراير/شباط أن غواصتها اصطدمت بجسم مغمور مجهول، يعتقد أنه حاوية شحن، قبل أن يؤكد قائد البحرية البريطانية، الأدميرال السير جوناثان باند، في السادس عشر من فبراير/شباط، حقيقة التصادم بين الغواصتين.
وأدى الاصطدام إلى أضرار كبيرة؛ فقد تضرر الغلاف الخارجي للغواصة البريطانية حول حجرة الصواريخ، في حين تعرضت مقدمة الغواصة الفرنسية وقبة السونار لأضرار شديدة، بما يشير إلى أن «لو تريومفان» اصطدمت بالغواصة البريطانية عن طريق الخطأ.
ومع ذلك، تمكنت الغواصتان من العودة إلى قاعدتيهما بقوتهما الذاتية، فيما تجاوزت تكلفة الإصلاحات 73 مليون دولار آنذاك.
كما كشف الحادث عن مفارقة خطيرة في عالم الردع النووي: فالتقنيات التي تجعل الغواصات شديدة التخفي أمام الخصوم قد تتحول، في ظروف نادرة، إلى مصدر خطر عليها هي نفسها.
ورغم أن احتمال تكرار حادث مماثل يظل منخفضاً، فإن وقوعه مرة واحدة يكفي لإثبات أن المستحيل ليس مستحيلاً.
ويبقى السؤال: هل يمكن للقوى النووية تعزيز التنسيق بين غواصاتها من دون المساس بأسرار الردع، أم أن الحفاظ على السرية سيظل مقدماً حتى على منع كارثة قد تكون عواقبها غير قابلة للاحتواء؟