اخبار الإقليم والعالم
«لعبة خطرة» في القطب الشمالي.. سباق دولي و«الناتو» مهدد
تهدد مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بضم غرينلاند وكندا، تماسك حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وأصبحت منطقة القطب الشمالي إحدى أهم ساحات التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، في الفترة الحالية.
ورغم إدراك الإدارة الأمريكية لأهمية القطب الشمالي، إلا أنها قد تقوض أهدافها الأمنية بسبب تصريحات الرئيس ترامب بشأن ضم غرينلاند والتشكيك في سيادة حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما يهدد بتقويض الثقة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية.
البداية كانت مع الأزمة التي اندلعت مطلع عام 2026 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية أن الاستحواذ على غرينلاند يمثل أولوية للأمن القومي الأمريكي، ولم تستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك، وهو ما رفضته حكومة غرينلاند والدنمارك مع التأكيد على أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها وحدهم كما حذرت من أن أي هجوم أمريكي سيقوض أسس الناتو.
وأدى هذا التوتر إلى نشر قوات دنماركية وأوروبية في غرينلاند ضمن تدريبات عسكرية احترازية قبل أن يتراجع ترامب عن تهديده، إلا أن الأزمة تركت آثارًا عميقة على العلاقات بين الحلفاء.
ودفعت هذه الأزمة دول القطب الشمالي الأعضاء في "الناتو" إلى زيادة استثماراتها الدفاعية بصورة غير مسبوقة، إذ أعلنت كندا عن برامج ضخمة لتحديث منظومة الدفاع الجوي المشتركة مع الولايات المتحدة "نوراد" وإنشاء قواعد تشغيل متقدمة، وتحسين الاتصالات العسكرية والبنية التحتية في الشمال.
كما خصصت الدنمارك مليارات الدولارات لبناء سفن دورية جديدة ومسيرات وأنظمة رادار متطورة، بينما عززت النرويج والمملكة المتحدة تعاونهما في مجال مكافحة الغواصات، وشاركت بريطانيا في دوريات عسكرية ضمن مهمة "الحارس القطبي" التابعة لـ"الناتو".
كما أن السياسة الأمريكية نفسها بدأت تشهد تحولًا كبيرًا بعد عقود من إهمال القطب الشمالي منذ نهاية الحرب الباردة والذي أدى إلى تأخر بناء كاسحات الجليد والموانئ العميقة والأقمار الصناعية والمنشآت العسكرية، وهو ما انعكس في صعوبات واجهتها القوات الأمريكية في مراقبة السفن الصينية قرب ألاسكا، وكذلك في الاستجابة السريعة للتحركات البحرية الروسية.
لذا، بدأت الإدارة الأمريكية والكونغرس في تخصيص تمويل لبناء كاسحات جليد جديدة، وتحديث البنية التحتية العسكرية في ألاسكا، وتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر.
لكن هذه الجهود لن تحقق أهدافها إذا لم تستند إلى تعاون وثيق مع الحلفاء فالولايات المتحدة لا تستطيع وحدها تأمين حدودها الشمالية الشاسعة في مواجهة التوسع الروسي والصيني، بل تحتاج إلى تنسيق دفاعي وتقني واستخباراتي مع كندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تصريحات ترامب التي تمس سيادة كندا أو غرينلاند يهدد هذا التعاون، ويزرع الشكوك بين الحلفاء في وقت يحتاجون فيه إلى أعلى درجات الثقة، وفق التقرير.
في المقابل، عززت روسيا وجودها العسكري بصورة كبيرة، وطورت غواصاتها النووية وصواريخها فرط الصوتية وأنظمتها غير المأهولة تحت الماء، كما كثفت أنشطتها قرب كابلات الاتصالات البحرية في شمال الأطلسي، على حد قول التحليل.
وفي الوقت نفسه، يزداد حضور الصين في المنطقة رغم أنها ليست دولة قطبية فقد وسعت أسطولها من كاسحات الجليد، وأجرت عمليات مسح لقاع المحيط بحثًا عن المعادن النادرة، كما كثفت أنشطتها العلمية التي تمنحها في الوقت نفسه مزايا استراتيجية وعسكرية.
وتسعى بكين إلى التأثير في قواعد إدارة القطب الشمالي من خلال الأبحاث العلمية، وتستخدم هذه الأنشطة لبناء خبرة تساعد قواتها البحرية مستقبلًا على العمل في البيئة القطبية، بحسب مجلة "فورين أفيرز".
ويمثل القطب الشمالي خط الدفاع الأول لأمريكا الشمالية وأوروبا، ولذلك فإن الدفاع عنه يتطلب تعاونًا جماعيًا فالدول الأوروبية، وخاصة النرويج، غالبًا ما تكون أول من يرصد الغواصات الروسية الخارجة من قواعدها القطبية، بينما تعتمد منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية على منشآت موجودة في كندا وغرينلاند.
كما يعتمد خفر السواحل الأمريكي على التعاون مع نظيره الكندي لمراقبة السفن الصينية، وتستفيد القوات الأمريكية من خبرة الدول الإسكندنافية في التدريب والقتال في الظروف القطبية.
وهناك تقدم ملحوظ في بناء منظومة دفاع مشتركة للقطب الشمالي، يشمل إنشاء مجموعات قتالية جديدة لـ"الناتو" في فنلندا والسويد، وتعزيز استخدام الأنظمة غير المأهولة، والتفاوض لإعادة فتح قواعد أمريكية في غرينلاند إضافة إلى التعاون الصناعي بين الولايات المتحدة وكندا وفنلندا لتسريع إنتاج كاسحات الجليد، وتعاون أوروبي لشراء طائرات استطلاع أمريكية ومعدات مراقبة لمواجهة الغواصات الروسية.
ومع ذلك، يتطلب النجاح أكثر من تطوير القدرات البحرية؛ إذ ينبغي دمج أنظمة الدفاع الصاروخي والفضائي، وزيادة الأقمار الصناعية القطبية، وتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير قواعد عسكرية متوافقة، وإجراء تدريبات مشتركة في البيئات شديدة البرودة.
كما يتعين إصلاح هيكل القيادة العسكرية الأمريكية الذي يعاني من تشتت المسؤوليات بين عدة قيادات، فضلا عن إنشاء قيادة أمريكية موحدة للقطب الشمالي.
ووفق مجلة "فورين أفيرز"، فإن الفرصة الحالية لبناء منظومة دفاع أطلسية متكاملة في القطب الشمالي قد تضيع إذا استمرت الخلافات السياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها.
كما يتطلب نجاح الاستراتيجية الأمريكية تعزيز الثقة مع الشركاء، وتمويل مشروعات مشتركة للبنية التحتية والتكنولوجيا والدفاع، وتوحيد الخطط العسكرية، لأن أمن القطب الشمالي لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الأمن العالمي.