اخبار الإقليم والعالم
انتهاكات بحق لاجئات سودانيات..إجراءات حقوقية تضبط بوصلة العمل الإنساني
بعد أن أجبرتهن حرب اندلعت قبل قرابة ثلاثة أعوام على الفرار، حملت اللاجئات السودانيات ما استطعن جمعه، في رحلة بحث عن كسرة خبز تسد أفواه صغارهن، أو شربة ماء تعيد ضخ الحياة في أجسادهن الواهنة.
إلا أن «الاستغلال الجنسي» والتحرش كانا بمثابة عدو آخر يتربص بهن، ليعمق جراحهن التي لم تندمل بعد، ويكشف عن حوادث تعرضن لها، مما دفع منظمات حقوقية إلى إعادة ضبط بوصلة العمل الإنساني؛ بإجراءات، بينها فصل 18 موظفًا إغاثيا، وتقوية قنوات الشكاوى، وتعزيز جهود الكشف المبكر داخل المشاريع الإغاثية.
فما القصة؟
بحسب تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود، فإن نساء سودانيات لاجئات أبلغن في أواخر 2024، عن اتهامات خطيرة تتعلق بالاستغلال والانتهاك الجنسيين ارتكبها موظفون تابعون للمنظمة في شرق تشاد، مما دفعها إلى إيفاد عدة فرق تحقيق بهدف الكشف الاستباقي عن الحالات والتحقيق فيها.
وخلصت نتائج التحقيقات التي أجرتها منظمة أطباء بلا حدود، إلى أن هناك نمطًا من الاستغلال والانتهاك الجنسيين ارتكبه بعض موظفيها العاملين في مخيمات اللاجئين على الحدود التشادية السودانية، بما في ذلك مزاعم تفيد بأن عاملين في المجال الإنساني تبادلوا الغذاء والوظائف وأشكالاً أخرى من المساعدات مقابل خدمات جنسية.
كما توصل التحقيق إلى مؤشرات تفيد بأن بعض هذه الانتهاكات ربما كانت ذات طابع منهجي، ما أثار مخاوف جديدة بشأن المساءلة داخل العمليات الإنسانية التي تخدم الأشخاص النازحين بسبب الحروب.
وظهرت هذه النتائج في تقرير داخلي سري أُنجز في يوليو/تموز الماضي، بعد أن أطلقت منظمة أطباء بلا حدود تحقيقاً في مزاعم كانت قد كشفت عنها وكالة «أسوشيتد برس» للمرة الأولى.
ووثق التحقيق 59 ادعاءً بسوء السلوك، تراوحت بين التحرش الجنسي والاستغلال والانتهاك الجنسيين. ونتيجة لذلك، فصلت المنظمة 18 موظفاً من العمل ومنعتهم من أي توظيف مستقبلي لديها.
«استغلال جنسي»
وبحسب التقرير، استغل بعض العاملين حالة الضعف الشديدة التي يعيشها اللاجئون السودانيون وسكان المخيمات في شرق تشاد. ووجد المحققون حالات يُزعم فيها أن موظفين قدموا الغذاء والمياه والحليب والمساعدات النقدية وفرص العمل مقابل ممارسة الجنس.
كما رصد التقرير مزاعم تتعلق بفتيات قاصرات. ففي إحدى الحالات، درس المحققون ادعاءات تفيد بأن سبع فتيات لاجئات تم توظيفهن كعاملات يوميات، نُقلن في إحدى مركبات المنظمة قبل أن يتعرضن لاحقاً لانتهاكات جنسية وطلبات لممارسة الجنس.
وعلاوة على ذلك، عثر المحققون على أدلة تشير إلى أن بعض الموظفات التشاديات تعرضن لضغوط من مشرفين أو زملاء هددوا وظائفهن إذا رفضن الاستجابة لمحاولات أو مطالب ذات طابع جنسي.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن بعض الادعاءات تعذر التحقق منها بسبب حجم الأزمة الإنسانية والتنقل المستمر للأشخاص بين المخيمات.
وخلص التقرير إلى أن العديد من الضحايا لم يتقدمن أصلاً للإبلاغ عن الانتهاكات. وأبلغت نساء المحققين أنهن كنّ يخشين فقدان المساعدات أو فرص العمل أو الرعاية الصحية إذا قمن بالإبلاغ. وأكد قادة مجتمعيون بدورهم أن العديد من الأسر فضّلت الصمت رغم علمها بتعرض أقارب لها للاستغلال أو الانتهاك.
وقعت هذه الانتهاكات في شرق تشاد، حيث فر مئات الآلاف من الأشخاص من الحرب السودانية منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
عوامل الإخفاق
ووجد التحقيق أن الحاجة الملحة إلى التوظيف، وضعف أنظمة التحقق من المراجع المهنية، وارتفاع معدل دوران الموظفين، كلها عوامل أسهمت في حدوث إخفاقات في الرقابة والإشراف. كما توصل المحققون إلى أن عدداً من آليات الإبلاغ، بما في ذلك صناديق الشكاوى، أثبتت عدم فاعليتها إلى حد كبير.
تحقيقات شكلت جهداً منسقاً من قبل المنظمة، لفهم الوضع القائم وتحديد الثغرات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة التحديات، بما يعكس التزام المنظمة بالتصدي الاستباقي لحالات الانتهاك وسوء السلوك.
وقالت لورا لايزر، الأمينة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود الدولية: «يمثل هذا السلوك المخالف انتهاكاً خطيراً لقيم المنظمة ومسؤولياتها. ونحن ندرك حجم الألم والأذى والمعاناة التي تعرض لها الناجون، ونأسف بشدة لوقوع مثل هذه الحوادث ضمن برامجنا. وتقع على عاتقنا مسؤولية بذل كل ما في وسعنا لمنع سوء السلوك والاستجابة بحزم عندما يحدث».
وأضافت لايزر: «تلتزم منظمة أطباء بلا حدود بتوفير بيئة عمل ورعاية خالية من الاستغلال والانتهاك والتحرش. ونحن نشجع الموظفين والمرضى وأفراد المجتمعات المحلية على الإبلاغ عن أي حالات سوء سلوك، كما نواصل العمل لضمان أن تكون قنوات الإبلاغ لدينا آمنة وسهلة الوصول وتحظى بالثقة».
وفي محاولة للتخفيف من الألم الذي تعرض لها الناجيات، قدمت «أطباء بلا حدود» الدعم للحالات التي جرى تحديدها وفقاً لاحتياجاتها ورغباتها، بما قد يشمل إحالتها إلى خدمات الرعاية النفسية أو الطبية، إضافة إلى الدعم القانوني أو غيره من أشكال المساندة عند الاقتضاء، مؤكدة إدراكها لأهمية مواصلة تعزيز وتطوير نهجها لضمان حصول الناجين على مستوى الرعاية والدعم الذي يحتاجون إليه.
إجراءات تصحيحية
وعقب انتهاء التحقيقات، اتخذت منظمة أطباء بلا حدود سلسلة من الإجراءات التصحيحية في شرق تشاد، شملت:
تعزيز عمليات التوظيف والتحقق من المراجع المهنية للموظفين المحليين والعمال اليوميين
تحسين آليات التعريف بالموظفين
تقوية قنوات الشكاوى
تعزيز جهود الكشف المبكر داخل المشاريع
تعيين متخصصين في مجال الحماية