اخبار الإقليم والعالم
الحظر الذي فضح الخوف من إيران الحرة
لم يكن يوم 20 يونيو 2026 حدثاً عادياً في باريس. فقد كان مقرراً أن ترتفع أصوات عشرات الآلاف من الإيرانيين الأحرار من ساحة فوبان في قلب العاصمة الفرنسية، دفاعاً عن الحرية والديمقراطية ورفضاً للإعدامات والقمع والحرب والمساومة مع نظام ولاية الفقيه.
غير أن قرار المنع الذي صدر في اللحظات الأخيرة، وما رافقه من إجراءات أمنية مشددة، حوّل الحدث من تجمع جماهيري إلى قضية سياسية وحقوقية واسعة الصدى في أوروبا وأميركا.
فما أريد له أن يُحاصر في الشارع، وجد طريقه إلى وسائل الإعلام الدولية ومنصات الشخصيات السياسية والبرلمانية والحقوقية البارزة.
وبدلاً من إسكات صوت الإيرانيين المطالبين بالحرية، كشف قرار المنع حجم القلق الذي يثيره حضور المقاومة الإيرانية في المعادلة السياسية الدولية، وأعاد طرح سؤال جوهري: لماذا يخشى النظام الإيراني، وبعض العواصم الغربية، من تظاهرة سلمية ترفع شعار التغيير الديمقراطي؟
في هذا السياق، كتبت آنلي ياتينماكي، رئيسة وزراء فنلندا السابقة ونائبة رئيس البرلمان الأوروبي سابقاً، عبر حسابها على منصة "إكس"، أن تجمع باريس يؤكد أن مستقبل إيران يكمن في التغيير الديمقراطي، لا في الحرب ولا في سياسة المساومة.
أما كانديس بيرغن، وزيرة التنمية الاجتماعية السابقة والزعيمة السابقة لحزب المحافظين في كندا، فطرحت سؤالاً مباشراً حول أسباب منع الحكومة الفرنسية تظاهرة سلمية مؤيدة للشعب الإيراني وداعمة للديمقراطية والحرية.
واعتبرت أن فرنسا تتحدث يوماً عن القيم الديمقراطية أمام قادة مجموعة السبع، ثم تمارس في اليوم التالي سياسة المساومة مع النظام الإيراني وتقمع حرية التعبير. وأضافت أن هذا الموقف يكشف بوضوح ممن يخاف النظام أكثر من غيرهم.
من جهته، كتب البروفيسور أليخو فيدال كوادراس، نائب رئيس البرلمان الأوروبي السابق ورئيس اللجنة الدولية للبحث عن العدالة، أن الحكومة الفرنسية منعت في اللحظة الأخيرة تجمع عشرات الآلاف من الإيرانيين في باريس، كان مخصصاً للاحتجاج على إعدام السجناء السياسيين.
واعتبر أن الديمقراطيات الغربية، في تعاملها مع نظام الملالي، باتت تتصرف كشريك صامت، واصفاً هذا الموقف بأنه تعبير عن الجبن والتقاعس.
كما أشار الجنرال كيث كيلوغ، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى أوكرانيا عام 2025، وأحد المتحدثين في مؤتمر "إيران الحرة" في باريس، إلى أنه أجرى في العاصمة الفرنسية، إلى جانب السيدة مريم رجوي ومجموعة داعمي إيران الحرة، حوارات مهمة مع شخصيات سياسية بارزة تعرف المنطقة والدول المؤثرة فيها معرفة عميقة.
وفي موقف لافت، كتبت كاتلين ديبورتر، النائبة في البرلمان الفدرالي البلجيكي ونائبة رئيس لجنة العلاقات الخارجية، أنها عائدة من باريس حيث شاركت في تجمع "إيران الحرة"، مؤكدة أن الحرب الخارجية لن تجلب الحرية للشعب الإيراني، وأن لكل شعب الحق في الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيادة منتخبة ديمقراطياً.
