اخبار الإقليم والعالم

تغيير الوزراء أم تغيير السياسات؟ سؤال التنمية المؤجل في الأردن

وكالة أنباء حضرموت

أقرّ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الثلاثاء، تعديلاً جديداً على حكومة رئيس الوزراء جعفر حسان، شمل تعيين نائبين جديدين لرئيس الوزراء وإعادة توزيع عدد من الحقائب الوزارية، في خطوة تعكس رغبة في إعادة ترتيب العمل الحكومي، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع حول ما إذا كانت التغييرات الوزارية قادرة وحدها على معالجة التحديات التنموية والاقتصادية التي تواجه الأردن.

وبموجب التعديل، عُيّن وليد المصري نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للإدارة المحلية، ومهند شحادة نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدولة للشؤون الاقتصادية، فيما تولى عزمي محافظة حقيبة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.

كما أعيد تنظيم بعض الاختصاصات الوزارية، من خلال دمج مسمى التعليم العالي والبحث العلمي ضمن إطار أوسع يتعلق بتنمية الموارد البشرية.

وعلى المستوى السياسي، تبدو هذه التغييرات محاولة لإعادة ضبط أداء الحكومة وتوزيع المسؤوليات بما يتناسب مع الملفات التي تعتبرها الدولة ذات أولوية. لكن قراءة التعديل من زاوية التنمية تقود إلى سؤال مختلف: هل يحتاج الأردن إلى تغيير الوزراء، أم إلى تغيير طريقة صياغة السياسات نفسها؟.

ولا ترتبط المشكلة التنموية بالضرورة بأسماء الوزراء أو بعدد التعديلات الحكومية، بقدر ما ترتبط بقدرة الدولة على امتلاك رؤية طويلة المدى تحدد القطاعات التي تريد أن تنافس فيها، وكيف ستخلق فرص العمل، وأين ستوجه الاستثمارات، وكيف ستربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وكيف ستنتقل من معالجة الأزمات المتكررة إلى بناء نموذج نمو أكثر استدامة.

ومن هذه الزاوية، فإن تعيين نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية قد يمنح الملف الاقتصادي وزناً سياسياً أكبر، لكنه لن يكون كافياً ما لم تتحول هذه الحقيبة إلى مركز لصياغة استراتيجية متكاملة، تتجاوز إدارة المؤشرات المالية اليومية إلى إعادة التفكير في مصادر النمو وفرص الاستثمار والإنتاجية والتشغيل.

ولا يواجه الأردن أزمة قرار حكومي واحد، وإنما مجموعة متداخلة من التحديات. الاقتصاد يحتاج إلى معدلات نمو قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وسوق العمل نفسه يحتاج إلى تغيير في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، بينما تواجه قطاعات تقليدية حدوداً في قدرتها على توفير فرص عمل واسعة ومستدامة.

وهنا تظهر أهمية التغيير في السياسات لا في الأشخاص. فالوزير الجديد يمكنه تحسين الإدارة أو تسريع تنفيذ البرامج، لكنه سيواجه حدوداً واضحة إذا لم تكن هناك خيارات استراتيجية تحدد أين يريد الأردن أن يكون اقتصادياً خلال السنوات المقبلة.

وتبدو حقيبة تنمية الموارد البشرية مثالاً واضحاً على ذلك. فدمج التعليم العالي والبحث العلمي ضمن إطار أوسع لتنمية الموارد البشرية يمكن أن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح إذا تحولت الفكرة إلى سياسة متكاملة تربط الجامعات وسوق العمل والبحث العلمي والتدريب المهني والمهارات الرقمية باحتياجات الاقتصاد الفعلية.

وأما إذا بقي الأمر في حدود إعادة تسمية الحقائب وتوزيع الاختصاصات، فإن أثره التنموي سيكون محدوداً. فالمشكلة ليست في وجود وزارة للتعليم العالي أو وزارة لتنمية الموارد البشرية، وإنما في كيفية تحويل التعليم إلى أداة للإنتاج والتنافسية وخلق فرص العمل.

وتتكرر المسألة نفسها في ملف الإدارة المحلية. فتعيين وليد المصري نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للإدارة المحلية يضع اللامركزية والتنمية المحلية في موقع أكثر أهمية، لكن نجاح هذا المسار يتوقف على منح المحافظات والبلديات أدوات حقيقية للتخطيط والتمويل والاستثمار، وليس فقط نقل بعض الصلاحيات الإدارية إليها.

ولا يمكن للتنمية المتوازنة أن تتحقق من المركز وحده. المناطق المختلفة في الأردن تمتلك احتياجات وموارد وفرصاً اقتصادية متفاوتة، ولذلك فإن أي استراتيجية وطنية للتنمية تحتاج إلى تحويل المحافظات من مجرد وحدات إدارية إلى محركات للنشاط الاقتصادي والاستثماري.

ويأتي التعديل الجديد بعد تعديل محدود أُجري في يوليو الماضي، ما يعكس استمرار عملية إعادة ترتيب الحكومة خلال فترة قصيرة نسبياً. وقد يكون تغيير الوزراء ضرورياً عندما تتطلب المرحلة إعادة توزيع المسؤوليات أو ضخ خبرات جديدة، لكن تكرار التعديلات لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن تقييم السياسات نفسها.

فالاستقرار الحكومي مهم بقدر أهمية الكفاءة، لأن تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى يحتاج إلى وقت واستمرارية وتراكم في الخبرة. وإذا ظلت السياسات مرتبطة بتغيير الأشخاص، فقد تفقد الخطط طويلة المدى جزءاً من قدرتها على الاستمرار.

