اخبار الإقليم والعالم
الفساد في العراق.. حائط صد أمام جذب الاستثمار وتنويع الاقتصاد
على مدى العقدين الماضيين، ظل الفساد ينمو دون رقابة في العراق، ليصبح متجذراً بعمق في كل جانب من جوانب المجتمع تقريباً، وأصبح تفكيكه يتطلب معالجة أسبابه الجذرية.
ويعد الفساد في النظام العراقي بعد عام 2003 مشكلة مستشرية ومتجذرة تعوق تقدم البلاد وتنميتها منذ عقود. ويتطلب فهم أسباب هذا الفساد فحصاً دقيقاً للعوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المساهمة فيه.
ورغم المساعي التي تبذلها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي المتواصلة لتحسين بيئة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، لا يزال الفساد الإداري والمالي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، ويثير تساؤلات بشأن قدرة البلاد على تحقيق هدفها المعلن بتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
وتأتي هذه الجهود في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة، بالتوازي مع حملات لمكافحة الفساد، وسط ترقب من المستثمرين المحليين والأجانب لمدى انعكاس هذه الإجراءات على بيئة الأعمال والاستثمار.
الفساد.. عقبة أمام الاستثمار
ويرى الخبير المالي الدكتور مصطفى حنتوش أن الفساد الإداري يمثل أحد أهم أسباب تعقيد الاستثمار في العراق، موضحاً أن كثرة الموافقات الإدارية والإجراءات الروتينية، عندما تقترن بالابتزاز والمحسوبية، تتحول إلى بيئة طاردة للمستثمرين الحقيقيين.
ويؤكد حنتوش في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن هذه الممارسات تمنح الأفضلية أحياناً لجهات تفتقر إلى الخبرة والكفاءة، فيما تُبعد أصحاب المشاريع المتخصصة، الأمر الذي يؤدي إلى تنفيذ مشاريع ضعيفة أو غير قادرة على المنافسة، أو انتقالها لاحقًا إلى أطراف أخرى بعد تعثرها.
ويضيف أن استمرار هذه البيئة يحد من فرص النهوض بالقطاعين الصناعي والزراعي، ويجعل غالبية المشاريع الناجحة تقتصر على المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل النفط وبعض مشاريع البنى التحتية، التي تحظى بدعم حكومي مباشر.
المستثمر الأجنبي يراقب نظيره المحلي
ويشير الخبير في الشؤون المالية والاقتصادية حنتوش إلى أن المستثمر الأجنبي لا يتخذ قراره بمعزل عن واقع السوق المحلية، بل يراقب أولاً أداء المستثمر العراقي.
ويقول إن نجاح المستثمر المحلي وتحقيقه أرباحاً في بيئة مستقرة يمثل رسالة ثقة للأسواق العالمية، بينما يؤدي تعثره أو تعرضه للعراقيل الإدارية إلى إحجام المستثمرين الأجانب عن دخول السوق العراقية، باعتبار أن المخاطر لا تزال مرتفعة.
ويرى أن بناء الثقة يبدأ من توفير بيئة تنافسية عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتحمي المستثمر من الضغوط الإدارية والمالية.
هل بدأت إجراءات مكافحة الفساد تُؤتي ثمارها؟
ويصف حنتوش الإجراءات الحكومية الأخيرة في مكافحة الفساد بأنها خطوة مهمة، معتبراً أنها أسهمت في توجيه ضربات لشبكات فساد وأرسلت رسائل ردع لمن يفكر باستغلال المال العام أو استغلال موقعه الوظيفي لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
إلا أنه يشدد على أن نجاح هذه الإجراءات لن يقاس بعدد ملفات الفساد التي يتم كشفها، بل بقدرتها على ترسيخ بيئة قانونية مستقرة يشعر فيها المستثمر بأن حقوقه مصانة وأن فرص نجاح مشروعه تعتمد على الكفاءة وليس على العلاقات أو النفوذ.
تكلفة اقتصادية باهظة
ولا يقتصر تأثير الفساد على تعطيل المشاريع الاستثمارية، بل يمتد إلى ارتفاع كلفة تنفيذ المشاريع الحكومية، وتأخر إنجازها، وضعف جودة الخدمات، فضلاً عن استنزاف الموارد المالية للدولة.
كما يؤدي إلى تقليل كفاءة الإنفاق العام، ويضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مستدامة، ويؤخر تنفيذ مشاريع التنمية التي يعول عليها في تنويع الاقتصاد.
