اخبار الإقليم والعالم
عودة لجنة التسعير.. 3 سيناريوهات تحدد أسعار البنزين والسولار في مصر
أعادت الحكومة المصرية تفعيل آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، بدءا من الربع الأول للعام المالي الجديد 2026-2027، ما يضع أسعار البنزين والسولار أمام 3 سيناريوهات محتملة خلال المراجعات المقبلة، تشمل الزيادة أو التثبيت أو الخفض.
وأعلن رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عودة لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية إلى الانعقاد بصورة منتظمة كل 3 أشهر، بعد فترة من تثبيت الأسعار، موضحا أن الهدف هو الوصول إلى تسعير عادل يعكس التكلفة الفعلية لتوفير الوقود.
ولا يعني إعلان عودة اللجنة إجراء زيادة أو خفض فوري في أسعار الوقود، إذ لم تصدر الحكومة حتى الآن قرارا جديدا بتعديل الأسعار السارية، وإنما أعلنت استئناف المراجعات الدورية خلال الفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول 2026.
هل ارتفعت أسعار البنزين والسولار اليوم؟
لم تعلن لجنة التسعير التلقائي أي تغيير جديد في أسعار البنزين والسولار يوم الأربعاء 1 يوليو/تموز 2026، وبالتالي تظل الأسعار المطبقة داخل محطات الوقود كما هي دون تعديل.
وتسجل أسعار الوقود الحالية في مصر بنزين 80 نحو 20.75 جنيه للتر، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه للتر، وبنزين 95 نحو 24 جنيها للتر.
كما يبلغ سعر لتر السولار 20.50 جنيه، وسعر لتر الكيروسين 20.50 جنيه، في حين تسجل أسطوانة البوتاجاز المنزلي نحو 275 جنيهًا.
وتبقى هذه الأسعار سارية إلى حين صدور قرار رسمي جديد عن لجنة التسعير التلقائي، يتضمن الأسعار المعدلة وموعد بدء تطبيقها داخل محطات الوقود.
ما لجنة التسعير التلقائي للوقود؟
تختص لجنة التسعير التلقائي بمراجعة أسعار بيع بعض المنتجات البترولية في السوق المصرية بصورة ربع سنوية، وفق معادلة تأخذ في الحسبان مجموعة من العوامل المحلية والعالمية.
وتعتمد اللجنة بصورة أساسية على متوسط سعر خام برنت عالميًا، وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد والتكرير والنقل والشحن والتأمين والتوزيع.
وتهدف الآلية إلى ربط أسعار الوقود داخل السوق المحلية بالتغيرات الحقيقية في تكلفة توفيره، بدلًا من إبقاء الأسعار ثابتة لفترات طويلة رغم حدوث تحركات كبيرة في أسعار النفط أو سعر الصرف.
وكانت الحكومة قد وسعت تطبيق آلية التسعير التلقائي في عام 2019، على أن تجري مراجعة الأسعار كل 3 أشهر، مع استثناء بعض المنتجات والاستخدامات التي تخضع لترتيبات دعم وتسعير مختلفة.
وقال أستاذ هندسة البترول والطاقة في مصر، الدكتور جمال القليوبي لـ"العين الإخبارية" إن آلية التسعير في مصر تختلف عن الأسواق التي تخضع فيها أسعار الوقود للمنافسة المباشرة بين شركات التكرير والتوزيع.
وأوضح أن تحديد أسعار البنزين والسولار في مصر لا يرتبط بسعر خام برنت فقط، وإنما يعتمد على حزمة واسعة من المتغيرات، تشمل سعر الدولار وتكلفة الاستيراد والشحن والتأمين والتكرير والتوزيع، إلى جانب حجم الدعم الذي تتحمله الدولة.
متى تعقد اللجنة أول اجتماع؟
أعلن رئيس الوزراء أن اللجنة ستعود إلى العمل خلال الربع الأول من العام المالي 2026-2027، الذي يبدأ في 1 يوليو/تموز وينتهي في 30 سبتمبر/أيلول 2026، وأنها ستنعقد بعد ذلك بصفة منتظمة كل 3 أشهر.