أما نايكه غروبيوني، النائبة في البرلمان الإيطالي وعضو لجنة الشؤون الخارجية، فقد نشرت صورة من كلمتها في مؤتمر "إيران الحرة" وكتبت أنه لا مكان للحياد أمام القمع والإعدامات واضطهاد النساء والمعارضين السياسيين. وأكدت أن نظام الملالي لا يمثل الشعب الإيراني ولا تاريخه ولا مستقبله.
وأضافت أنها أعلنت دعمها للمقاومة الإيرانية وللرئيسة المنتخبة مريم رجوي، التي تواصل، بشجاعة وإصرار، الدفاع عن مستقبل ديمقراطي وعلماني وحر لإيران.
وأكدت غروبيوني أنها، بصفتها نائبة في البرلمان الإيطالي، ستواصل فضح انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها النظام الإيراني في المؤسسات الوطنية والأوروبية، وستعمل من أجل حرية السجناء السياسيين ووقف الإعدامات ودعم حق الشعب الإيراني في اختيار مصيره بحرية.
وختمت موقفها بالقول إنها اختارت جانب الحرية والمرأة الإيرانية والديمقراطية والشعب الإيراني.
وفي هولندا، كتبت دورين روكماكر، النائبة السابقة في البرلمان الأوروبي، أن الحكومة الفرنسية منعت، بناء على طلب نظام إيران، تظاهرة سلمية للمعارضة الإيرانية ممثلة بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
واعتبرت أن الأمور وصلت إلى حد أن نظاماً مارقاً يقمع شعبه ويعدم الآلاف سنوياً بات يحدد من يحق له التظاهر في باريس. ووصفت ذلك بأنه عار على فرنسا والاتحاد الأوروبي الذي يدّعي أنه يقوم على القيم والمبادئ الإنسانية.
وفي قراءة سياسية أعمق، شددت روكماكر على أن جميع السياسيين والدبلوماسيين المعنيين يعرفون جيداً أن لا الحرب ولا سياسة المساومة تمثلان حلاً سلمياً.
وأكدت أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، باعتباره قوة معارضة بارزة، يمثل طريقاً بديلاً، وأن مطلبه من الغرب لا يتجاوز الدعم الأخلاقي والاعتراف السياسي، بينما يمتلك القدرة على إدارة بقية المعركة بنفسه.
بدورها، كتبت دومينيك أتياس، الحقوقية الفرنسية البارزة ورئيسة مجلس إدارة مؤسسة المحامين الأوروبيين، أن يوم 20 يونيو 2026 كان يوماً تعرض فيه حكم القانون لخطر كبير، بعد منع تظاهرة سلمية دعماً للشعب الإيراني.
وأشارت إلى أن المتظاهرين تعرضوا لهجوم من قوات مكافحة الشغب التي أخفت أرقام شاراتها، معتبرة أن قيم فرنسا قد جرى نسيانها، وأن ثمن هذا القرار سيدفع في انتخابات عام 2027.
لقد أظهرت أحداث باريس أن محاولة منع صوت المقاومة الإيرانية لم تؤدِّ إلى إسكاتها، بل ساهمت في توسيع نطاقها السياسي والإعلامي.
فالذين أرادوا حصر التظاهرة في حدود أمنية ضيقة وجدوا أنفسهم أمام موجة تضامن دولية كشفت التناقض بين شعارات الدفاع عن الديمقراطية وممارسات المساومة مع نظام يقوم على القمع والإعدام وتصدير الأزمات.
كما بعثت وقفة أنصار المقاومة الإيرانية، رغم الضغوط والمنع والاعتقالات والغاز المسيل للدموع، برسالة واضحة: إن مقاومة الظلم والدكتاتورية ممكنة حتى بالأيدي العارية، وإن صوت الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة أعلى من أن تخنقه قرارات إدارية أو ضغوط سياسية.
وما جرى في باريس أكد مرة أخرى أن معركة إيران ليست بين الحرب والمساومة، بل بين نظام يخشى شعبه، وشعب ومقاومة يصران على فتح الطريق نحو جمهورية ديمقراطية حرة.