تقارير وحوارات

الحوثيون يردون على الضغط الاقتصادي السعودي بالتصعيد العسكري

وكالة أنباء حضرموت

لا تبدو التصريحات الأخيرة لجماعة الحوثيين بشأن استمرار عملياتها ضد السعودية منفصلة عن المعركة الاقتصادية المتصاعدة بين الطرفين، إذ تسعى الجماعة إلى استخدام التصعيد العسكري للضغط على الرياض من أجل التراجع عن إجراءات مالية وتجارية تقول إنها أضرت بمناطق سيطرتها، ودفعتها إلى طاولة تفاوض تركز على فتح قنوات التمويل والتجارة وإعادة تشغيل صادرات النفط والغاز.

وفي أحدث مؤشر على هذا الترابط بين المسارين العسكري والاقتصادي، أكد محمد عبدالسلام، رئيس الوفد الحوثي المفاوض والناطق باسم الجماعة، استمرار العمليات ضد ما وصفه بـ”السفن والتحشيدات والمعسكرات السعودية” داخل اليمن، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن أي مسار تفاوضي مقبل يجب أن يؤدي إلى تحقيق ما تعتبره الجماعة حقوقا إنسانية واقتصادية لليمنيين.

وتضع هذه المعادلة التصعيد العسكري في موقع مختلف عن مجرد الرد على عمليات عسكرية. فالجماعة تبدو حريصة على إبقاء الباب مفتوحا أمام التفاوض، لكنها تريد أن تدخل أي مفاوضات وهي تمتلك أوراق ضغط تمكنها من دفع السعودية إلى تقديم تنازلات في الملف الاقتصادي.

اليمن يبدو أمام مرحلة جديدة من الصراع، لا تتحدد فيها موازين القوى فقط بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة، وإنما أيضا بالسيطرة على البنوك والموانئ والإيرادات النفطية ومسارات التجارة

منذ الهدنة، لم يتوقف الصراع اليمني، لكنه انتقل بدرجة متزايدة من خطوط المواجهة العسكرية إلى أدوات اقتصادية ومالية أكثر تعقيدا. وتتهم جماعة الحوثيين السعودية بتشديد القيود على السفن المتجهة إلى ميناء الحديدة، إلى جانب إجراءات تستهدف البنوك والصرافين والتجار.

وتقول الجماعة إن هذه الإجراءات ساهمت في ارتفاع أسعار السلع وتعميق الأزمة المعيشية في مناطق سيطرتها. وفي المقابل، تنظر الرياض وحلفاؤها إلى الإجراءات المالية والرقابية باعتبارها أدوات للحد من تدفقات الأموال التي يمكن أن تستخدمها الجماعة في تمويل أنشطتها العسكرية.

وهنا تتشكل معادلة ضغط متبادلة: السعودية تستخدم الأدوات الاقتصادية لتقييد قدرة الحوثيين على الحركة والتمويل، بينما ترد الجماعة بأدوات عسكرية وأمنية تهدد المصالح السعودية وتزيد كلفة استمرار الضغط الاقتصادي.

ويبدو أن الحوثيين يريدون تحويل هذه المعادلة إلى ورقة تفاوضية، بحيث يصبح تخفيف القيود الاقتصادية جزءا من أي تفاهم مستقبلي، وليس مجرد إجراء منفصل يمكن للرياض اتخاذه أو سحبه من دون مقابل.

وتكشف الملفات التي يطرحها عبدالسلام عن طبيعة المطالب الحوثية. فالجماعة تطالب بفتح المطارات والموانئ، وصرف المرتبات، واستئناف تصدير النفط والغاز وتحويل عائداته إلى الخدمات العامة.

وهذه المطالب تتجاوز الجانب الإنساني المباشر، لأنها تمس مصادر التمويل والإدارة الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

فإعادة تدفق الإيرادات النفطية تعني توفير مصدر مالي يمكن أن يساعد في دفع المرتبات وتمويل الخدمات، بينما يمثل تخفيف القيود المصرفية والتجارية إعادة فتح قنوات الحركة أمام القطاع الخاص والتجار والمستوردين.

وبالتالي، فإن ما تسميه الجماعة “حقوقا اقتصادية وإنسانية” يمكن أن يتحول في أي مفاوضات إلى حزمة من الترتيبات المالية التي تعيد رسم العلاقة الاقتصادية بين مناطق سيطرة الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليا، وبدرجة كبيرة مع السعودية بوصفها الطرف الإقليمي الأكثر تأثيرا في الملف اليمني.

لا تنظر جماعة الحوثيين إلى الإجراءات الاقتصادية السعودية باعتبارها مسألة فنية منفصلة عن الصراع السياسي والعسكري. ومن وجهة نظرها، فإن الرياض تستخدم أدواتها الاقتصادية لإضعاف مناطق سيطرة الجماعة من دون العودة إلى الحرب الشاملة.