ولم يحدد موعدًا دقيقًا لانعقاد أول اجتماع أو تاريخ بدء تطبيق أي أسعار جديدة.
لكن مصادر حكومية أشارت إلى أن أول اجتماع سيكون في ديسمبر/كانون الأول 2026، لكن ديسمبر/كانون الأول يقع ضمن الربع الثاني من العام المالي وليس الربع الأول؛ لذلك لا يمكن اعتبار هذا الموعد نهائيًا قبل صدور بيان رسمي من الحكومة أو وزارة البترول.
لماذا عادت اللجنة الآن؟
تأتي عودة اللجنة بالتزامن مع بداية العام المالي الجديد، وبعد فترة شهدت خلالها أسواق الطاقة العالمية تقلبات حادة بسبب الحرب والتوترات في منطقة الشرق الأوسط واضطراب حركة نقل النفط عبر الممرات البحرية.
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في تقريره بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر إلى التزام الحكومة بإعادة العمل بآلية التسعير التلقائي بنهاية يونيو/حزيران 2026، بما يسمح لأسعار المنتجات المشمولة بالآلية بأن تعكس مستويات استرداد التكلفة.
وبذلك يمثل قرار العودة تنفيذًا لمسار اقتصادي معلن سلفًا، يستهدف تقليل الفجوة بين تكلفة توفير الوقود وسعر بيعه محليًا، وحماية الموازنة من الصدمات المفاجئة في أسعار النفط وسعر الصرف.
ويأتي القرار كذلك بعد تصاعد التساؤلات حول إمكانية خفض أسعار الوقود محليًا، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط العالمية عن مستوياتها المرتفعة التي سجلتها خلال ذروة التوترات الإقليمية.
وأكد مدبولي أن لجنة التسعير ستحدد وفقًا لمعادلاتها ودراساتها ما إذا كانت الأسعار الحالية تستدعي الخفض أو التثبيت أو الزيادة، مشددًا على أن الحكومة لا تستهدف تحميل المواطنين أعباء إضافية، لكنها في الوقت نفسه تتحمل تكلفة مرتفعة لتوفير الوقود وتأمين احتياجات محطات الكهرباء.
هل تنخفض أسعار البنزين؟
يأتي إعلان عودة اللجنة في وقت تراجعت فيه أسعار النفط عالميًا بصورة ملحوظة، بعد انحسار جانب من المخاوف المتعلقة بالإمدادات وتحسن التوقعات بشأن تدفقات الخام.
وكان خام برنت قد تراجع إلى مستويات تقل كثيرًا عن القمم التي سجلها خلال فترات التصعيد، بعدما تجاوز سعر البرميل مستوى 90 دولارًا في بعض مراحل الأزمة.
لكن انخفاض سعر خام برنت لا يؤدي بصورة آلية أو فورية إلى خفض أسعار البنزين والسولار داخل مصر، لأن النفط الخام يمثل عنصرًا واحدًا فقط ضمن معادلة التكلفة.
وتأخذ اللجنة في اعتبارها متوسط الأسعار خلال فترة زمنية، وليس سعر النفط في يوم واحد، إلى جانب سعر الدولار وتكلفة الشحن والتأمين والكميات المستوردة وأسعار التعاقدات التي أبرمتها الدولة لتأمين احتياجات السوق ومحطات الكهرباء.
كما أن بعض شحنات الوقود أو النفط التي وصلت إلى مصر قد يكون جرى التعاقد عليها خلال فترة ارتفاع الأسعار، وهو ما يعني أن أثر تراجع الأسعار العالمية يحتاج إلى بعض الوقت حتى يظهر بصورة كاملة في متوسط التكلفة.
وأوضح جمال القليوبي أن خفض أسعار الوقود يصبح ممكنًا عندما تنخفض التكلفة الفعلية لتوفير المنتجات بصورة مستدامة، وليس نتيجة تراجع مؤقت في أسعار النفط العالمية.
