تقارير وحوارات
تفاهمات الرياض والحوثيين.. هل بدأت ملامح الصفقة بالظهور
منذ انطلاق مسار التفاوض المباشر بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي عقب اتفاق استئناف العلاقات السعودية الإيرانية في العاصمة الصينية - بكين في مطلع إبريل عام 2023م، لم تعد المفاوضات تقتصر على وقف إطلاق النار أو تأمين الحدود، بل اتسعت لتشمل ملفات سياسية وعسكرية كثيرة وكبيرة بل وخطيرة في أهدافها، أعادت رسم موازين القوى داخل اليمن.
الرياض التي منحت الحوثيين ثقلاً سياسياً غير مسبوق، عبر سلسلة من التفاهمات والتنازلات التي أسهمت في تعزيز موقع الجماعة على المسار التفاوضي، بعدما انتقلت من كونها طرفاً عسكرياً إلى شريك تفاوضي مباشر يناقش مستقبل اليمن مع المملكة السعودية بعيداً عن بقية القوى اليمنية.
قدمت الرياض حزمة من التنازلات التي شملت مناقشة وقف العمليات العسكرية، وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، ودفع رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وإطلاق دفعات من الأسرى، ودفع تكاليف الإعمار، في خطوات مثلت اعترافاً عملياً بالحوثيين كسلطة أمر واقع، ومنحهم أوراق قوة سياسية لم يكونوا يمتلكونها قبل بدء مسار التفاوض.
حيث مثلت زيارة الوفد السعودي رفيع المستوى برئاسة السفير محمد آل جابر إلى صنعاء في أبريل 2023م، برفقة وفد سلطنة عمان، محطة مفصلية متقدمة في العلاقة بين الرياض والحوثيين، بعد سنوات من المواجهة العسكرية المباشرة، ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة الاتصالات والمفاوضات، وسط تكتم سعودي على تفاصيل ما دار خلف الأبواب المغلقة.
وزاد الجدل بعد التصريحات والاعترافات التي أدلى بها نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين حسين العزي، حينها، والتي تحدث فيها عن مرونة كبيرة أبدتها السعودية خلال المفاوضات، مؤكداً أن الرياض أبدت استعداداً لتلبية مطالب الجماعة تتعلق بدفع المرتبات، وفتح الموانئ والمطارات، وإنهاء الحرب، والبحث عن صيغة خروج آمنة من اليمن تحفظ أمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية، كما أشار إلى أن المفاوضات جرت بصورة منفصلة عن بقية المكونات اليمنية، بما فيها الحكومة المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي.
وفي أكثر التصريحات إثارة، قال "العزي" عام 2023م إن الرياض طلبت من جماعته مهلة تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام للتعامل مع التشكيلات العسكرية المناوئة للحوثيين، في إشارة إلى القوات الجنوبية وقوات الساحل الغربي، وهو ما تحقق حين بدأت ملامح الصفقة بالظهور مطلع العام الجاري 2026م، عندما بدأت الرياض – فعلياً - بإعادة هيكلة القوات الجنوبية وتنفيذ إجراءات أضعفت من جاهزيتها، بعد قصفها في المناطق الشرقية، خصوصاً وأن هذه القوات كانت تمثل خط الدفاع الأول عن الجنوب وعن الخاصرة الجنوبية للمملكة في مواجهة الحوثيين، إلى جانب ما تشهده قوات الساحل الغربي من تغييرات وإعادة ترتيب تعكس بجلاء مسار التفاهمات التي جرت بين الرياض والحوثيين.
كما أن التصعيد الحوثي الأخير باتجاه جبهات الجنوب لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي فرضته مفاوضات الرياض - صنعاء خلال السنوات الماضية، وما أعقبها من سياسات ومحاولات إلى إضعاف القوى العسكرية المناهضة لمعسكر الحوثيين، سواء في الجنوب أو الساحل الغربي، والذي منح الحوثيين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.
لا ريب أن هذه التحركات التي تقوم بها السعودية في الملف اليمني بمحاولة إضعاف القوى المناهظة لجماعة الحوثيين، نابعة عن تفاهمات حقيقية جمعت الرياض وصنعاء، لتنفيذ اتفاقيات ما زالت الرياض تنظر إليها بالسرية، بينما كشفتها قيادات حوثية في الكثير من تصريحاتها وبياناتها.
وبين الرواية السعودية التي تلتزم الصمت وتعمل من داخل الكواليس، والرواية الحوثية التي تتحدث عن تفاهمات واسعة، يبقى مستقبل بقية القوى العسكرية اليمنية، وشكل التسوية السياسية القادمة، من أكثر الملفات غموضاً في ظل ما تمارسه الرياض من تجاوزات تجاه الحكومة اليمنية وبقية القوى الجنوبية المناوئة لها، وبين واقع المساومات والتسويات والتنازلات التي منحتها لجماعة الحوثي ليكون أكثر نفوذ سياسي، وأكثر قوة تجاه معارضيها ومناهضيها.