وتشير العديد من التقارير الدولية إلى أن الدول التي تنجح في الحد من الفساد تشهد عادة مستويات أعلى من الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاضًا في تكاليف ممارسة الأعمال، وتحسنًا في تنافسية الاقتصاد.
الفساد والبيروقراطية ما زالا يحدّان من تدفق رؤوس الأموال
ويرى الخبير الاستثماري منذر خيرالله أن التحسن الملحوظ في الوضع الأمني خلال السنوات الأخيرة شكّل عاملاً مهماً في إعادة جذب اهتمام الشركات العربية والأجنبية بالسوق العراقية، إلا أن استمرار مظاهر الفساد الإداري والمالي وتعقيد الإجراءات الحكومية لا تزال تمثل تحديات رئيسية أمام تحقيق طفرة استثمارية تتناسب مع حجم الفرص المتاحة في العراق.
ويؤكد خيرالله، في حديثه لـ "العين الإخبارية"، أن قرارات الاستثمار في أي سوق تعتمد على مجموعة من العوامل المتكاملة، من بينها الاستقرار الأمني، ووضوح البيئة القانونية، وكفاءة النظام المصرفي، وسهولة الإجراءات، وضمان حركة الأموال، فضلاً عن توفر الثقة بين المستثمر والجهات الحكومية. وفي هذا السياق، يشير إلى أن التحسن الأمني الذي شهده العراق خلال السنوات الثلاث الماضية أسهم في تغيير نظرة العديد من المستثمرين، ودفع شركات عربية وأجنبية إلى دراسة فرص الدخول في السوق العراقية بشكل أكثر جدية.
لكن هذا التحسن، بحسب الخبير، ما زال يصطدم بعوائق تحد من قدرة العراق على استقطاب الاستثمارات، وفي مقدمتها الفساد الإداري والمالي، والروتين الحكومي، وبطء الإجراءات المتعلقة بمنح التراخيص والموافقات الاستثمارية.
كما أن وجود انطباعات عن منح بعض الفرص لشركات أو جهات تمتلك علاقات أو نفوذاً معيناً، على حساب مبدأ المنافسة والكفاءة، يضعف ثقة المستثمرين ويؤثر في جاذبية البيئة الاستثمارية.
ويشير خيرالله إلى أن من أبرز المؤشرات على استمرار هذه التحديات أن عدداً من المستثمرين العراقيين يفضلون توجيه رؤوس أموالهم إلى أسواق خارجية، رغم توفر فرص داخلية واعدة، وذلك نتيجة تجارب سابقة مرتبطة بتعقيد الإجراءات أو طول فترة إنجاز المعاملات أو مواجهة عراقيل إدارية.
ويؤكد أن ذلك لا يعني غياب قصص النجاح في القطاع الاستثماري العراقي، إذ تمكنت بعض المشاريع من تحقيق نتائج إيجابية، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب إصلاحاً أوسع لمنظومة الاستثمار، من خلال استثمار حالة الاستقرار الأمني كقاعدة لانطلاق مشاريع اقتصادية حقيقية تسهم في تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، وتوفير فرص عمل جديدة.
ويشدد الخبير الاستثماري على أن معالجة الفساد في القطاع الاستثماري، وتبسيط الإجراءات، واعتماد معايير مهنية وشفافة في منح الفرص الاستثمارية، تمثل خطوات أساسية لتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وتحويل العراق من سوق استهلاكية إلى بيئة منتجة وجاذبة لرؤوس الأموال.
ما المطلوب لتحسين بيئة الأعمال؟
ويرى حنتوش أن مكافحة الفساد يجب أن تترافق مع إصلاحات هيكلية تشمل تبسيط الإجراءات الحكومية، وتقليص الروتين الإداري، وتحديث التشريعات المنظمة للاستثمار، إضافة إلى بناء بنية تحتية اقتصادية قادرة على دعم المشاريع الإنتاجية.
كما يؤكد أهمية إزالة المحسوبيات في منح الإجازات الاستثمارية، واعتماد معايير واضحة وشفافة في التعامل مع المستثمرين، بما يعزز الثقة بالسوق العراقية.
