اخبار الإقليم والعالم

خارطة الطريق تراوح مكانها: تحذيرات أممية من انتكاسة جديدة في السويداء

وكالة أنباء حضرموت

تتزايد المخاوف الدولية من عودة محافظة السويداء إلى دائرة التوترات الأمنية والعنف الأهلي، بعدما كشفت الأمم المتحدة عن تعثر شبه كامل في تنفيذ خارطة الطريق التي أُطلقت قبل نحو تسعة أشهر بهدف إعادة الاستقرار إلى المحافظة الواقعة جنوب سوريا.

وفي وقت كانت الآمال معلقة على هذه الخطة لمعالجة تداعيات أحداث يوليو 2025 الدامية، تبدو المؤشرات الحالية بعيدة عن تحقيق الأهداف المرجوة، ما دفع الأمم المتحدة إلى إطلاق تحذيرات صريحة من احتمال حدوث انتكاسة جديدة تهدد السلم الأهلي ووحدة البلاد.

وتأتي هذه التحذيرات في لحظة حساسة من مسار الانتقال السياسي السوري، حيث تسعى السلطات الجديدة في دمشق إلى تثبيت مؤسسات الدولة وإعادة بسط نفوذها على مختلف المناطق، بينما لا تزال بعض المحافظات، وفي مقدمتها السويداء، تشهد تحديات أمنية وسياسية واجتماعية تعرقل جهود الاستقرار.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، أكد نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، أن خارطة الطريق التي أُعلنت في سبتمبر 2025 لم تحقق أي تقدم فعلي على الأرض.

وكان الهدف من هذه الخطة معالجة تداعيات أعمال العنف الطائفية التي شهدتها السويداء، وإعادة بناء الثقة بين الفصائل المحلية والدولة، إلى جانب إطلاق مسار للاندماج المجتمعي والأمني.

لكن بعد مرور أشهر على إطلاق المبادرة، لا تزال القضايا الرئيسية التي تسببت في الأزمة دون معالجة حقيقية. فالخلافات السياسية والأمنية قائمة، وحالة انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة لم تتراجع، فيما تبدو آليات تنفيذ الخطة عاجزة عن تحقيق اختراق ملموس في المشهد المحلي.

ويعكس هذا الجمود حجم التعقيدات التي تحيط بالملف، إذ إن الأزمة لا ترتبط فقط بترتيبات أمنية أو إدارية، بل تتداخل فيها اعتبارات اجتماعية وطائفية وسياسية تراكمت خلال سنوات طويلة من الحرب والانقسامات.

وتستمد التحذيرات الأممية خطورتها من حجم الأحداث التي شهدتها المحافظة خلال صيف العام الماضي. فقد تحولت السويداء في يوليو 2025 إلى ساحة مواجهات واسعة بين مجموعات مسلحة درزية ومقاتلين من العشائر البدوية، وسط تدخلات من قوات حكومية وأطراف أخرى.

ووفق تحقيق أجرته الأمم المتحدة في مارس الماضي، أسفرت تلك المواجهات عن مقتل أكثر من 1700 شخص، معظمهم من المدنيين الدروز، إلى جانب أفراد من العشائر البدوية. كما أشار التحقيق إلى احتمال ارتكاب جرائم حرب من قبل أطراف متعددة شاركت في القتال.

وخلفت هذه الأحداث جروحاً عميقة داخل النسيج الاجتماعي للمحافظة، وأدت إلى تصاعد مشاعر الريبة والشك المتبادل بين مختلف المكونات، وهو ما جعل مهمة المصالحة أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى اتفاقات سياسية أو أمنية.

وحتى اليوم، لا يزال العديد من سكان المحافظة ينظرون إلى تلك الأحداث باعتبارها محطة مفصلية أعادت رسم العلاقات بين المجتمع المحلي والدولة، وأثرت في طبيعة التوازنات القائمة داخل السويداء.

ومن أبرز المؤشرات التي دفعت الأمم المتحدة إلى دق ناقوس الخطر استمرار مظاهر الانفلات الأمني في المحافظة. فعمليات الخطف والخطف المضاد لا تزال تتكرر بشكل مستمر، بينما تشهد الساحة المحلية خلافات وصراعات بين بعض الفصائل الدرزية المسلحة.

وتؤكد هذه التطورات أن البيئة الأمنية لم تستقر بعد، وأن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة، خاصة في ظل غياب مرجعية أمنية موحدة تحظى بقبول مختلف الأطراف.

كما أن استمرار انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يمثل تحدياً إضافياً أمام السلطات السورية، التي تسعى إلى إعادة احتكار القوة وبناء مؤسسات أمنية قادرة على فرض القانون.

وتخشى الأمم المتحدة أن يؤدي أي حادث أمني كبير أو اشتباك محدود إلى إعادة إشعال التوترات الكامنة، خصوصاً أن أسباب الأزمة الأساسية لم تُعالج بعد.

وتكشف التطورات الجارية في السويداء عن أزمة ثقة عميقة بين الحكومة المركزية والقوى المحلية الفاعلة في المحافظة.

