اخبار الإقليم والعالم
انهيار IBM.. «فقاعة مزدوجة» تهدد أسواق الذكاء الاصطناعي
أثار الانهيار التاريخي لسهم شركة IBM موجة جديدة من التساؤلات بشأن مستقبل أسهم الذكاء الاصطناعي.
فقد فقدت الشركة نحو ربع قيمتها السوقية في جلسة واحدة، وذلك في أكبر تراجع يومي خلال تاريخها الممتد لأكثر من 115 عامًا.
وبينما عزت الأسواق الهبوط إلى نتائج مالية جاءت دون التوقعات، يرى عدد من كبار الاقتصاديين أن ما حدث قد يكون مؤشرًا على مشكلة أعمق تهدد الأسواق العالمية.
ونقل تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكنز والمستشار السابق لعدد من الحكومات الأمريكية، الخبير الاقتصادي الأمريكي ستيف هانكي، قوله إن الأسواق لا تواجه فقاعة تقليدية في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تقف أيضًا أمام ما وصفه بـ"الفقاعة المزدوجة"، التي تمتد إلى الأرباح نفسها وليس فقط إلى أسعار الأسهم.
وجاءت تصريحات هانكي بعد أيام قليلة من تحذيره من تصاعد المخاطر في قطاع الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع إعلان IBM نتائج أولية للربع الثاني أظهرت إيرادات بلغت 17.2 مليار دولار، أقل بنحو 3.7% من توقعات المحللين، في حين سجلت ربحية للسهم بلغت 2.93 دولار مقابل توقعات بلغت 3.02 دولار.
وعلى الرغم من أن الشركة واصلت تحقيق نمو في الإيرادات، فإن الأسواق عاقبتها بعنف، لتهبط القيمة السوقية للشركة بنحو 40 مليار دولار في يوم واحد.
تغير في طريقة تقييم الأسواق
وفي المقابل، شهد القطاع المصرفي الأمريكي نتائج استثنائية خلال الفترة نفسها، حيث سجل جي بي مورغان تشيس أرباحًا صافية بلغت 21.2 مليار دولار، وهي أعلى أرباح فصلية يحققها بنك أمريكي على الإطلاق، بينما أعلنت غولدمان ساكس قفزة بنسبة 84% في الأرباح العائدة للمساهمين لتصل إلى 6.4 مليار دولار، مع ارتفاع الإيرادات إلى أكثر من 20 مليار دولار.
واعتبر التقرير إن هذا التناقض بين الأرباح القياسية للبنوك والانهيار المفاجئ لسهم IBM هو دليل على وجود اختلالات هيكلية داخل الأسواق، مؤكدًا أن المشكلة ليست فقط في ارتفاع أسعار الأسهم، وإنما في تضخم الأرباح التي تستند إليها تلك التقييمات.
ويفرق هانكي بين نوعين من الفقاعات المالية؛ الأولى هي فقاعة التقييمات، عندما ترتفع أسعار الأسهم إلى مستويات تفوق نمو الأرباح بشكل مبالغ فيه، كما حدث خلال فقاعة الإنترنت عام 2000. أما الثانية، وهي الأخطر من وجهة نظره، فهي "فقاعة الأرباح"، حيث تبدو الأرباح مرتفعة وقوية بصورة مؤقتة وغير قابلة للاستدامة، ما يجعل تقييمات الأسهم تبدو منطقية ظاهريًا رغم أن الأساس الذي تستند إليه هش.
ويتفق مع هذا الطرح كبير الباحثين في مؤسسة BCA Research، بيتر بيريزين، الذي يرى أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على تضخم الأرباح أكثر من اعتمادها على تضخم التقييمات، مشيرًا إلى أن مثل هذه الفقاعات ظهرت سابقًا في قطاعات مثل البنوك قبل الأزمة المالية العالمية، وأسهم العمل عن بُعد خلال جائحة كورونا، إضافة إلى الصناعات الدورية مثل أشباه الموصلات والموارد الطبيعية.
ويشير الخبراء إلى أن خطورة "فقاعة الأرباح" تكمن في صعوبة اكتشافها مبكرًا، لأن المحللين عادة لا يخفضون توقعاتهم للأرباح إلا بعد بدء تراجع الأسهم بالفعل، وهو ما يجعل المستثمرين يكتشفون المشكلة بعد وقوعها، وليس قبلها.
المؤسسات تراجع توقعاتها
ويرى هانكي أن الأرباح القياسية للبنوك ليست دليلًا على قوة الاقتصاد فقط، بل تعكس أيضًا استمرار التدفقات الائتمانية الضخمة داخل النظام المالي، وهو ما يساهم في رفع أسعار الأصول والأرباح المحاسبية للشركات في الوقت نفسه، قبل أن تتعرض الأسواق في النهاية لما وصفه بـ"صدمة الواقع".
ويتفق معه جزئيًا الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان جيمي ديمون، الذي وصف نتائج البنك بأنها "قريبة من أفضل أداء يمكن تحقيقه"، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الأسواق تشهد مستويات مرتفعة من الحماس والمبالغة قد لا تكون مستدامة.
وفي المقابل، لا يزال المدافعون عن طفرة الذكاء الاصطناعي يؤكدون أن الشركات الكبرى مثل إنفيديا وألفابت تحقق تدفقات نقدية حقيقية وأرباحًا فعلية، بخلاف شركات فقاعة الإنترنت مطلع الألفية، وهو ما يجعل الوضع الحالي مختلفًا. إلا أن منتقدي هذا الرأي يرون أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بارتفاع أسعار الأسهم، بل بمدى استدامة الأرباح التي تبرر تلك الأسعار.
ويرى مراقبون أن انهيار سهم IBM قد يكون أول اختبار حقيقي لقدرة المستثمرين على تحمل أي تباطؤ في نمو أرباح شركات التكنولوجيا، وأن موسم إعلان النتائج الحالي سيحدد ما إذا كان ما حدث مجرد أزمة خاصة بشركة واحدة، أم بداية إعادة تقييم واسعة لقطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله.
ويرى هانكي أن هذا التراجع الحاد لا يعكس فقط خيبة أمل المستثمرين من نتائج شركة واحدة، بل يكشف تغيرًا في طريقة تقييم الأسواق لقطاع التكنولوجيا بأكمله، خاصة الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي حالة IBM، بدأت المؤسسات المالية بالفعل في مراجعة توقعاتها بعد الانهيار. فقد خفض بنك اوف أميركا السعر المستهدف للسهم من 330 إلى 280 دولارًا، بينما خفض UBS توقعاته لأرباح عام 2026، في حين أبقى على سعره المستهدف دون تغيير. أما HSBC فقد خفض توصيته للسهم، بينما اعتبرت غولدمان ساكس أن النتائج تعزز السيناريو المتشائم لقطاع البرمجيات.