وأضاف أن استمرار استقرار أسعار الخام وتحسن سعر الصرف وانخفاض تكاليف الاستيراد والشحن، عوامل يمكن أن تدفع اللجنة إلى إعادة النظر في الأسعار إذا أظهرت الحسابات تقلص فجوة التكلفة أو انتهائها.
تكلفة الاستيراد تحدد القرار
يرى القليوبي أن تكلفة وصول المنتجات البترولية إلى السوق المصرية تظل العامل الأكثر تأثيرًا في قرار التسعير، خاصة أن تكلفة الوقود المستورد لا تقتصر على سعر المنتج في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن سعر طن السولار تسليم الموانئ الأوروبية تراوح خلال الفترة الماضية بين 905 و915 دولارًا، قبل أن يرتفع بعد إضافة تكاليف الشحن والنقل والتأمين إلى ما يتراوح بين 1020 و1030 دولارًا عند الوصول إلى الموانئ المصرية.
وبحسب تقديراته، يمكن أن تعادل تكلفة لتر السولار المستورد نحو 42 جنيهًا، عند احتساب سعر صرف يقترب من 49.5 جنيه للدولار، وهو مستوى يتجاوز سعر البيع المحلي.
أما البنزين 95 فقد يبلغ متوسط سعره نحو 1110 دولارات للطن في الأسواق الأوروبية، ويرتفع إلى نحو 1230 دولارًا بعد إضافة تكاليف النقل، بما يعادل قرابة 43 جنيهًا للتر عند الوصول إلى السوق المصرية.
وتوضح هذه الحسابات أن تراجع خام برنت لا يعكس بمفرده التكلفة النهائية التي تتحملها الدولة، إذ تظل أسعار المنتجات المكررة وتكاليف الشحن وسعر الصرف عناصر أساسية في المعادلة.
هل أصبح خفض الأسعار ممكنًا؟
يظل خفض أسعار الوقود أحد السيناريوهات المتاحة من الناحية النظرية، إذا أظهرت حسابات اللجنة انخفاضًا مستدامًا في تكلفة توفير المنتجات البترولية، بالتزامن مع استقرار سعر الصرف وتراجع نفقات الاستيراد والشحن والتأمين.
لكن سيناريو الخفض سيواجه عدة اعتبارات، من بينها الفجوة بين أسعار البيع وتكلفة بعض المنتجات، خاصة السولار الذي يحظى بأهمية كبيرة في نقل السلع وتشغيل قطاعات الإنتاج والزراعة.
وكان وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي قد أشار، وفق تصريحات سابقة أمام مجلس النواب، إلى وجود فارق بين تكلفة توفير الوقود وسعر بيعه للمستهلك، يقدر بنحو 31% في السولار ونحو 15% في البنزين، بعد صدمات أسعار الطاقة التي شهدتها المنطقة.
وأكد الوزير أن التعامل مع هذه الفجوة يتطلب استمرار المراجعة الدورية للأسعار، إلى جانب العمل على خفض تكاليف الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي.
ويعني ذلك أن تراجع النفط عالميًا قد يسهم أولًا في تقليص فجوة التكلفة التي تتحملها الدولة، قبل أن يتحول إلى خفض مباشر في أسعار البيع للمستهلك.
قال نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، مدحت يوسف، إن حساب التكلفة الحقيقية للوقود في مصر يجب أن يشمل المنتجات البترولية المستوردة، والخامات التي يتم شراؤها من الخارج لتشغيل معامل التكرير، إلى جانب الخامات المشتراة من حصة الشريك الأجنبي.
وأضاف لـ"العين الإخبارية" أن المعادلة تشمل كذلك تكاليف نقل وتكرير حصة الدولة من النفط الخام المنتج محليًا، فضلًا عن تكلفة المنتجات التي توفرها شركات التكرير الاستثمارية.
وأوضح يوسف أن شركات مثل ميدور وأنربك والمصرية للتكرير تبيع منتجاتها وفق الأسعار العالمية، مع استبعاد تكلفة الشحن البحري في بعض الحالات.
