اخبار الإقليم والعالم
أوروبا تتحصن من الإخوان.. تهديدات وتحديات في قلب النقاش بباريس
باريس تستضيف مؤتمرًا دوليًا حول "تيارات الإسلام السياسي في أوروبا" وسط نقاشات أكاديمية معمقة حول تهديدات وتحديات.
والأربعاء، احتضن مقر مجلس إقليم "إيل دو فرانس" في ضواحي العاصمة الفرنسية أعمال النسخة الثانية من المؤتمر الدولي الذي نظمه المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوان، بمشاركة نخبة من الباحثين الأوروبيين والأمريكيين.
ويأتي هذا الحدث العلمي بعد النجاح الذي حققته دورته الأولى، ليؤكد أهمية النقاش الأكاديمي حول ظاهرة تيارات الإسلام السياسي المعاصرة في أوروبا، في سياق يتسم بتعقيدات سياسية واجتماعية متزايدة.
أهمية البحث العلمي
وستهلت فعاليات المؤتمر بكلمة افتتاحية ألقاها باتريك كرام، نائب رئيس إقليم إيل دو فرانس، شدد فيها على التزام المؤسسات الإقليمية بدعم البحث العلمي الحر وتعزيز النقاش الديمقراطي حول القضايا الحساسة التي تمس المجتمعات الأوروبية.
وأكد أن استضافة هذا المؤتمر للمرة الثانية تعكس إرادة سياسية واضحة لمواكبة التحولات الفكرية والاجتماعية من خلال المعرفة العلمية الرصينة.
من جهتها، قدمت فلورنس بيرجيو بلاكلر، رئيسة المركز المنظم، مداخلة تمهيدية استعرضت فيها أبرز التطورات البحثية منذ النسخة الأولى للمؤتمر عام 2024، موضحة أن هذه الدورة تعتمد مقاربة مقارنة ومتعددة التخصصات، تجمع بين علم الاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ.
كما سلطت الضوء على الإشكاليات التي يطرحها كتابها الأخير حول ما وصفته بـ"ديناميكيات التأثير الاقتصادي والفكري".
بنية في أوروبا
خصصت الجلسة الأولى لتقديم قراءة تحليلية حول بنية وتطور الحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا.
وقدم الباحث سيرخيو ألتونا عرضًا تناول فيه خريطة هذه الشبكات، مشيرًا إلى أنها لم تعد كيانات موحدة، بل باتت تتسم بالتشظي مع الحفاظ على روابط تنظيمية وفكرية عابرة للحدود.
بدوره، ركز فرديناند هابرل على دور المعرفة كأداة وقائية، معتبرًا أن فهم آليات عمل هذه الشبكات يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء سياسات فعالة.
فيما تناول ألكسندر فايسنبرجر البعد الدعوي والأنشطة الميدانية، مشيرًا إلى وجود تقاطعات بين العمل الديني والأنشطة ذات الطابع السياسي.
في قلب النقاش
في الجلسة الثانية، انتقل النقاش إلى المؤسسات التعليمية باعتبارها إحدى الساحات الأساسية للتأثير الفكري.
وأوضح المؤرخ بيير فيرميرين أن المدرسة تمثل "خط الدفاع الأول" في نقل القيم الجمهورية، لكنه حذر من وجود محاولات لاختراقها عبر ما وصفه بـ"صراع على المضامين التربوية".
من جانبه، اعتبر الجغرافي فابريس بالانش أن بعض البيئات الجامعية قد تساهم، بشكل غير مباشر، في تسهيل هذا الاختراق، مشيرًا إلى تداخلات فكرية وسياسية معقدة داخل الفضاء الأكاديمي.
وركزت الجلسة الثالثة على كيفية تعامل الدول الغربية مع هذه الظواهر، واستعرض الباحث لورينزو فيدينو الإجراءات الأمريكية الأخيرة، معتبرًا أنها تعكس تحولًا في المقاربة القانونية والسياسية تجاه هذه التنظيمات.
أما جون جينكينز، فقد تناول النقاش الدائر في المملكة المتحدة حول تعريف «الكراهية المعادية للمسلمين"، لافتا إلى تعقيدات التوازن بين حرية التعبير ومكافحة التمييز.
في حين سلط توماسو فيرجيلي الضوء على التحديات التي تواجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي في التعامل مع شبكات النفوذ.
مقاربات البحث والوقاية
في الجلسة الرابعة، تم التركيز على أهمية البيانات والبحث الميداني في فهم الظاهرة.
وأكد جوستاف جوستيناو أن بناء استراتيجيات فعالة يتطلب معرفة دقيقة بالواقع الاجتماعي، فيما قدم رود كوبرمانس نتائج دراسات كمية حول اتجاهات فكرية داخل بعض المجتمعات الأوروبية، مشددًا على ضرورة قراءة هذه المؤشرات ضمن سياقاتها الاجتماعية والسياسية.
واختُتم المؤتمر بطاولة مستديرة شارك فيها عدد من الباحثين وصناع القرار، حيث تم استعراض أبرز خلاصات اليوم الدراسي، مع التطرق إلى قضايا مترابطة مثل التحديات التي تواجه المجتمعات الأوروبية في الحفاظ على توازنها بين الحرية والأمن.
ويعكس مؤتمر "حركات الإسلام السياسي في أوروبا" توجهًا متزايدًا نحو معالجة القضايا الحساسة من خلال البحث العلمي والحوار المفتوح.
وبينما لا تزال هذه الظواهر محل جدل واسع، فإن مثل هذه اللقاءات الأكاديمية تساهم في بناء فهم أعمق وأكثر توازنًا، يمكّن صناع القرار والمجتمعات من التعامل مع التحديات الراهنة بقدر أكبر من الوعي والدقة.