وتؤكد السلطات السورية أن بعض الفصائل المسلحة ترفض التعاون مع الدولة وتعرقل تنفيذ الخطط الرامية إلى إعادة الاستقرار. ويرى مسؤولون حكوميون أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة مستقلة يحد من قدرة الدولة على فرض القانون وتقديم الخدمات العامة.

ويبرر عدد من القادة الدروز تمسكهم بالسلاح بضرورة حماية المجتمع المحلي بعد أحداث العنف التي شهدتها المحافظة العام الماضي. كما يتهمون السلطات الرسمية بعدم اتخاذ خطوات كافية لمعالجة المخاوف الأمنية أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت خلال المواجهات.

وتعكس هذه المواقف المتناقضة حجم الفجوة السياسية بين الطرفين، كما تفسر أسباب تعثر خارطة الطريق التي كانت تستند أساساً إلى بناء الثقة المتبادلة.

ومن التطورات التي أثارت قلق الأمم المتحدة تنامي بعض الأصوات التي تدعو إلى منح السويداء وضعاً خاصاً أو المطالبة بدرجات أوسع من الحكم الذاتي، بل إن بعض المواقف ذهبت إلى حد الحديث عن الانفصال.

ورغم أن هذه الدعوات لا تعبر عن إجماع داخل المجتمع الدرزي، فإن الأمم المتحدة اعتبرتها مؤشراً مقلقاً في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.

المحافظة قد تكون على أعتاب انتكاسة جديدة، ما لم تتمكن الأطراف المعنية من تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية تعيد بناء الثقة وتمنع تكرار مشاهد العنف التي هزت الجنوب السوري قبل عام.

فالحكومة السورية الجديدة تسعى إلى إعادة توحيد البلاد بعد سنوات من الانقسام، وأي نزعات انفصالية يمكن أن تشجع مناطق أخرى على تبني مطالب مشابهة، ما يهدد وحدة الدولة وسلامة أراضيها.

كما أن استمرار الشعور بالتهميش أو انعدام الثقة قد يوفر بيئة خصبة لتنامي مثل هذه الطروحات، وهو ما يفسر تركيز الأمم المتحدة على ضرورة تسريع جهود المصالحة الوطنية.

ولم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على الجوانب السياسية والأمنية، بل امتدت إلى قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للسكان.

و كشف المسؤول الأممي أن نحو 13 ألفاً و500 طالب في السويداء لم يتمكنوا من أداء الامتحانات هذا الشهر بسبب الخلافات المتعلقة بالمواقع والترتيبات الأمنية. كما فشلت الوساطة التي دعمتها الأمم المتحدة في التوصل إلى تسوية تسمح بإجراء الامتحانات.

وتشير التقديرات إلى أن معظم الطلاب في المحافظة حُرموا من الامتحانات لعامين متتاليين، وهو ما ينذر بعواقب اجتماعية وتعليمية خطيرة على المدى الطويل.

وتعكس هذه الأزمة مدى تأثير الانقسام السياسي والأمني على القطاعات المدنية، كما تؤكد أن استمرار الوضع الحالي لا يهدد الاستقرار الأمني فقط، بل ينعكس أيضاً على مستقبل الأجيال الشابة وفرص التنمية في المحافظة.

وتمثل السويداء اليوم أحد أكثر الملفات تعقيداً أمام السلطات الانتقالية السورية. فنجاح دمشق في تحقيق الاستقرار داخل المحافظة سيُنظر إليه باعتباره مؤشراً على قدرة الدولة الجديدة على إدارة التنوع المجتمعي وحل النزاعات المحلية بوسائل سياسية ومؤسساتية.

وأما استمرار الجمود الحالي، فقد يفتح الباب أمام موجات جديدة من التوتر ويقوض جهود إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الصراع.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع استمرار التعثر في بعض جوانب العملية السياسية على المستوى الوطني، إذ أعربت الأمم المتحدة أيضاً عن قلقها من تأخر استكمال تشكيل البرلمان الانتقالي، معتبرة أن بطء بناء المؤسسات ينعكس سلباً على معالجة الأزمات المحلية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو السويداء نموذجاً مصغراً للتحديات التي تواجه سوريا الجديدة. فخارطة الطريق التي كان يفترض أن تؤسس لمرحلة من المصالحة والاستقرار لا تزال تراوح مكانها، بينما تستمر مظاهر الانقسام والتوتر وانعدام الثقة.

ومع غياب أي تقدم ملموس، تزداد وجاهة التحذيرات الأممية من أن المحافظة قد تكون على أعتاب انتكاسة جديدة، ما لم تتمكن الأطراف المعنية من تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية تعيد بناء الثقة وتمنع تكرار مشاهد العنف التي هزت الجنوب السوري قبل عام.

أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من انعدام حاد للأمن الغذائي


لحج تغرق في الظلام لليوم الثاني عقب ايقاف شركة الطاقة المشتراة التوليد في محطة عباس


الضالع تشيّع ضحايا فاجعة الريبي والمحافظ يدعو إلى تكثيف جهود نزع الألغام


محافظ شبوة يدشن مخيم "إبصار" المجاني لعلاج أمراض العيون