بين الإصلاح والطموح
ويجمع مراقبون على أن نجاح العراق في استقطاب الاستثمارات لن يتحقق عبر الحملات الأمنية والقضائية لمكافحة الفساد وحدها، بل يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا طويل الأمد يضمن سيادة القانون، ويعزز الشفافية، ويخلق بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وفي ظل توجه الحكومة نحو تنويع الاقتصاد، يبقى الحد من الفساد أحد الشروط الأساسية لتحويل العراق إلى وجهة استثمارية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، ودفع عجلة التنمية بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.
ويقول عضو في اللجنة المالية بالبرلمان العراقي لـ"العين الإخبارية"، أن الفساد في العراق لم يعد يقتصر على حالات فردية أو مخالفات إدارية، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية ارتبطت بسنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي وضعف مؤسسات الدولة.
وأضاف أن تعاقب الأزمات الأمنية والسياسية منذ عام 2003، إلى جانب نظام المحاصصة السياسية، أوجد بيئة سمحت بتداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، ما أدى إلى ترسيخ شبكات فساد يصعب تفكيكها دون إصلاحات مؤسسية شاملة تعزز استقلال القضاء والهيئات الرقابية، وتحد من التدخلات السياسية في عملها.
ولفت النائب بالبرلمان -مشترطاً عدم الكشف عن هويته- أن نجاح العراق في استقطاب الاستثمارات الأجنبية لا يرتبط فقط بتوفير الفرص الاقتصادية، بل يعتمد بالدرجة الأولى على بناء بيئة أعمال تتسم بالشفافية وسيادة القانون. فغياب الشفافية، وضعف الرقابة، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وغياب المساءلة، جميعها عوامل ترفع كلفة الاستثمار وتزيد من المخاطر التي يأخذها المستثمرون بعين الاعتبار عند اتخاذ قراراتهم.
ويرى أن الحملات الحكومية الأخيرة ضد الفساد تمثل خطوة إيجابية، لكنها لن تحقق أثراً مستداماً ما لم تترافق مع إصلاحات تشريعية وإدارية، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وتعزيز الإفصاح المالي، وحماية المبلغين عن الفساد، بما يعيد الثقة للمستثمرين المحليين والأجانب.
ويشير إلى أن الفساد في العراق لم يقتصر على تعطيل المشاريع التنموية، بل أدى أيضاً إلى استنزاف مليارات الدولارات التي كانت مخصصة لإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة. ويستشهدون بقضية "سرقة القرن" التي كُشف عنها عام 2022، والتي تضمنت اختلاس نحو 2.5 تريليون دينار عراقي (ما يقارب 1.9 مليار دولار) من أموال الهيئة العامة للضرائب عبر عمليات سحب احتيالية نُسبت إلى شبكة ضمت شركات ومسؤولين حكوميين، في واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ العراق الحديث.
ويؤكد أن هذه القضية كشفت حجم الاختلالات في منظومة الرقابة المالية، وأظهرت مدى قدرة شبكات الفساد على استغلال الثغرات المؤسسية للوصول إلى المال العام.
ويلفت النائب العراقي إلى أن جذور الأزمة إلى سنوات طويلة من الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت منذ عام 2015، ثم بلغت ذروتها في احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، التي رفعت شعارات مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل. ورغم إطلاق الحكومات المتعاقبة حزم إصلاحية وإنشاء لجان وهيئات لمكافحة الفساد، فإن كثيراً من تلك الإجراءات لم تحقق نتائج جوهرية، بسبب استمرار المشكلات البنيوية وضعف التنفيذ.
ويرى أن التحدي الذي تواجهه حكومة الزيدي لا يقتصر على ملاحقة قضايا الفساد، وإنما يمتد إلى إصلاح البيئة السياسية والإدارية التي سمحت بتراكم هذه الظاهرة على مدى سنوات، مشيراً إلى أن نجاح جهود مكافحة الفساد يتطلب إصلاحات مؤسسية وتشريعية تعزز استقلال القضاء، وتطور منظومة الرقابة المالية، وتحد من تأثير المحاصصة السياسية وشبكات المحسوبية في إدارة مؤسسات الدولة.
كما يلفت إلى أن مكافحة الفساد أصبحت عاملاً أساسياً في استعادة ثقة المستثمرين، إذ إن بناء بيئة أعمال شفافة وقابلة للتنبؤ لا يقل أهمية عن توفير الأمن والاستقرار، خاصة في ظل توجه العراق نحو تنويع اقتصاده وتقليل اعتماده على الإيرادات النفطية.