ووفق تقديراته، تبلغ تكلفة لتر السولار المنتج محليًا من هذه الشركات نحو 37.5 جنيه، في حين تصل تكلفة لتر البنزين 95 إلى قرابة 39.2 جنيه.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس استمرار الفارق بين تكلفة توفير الوقود والأسعار التي يدفعها المستهلك، ما يعني أن الدولة لا تزال تتحمل جزءًا من التكلفة في صورة دعم مباشر أو غير مباشر.
السيناريو الأول
يمثل تثبيت الأسعار أحد السيناريوهات المطروحة بقوة، إذا وجدت اللجنة أن انخفاض النفط عوّض فقط الزيادات السابقة في تكاليف الاستيراد، من دون أن يؤدي إلى انخفاض التكلفة الإجمالية دون أسعار البيع الحالية.
وقد تفضل الحكومة التثبيت لفترة إضافية للتأكد من استدامة تراجع أسعار النفط، خاصة أن الأسواق لا تزال مرتبطة بمسار التوترات الجيوسياسية وحركة الملاحة وتكلفة التأمين على الشحنات.
كما يسمح التثبيت للحكومة بتجنب إجراء خفض مؤقت يعقبه رفع جديد في حال عودة النفط إلى الارتفاع، وهو ما قد يؤدي إلى ارتباك في الأسواق وتكاليف النقل وتسعير السلع.
وتدعم تقديرات جمال القليوبي ومدحت يوسف هذا السيناريو، في ظل استمرار فجوة واضحة بين أسعار البيع المحلية وتكلفة الاستيراد أو الإنتاج من شركات التكرير الاستثمارية.
السيناريو الثاني
يمكن أن يصبح الخفض مطروحًا إذا استمر خام برنت عند مستوياته المنخفضة أو تراجع بصورة أكبر، وتحسن سعر الجنيه أمام الدولار، وانخفضت تكاليف الاستيراد والشحن، وأظهرت حسابات اللجنة زوال فجوة التكلفة.
وقد يشمل الخفض منتجًا واحدًا أو أكثر، وفقًا لتكلفة كل منتج على حدة، إذ لا تتحرك تكلفة البنزين والسولار والمازوت بالنسبة نفسها.
ومن شأن خفض السولار، حال حدوثه، أن يترك أثرًا أوسع على تكاليف نقل البضائع والزراعة والصناعة، بينما ينعكس خفض البنزين بصورة مباشرة على تكلفة تشغيل السيارات الخاصة وخدمات النقل.
ويرى القليوبي أن خفض الأسعار يظل ممكنًا، لكنه مشروط بتراجع مستدام في التكلفة الحقيقية، وليس بحركة مؤقتة لخام برنت خلال عدد محدود من الجلسات.
كما يتطلب الخفض استقرار سعر صرف الجنيه، لأن أي تراجع للعملة المحلية قد يبدد أثر انخفاض أسعار النفط ويعيد رفع فاتورة الاستيراد.
ماذا تعني عودة اللجنة للمواطن؟
تعني عودة اللجنة أن أسعار الوقود ستصبح خاضعة من جديد لمراجعة منتظمة كل 3 أشهر، ولن تظل ثابتة لفترات طويلة بمعزل عن تحركات الأسواق العالمية وسعر الصرف.
لكن انعقاد اللجنة لا يعني بالضرورة تغيير الأسعار في كل اجتماع، إذ يمكنها أن توصي بالزيادة أو الخفض أو التثبيت، وفق نتائج المعادلة السعرية والظروف الاقتصادية.
كما تعني العودة أن أسعار الوقود ستتأثر بصورة أكبر بتحركات خام برنت والدولار وتكاليف الشحن والتأمين والاستيراد، مع استمرار الحكومة في موازنة هدف استرداد التكلفة مع الآثار الاجتماعية والاقتصادية لأي قرار جديد.
وتبقى الأسعار الحالية سارية داخل محطات الوقود إلى حين صدور قرار رسمي جديد عن لجنة التسعير التلقائي ووزارة البترول، مع تحديد موعد تطبيقه بصورة واضحة.