تقارير وحوارات
الرياض.. وإعادة هندسة المشهد اليمني لصالح الحوثي
منذ سنوات تحاول السعودية إدارة الملف اليمني عبر مسارات متعددة ومتوازية، بدءاً بالجانب العسكري والأمني، مروراً بالمسار السياسي والخدمي، وصولاً إلى التفاهمات المباشرة وغير المباشرة مع جماعة الحوثي، إلا أن هذا التداخل في الملفات أوجد أعباء سياسية واقتصادية متزايدة، وأدخل الرياض في مستنقع يزداد تعقيداً مع مرور الوقت.
ففي المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية برز الدور السعودي في إدارة ملفات الأمن والجيش، ورعاية تشكيلات وائتلافات سياسية متعددة، ودعم الخدمات، إلى جانب الإنفاق على شخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية.
فيما اتجهت الرياض إلى فتح مسار تفاهمات مع الحوثيين شملت ملفات إنسانية واقتصادية، من بينها مناقشات تتعلق برواتب الموظفين وقضايا أخرى، وهو ما منح الجماعة مساحة أوسع للحضور السياسي، ورسخ مكانتها كطرفاً رئيسياً في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل اليمن.
ومع اتساع هذه الالتزامات أصبحت كلفة إدارة الملف اليمني أكثر ثقلاً على السعودية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والداخلية التي تواجهها، فضلاً عن تشتت جهودها بين ملفات متشابكة يصعب جمعها ضمن رؤية واحدة تحقق أهدافها المعلنة، تحت مزاعم رعاية الحوار الجنوبي – الجنوبي، ومن ثم مزاعم الحوار الجنوبي – الشمالي.
إن سياسة تقديم التنازلات التي تبديها السعودية مقابل خفض التهديدات الأمنية القادمة من جهة الحوثيين لم تؤدي إلى إنهاء الأزمة، بل ساهمت في إعادة صياغة موازين القوى، ومنحت الجماعة فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري، بينما تراجعت مكانة بقية القوى المناهضة للحوثيين داخل معادلة الصراع.
مع استمرار الانتقادات الموجهة للدور السعودي المعادي تجاه بعض القوى الجنوبية المحلية، خصوصاً بعد استهداف القوات الجنوبية بغارات سعودية في الـ2 من يناير 2026م، وهو الحدث الأخطر الذي شهد تحولاً في أولويات الرياض نحو إضعاف قوى كانت تواجه الحوثيين والإرهاب، ما سمح بجماعة الحوثيين بتعزيز حضورها على المستويين السياسي والعسكري.
تعرضت السعودية في الأشهر الأخيرة لهجمات متكررة ومباشرة من إيران والحوثيين، كان آخرها استهداف مطار أبها، إلا أن ردها اتجه نحو مسارات التهدئة والوساطات بدلاً من التصعيد العسكري، بخلاف تعاملها مع الملف في الجنوب، وهو ما يعزز الانطباع بأن أمن الحدود السعودية أصبح أولوية تتوافق مع مصالحها بإعادة بناء توازن القوى داخل اليمن، حتى وأن جاء ذلك على حساب تفكيك مكونات أخرى مناهضة للحوثيين.
وبين كلفة الحرب وكلفة التفاهم، تبدو الرياض اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فكلما توسعت دائرة الالتزامات، ازداد العبء المالي والسياسي، وكلما تعزز حضور الحوثيين في المشهد تراجعت فرص إعادة تشكيل توازن يحقق استقراراً دائماً ومستداماً لليمن.
وهكذا تجد السعودية نفسها أمام استحقاق صعب، بعدما تحولت من قائد لتحالف عسكري إلى طرف يحاول إدارة أزمة مفتوحة لا تزال تفرض عليها أثماناً متصاعدة دون أن تلوح في الأفق نهاية واضحة لها.