والتحدي الأكبر أمام حكومة حسان لا يتمثل بالتالي في إثبات قدرتها على تشكيل فريق حكومي جديد، وإنما في تقديم إجابة واضحة عن سؤال التنمية: ما القطاعات التي ستقود النمو الأردني خلال العقد المقبل؟.

هل ستكون السياحة والخدمات اللوجستية والصناعات الدوائية والغذائية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والمياه من بين هذه القطاعات؟ وكيف يمكن تحويل المزايا الجغرافية والبشرية للأردن إلى فرص إنتاج واستثمار؟ وكيف يمكن جذب الاستثمارات النوعية بدلاً من الاكتفاء بمشاريع محدودة الأثر على سوق العمل؟.

هذه الأسئلة أكثر أهمية من أسماء الوزراء، لأنها تحدد طبيعة السياسات التي سيطبقها هؤلاء الوزراء.

كما أن ملف البطالة يحتاج إلى الانتقال من المعالجة التقليدية إلى مقاربة اقتصادية أوسع. فخلق فرص العمل لا يمكن أن يكون مهمة وزارة العمل وحدها، بل نتيجة مباشرة لسياسات الاستثمار والصناعة والتعليم والطاقة والتجارة والنقل والتمويل. وكلما زادت قدرة الاقتصاد على خلق قطاعات إنتاجية جديدة، تراجعت الحاجة إلى الاعتماد المفرط على الوظائف الحكومية أو البرامج المؤقتة.

ومن هنا، فإن تعيين نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يمكن أن يمثل فرصة لإعادة توحيد السياسات الاقتصادية المتفرقة داخل إطار استراتيجي واحد. المطلوب ليس فقط تنسيق الوزارات، بل تحديد أهداف قابلة للقياس، وربط الإنفاق العام بالنتائج، وتوجيه الحوافز والاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على رفع الإنتاجية والتشغيل والتصدير.

التنمية لا يمكن فصلها عن الإصلاح الإداري. فحتى أفضل الاستراتيجيات الاقتصادية ستتعثر إذا ظلت الإجراءات الحكومية بطيئة أو تعددت الجهات المسؤولة عن القرار الاستثماري أو لم يحصل المستثمر على وضوح كافٍ بشأن القوانين والضرائب والحوافز.

كما أن التنمية لا يمكن فصلها عن الإصلاح الإداري. فحتى أفضل الاستراتيجيات الاقتصادية ستتعثر إذا ظلت الإجراءات الحكومية بطيئة أو تعددت الجهات المسؤولة عن القرار الاستثماري أو لم يحصل المستثمر على وضوح كافٍ بشأن القوانين والضرائب والحوافز.

ولهذا، فإن التعديل الوزاري يمكن أن يكون بداية، لكنه ليس النتيجة. نجاحه الحقيقي سيقاس بقدرته على إنتاج سياسات مختلفة، لا بمجرد تغيير أسماء الوزراء.

ويحتاج الأردن في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من منطق إدارة الملفات إلى منطق ترتيب الأولويات. فالموارد محدودة، والضغوط الاقتصادية كبيرة، ولذلك لا تستطيع الدولة تمويل كل شيء بالوتيرة نفسها. الخيار التنموي الحقيقي يعني تحديد القطاعات والمشاريع التي يمكن أن تحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي، ثم توجيه الموارد إليها بوضوح واستمرارية.

وتبرز هنا أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، ليس فقط باعتباره مصدراً للتمويل، وإنما شريكاً في تحديد المهارات المطلوبة والقطاعات القابلة للنمو والأسواق التي يمكن للأردن دخولها. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم بالكامل على الإنفاق الحكومي، بل تحتاج إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على التصدير وجذب رأس المال.

وفي المقابل، فإن أي استراتيجية تنموية ستظل ناقصة إذا لم تضع المياه والطاقة في قلبها. فالأردن يواجه قيوداً هيكلية في الموارد الطبيعية، ما يجعل كفاءة استخدام المياه والطاقة وتطوير مصادر جديدة وتعزيز الأمن المائي والغذائي جزءاً من الأمن الاقتصادي، وليس مجرد ملفات خدمية.

وبذلك، فإن التعديل الحكومي الجديد يضع حكومة حسان أمام فرصة لإثبات أن إعادة توزيع الحقائب يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة توزيع الأولويات أيضاً. أما إذا اقتصر أثره على تغيير المسؤولين، فقد يجد الأردن نفسه أمام دورة جديدة من التعديلات من دون تغيير جوهري في مسار التنمية.

المطلوب في النهاية ليس حكومة أكثر تغييراً، وإنما سياسات أكثر وضوحاً واستقراراً وجرأة. فالأردن يحتاج إلى رؤية تحدد موقعه في الاقتصاد الإقليمي، وتربط التعليم بالإنتاج، والمحافظات بالاستثمار، والاستثمار بالتشغيل، والإصلاح الإداري بالتنافسية.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي بعد التعديل الوزاري ليس من دخل الحكومة ومن خرج منها، وإنما ما الذي سيتغير في طريقة إدارة الاقتصاد والتنمية؟ فإذا كانت الإجابة مجرد تبديل للوزراء، فلن يتغير الكثير. أما إذا تحولت التعديلات إلى مدخل لإطلاق خيارات استراتيجية جديدة، فقد تكون الحكومة أمام فرصة لتحويل إدارة الأزمات إلى مشروع تنموي طويل المدى.

الشرق الأوسط بعد عصر الوكلاء.. هل تستعيد الدول قرار الحرب؟


كيف يعيد اتفاق مكة تشكيل ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط؟


لبنان يراهن على الدبلوماسية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي


"طائرة طُعم" وأخرى سرية.. لتأمين خروج ترامب من تركيا