لذلك، فإن الرد العسكري يمنح الحوثيين وسيلة لإظهار أن الضغط الاقتصادي له تكلفة أمنية وسياسية.

وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية بالنسبة للجماعة في أنها لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق مكاسب عسكرية واسعة. يكفي أن تجعل أمن الحدود والمنشآت والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية السعودية أكثر عرضة للمخاطر حتى ترتفع كلفة استمرار السياسة الحالية.

قد يكون الهدف الأبعد للحوثيين هو الوصول إلى صيغة يمكن وصفها بـ”الضغط مقابل التسهيلات”: تخفيف القيود على الموانئ والبنوك والتجارة مقابل تهدئة التصعيد، أو على الأقل الانتقال إلى مسار تفاوضي يضمن ترتيبات اقتصادية أكثر مرونة.

لكن هذه المعادلة تواجه عقبات كبيرة.

فالرياض لا تريد، على الأرجح، أن تتحول التسهيلات الاقتصادية إلى مصدر تمويل إضافي لجماعة مسلحة تحتفظ بقدراتها العسكرية. وفي المقابل، لا يستطيع الحوثيون تحمل استمرار الضغوط الاقتصادية لفترة طويلة إذا انعكست على الأسعار والسيولة والتجارة والخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وهكذا، يصبح الاقتصاد أحد أهم ميادين اختبار قدرة كل طرف على تحمل كلفة الصراع.

تنظر الرياض وحلفاؤها إلى الإجراءات المالية والرقابية باعتبارها أدوات للحد من تدفقات الأموال التي يمكن أن تستخدمها الجماعة في تمويل أنشطتها العسكرية

ويضيف التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب بعدا آخر إلى المعادلة. فتهديد الملاحة لا يضغط على السعودية وحدها، بل يخلق أيضا مخاطر على حركة التجارة الدولية ويجذب اهتمام قوى إقليمية ودولية.

وهذا يمنح الحوثيين ورقة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر استراتيجية، لأن توسيع دائرة الاستهداف قد يدفع أطرافا دولية إلى تشديد الضغوط عليهم بدلا من دفع السعودية إلى تقديم تنازلات.

لذلك، فإن قدرة الجماعة على استخدام البحر الأحمر كأداة تفاوضية ستعتمد على مدى قدرتها على إبقاء التصعيد ضمن مستوى يرفع كلفة الضغط السعودي من دون أن يؤدي إلى تشكيل جبهة دولية أوسع ضدها.

لا تزال المسألة مفتوحة. فالرياض تملك أدوات اقتصادية وسياسية واسعة، بينما يمتلك الحوثيون القدرة على إحداث اضطرابات أمنية ترفع كلفة استمرار الضغوط.

لكن الطرفين يدركان أن العودة إلى حرب واسعة ستكون مكلفة، وهو ما يجعل الاقتصاد مرشحا لأن يصبح المسار الأكثر أهمية في أي مفاوضات مقبلة.

ومن هنا يمكن فهم الجمع بين لغة التهديد العسكري ولغة التفاوض في تصريحات الحوثيين الأخيرة. فالجماعة لا تقول إنها تريد الحرب بقدر ما تريد استخدام القدرة على التصعيد لتحسين شروط التفاوض.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الحوثيون سيوقفون عملياتهم، وإنما ما الذي سيحصلون عليه مقابل وقفها.

فإذا استطاعت الرياض الحفاظ على الضغط الاقتصادي مع تقديم تسهيلات محدودة ومشروطة، فقد تتمكن من احتواء التصعيد من دون منح الحوثيين مكاسب استراتيجية. أما إذا اضطرت إلى تقديم تنازلات واسعة تحت ضغط الهجمات، فقد تتحول المعادلة إلى سابقة تشجع الجماعة على استخدام القوة العسكرية للحصول على مكاسب اقتصادية.

وبين هذين الخيارين، يبدو اليمن أمام مرحلة جديدة من الصراع، لا تتحدد فيها موازين القوى فقط بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة، وإنما أيضا بالسيطرة على البنوك والموانئ والإيرادات النفطية ومسارات التجارة. فالمعركة التي كانت تدور على الجبهات قد انتقلت تدريجيا إلى الاقتصاد، فيما يحاول كل طرف إقناع الآخر بأن كلفة الضغط عليه أعلى من كلفة التفاوض معه.

الشرق الأوسط بعد عصر الوكلاء.. هل تستعيد الدول قرار الحرب؟


كيف يعيد اتفاق مكة تشكيل ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط؟


لبنان يراهن على الدبلوماسية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي


"طائرة طُعم" وأخرى سرية.. لتأمين خروج ترامب من تركيا