تقارير وحوارات
ماذا يعني فقدان الحوثيين للدعم الإيراني؟
على مدى أكثر من عقد، نجحت جماعة الحوثي في التحول من حركة تمرد محلية في شمال اليمن إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية والتوازنات الأمنية في الخليج.
وقد ساعدتها في ذلك مجموعة من العوامل، أبرزها الدعم الإيراني المستمر، والطبيعة الجغرافية الوعرة لمناطق نفوذها، وقدرتها على بناء شبكات تمويل موازية مكّنتها من الصمود في وجه حملات عسكرية متتالية. إلا أن الحرب التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026 بين الولايات المتحدة وإيران قد تفتح فصلاً جديداً في مسار الجماعة، إذ يعتقد عدد من المراقبين أن الحوثيين قد يكونون من أكثر الأطراف تأثراً بتداعياتها إذا ما اضطرت طهران إلى تقليص دعمها العسكري والمالي لحلفائها الإقليميين.
ورغم أن الحوثيين لم يكونوا في صدارة المواجهة خلال الحرب الإيرانية الأخيرة، فإن وجودهم ظل يمثل أحد عناصر الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها طهران. فالجماعة تسيطر على مناطق تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتمتلك سجلاً طويلاً في استهداف السفن والمنشآت الحيوية، ما جعلها ورقة ردع مؤثرة في الحسابات الإيرانية.
لكن أهمية هذه الورقة لا تعني بالضرورة استمرار القدرة الإيرانية على تمويلها ورعايتها في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية بعد أشهر من المواجهة العسكرية المكلفة.
ويستند الحديث عن هشاشة محتملة في وضع الحوثيين إلى حقيقة أن جزءاً مهماً من قوتهم الحالية بُني على الشراكة مع إيران. فمنذ سنوات، وفر الحرس الثوري الإيراني للجماعة التدريب والخبرات العسكرية والتقنيات اللازمة لتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما ساعدها في بناء شبكة لوجستية معقدة لتأمين الإمدادات العسكرية.
و يقول المحلل هنري روجرز في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست إن هذا الدعم للحوثيين قد سمح بالانتقال من استخدام أسلحة تقليدية محدودة إلى امتلاك قدرات هجومية مكنتهم من تهديد الملاحة الدولية واستهداف منشآت استراتيجية داخل المنطقة.
غير أن هذه القدرات لا يمكن فصلها عن طبيعة البيئة اليمنية نفسها. فالجماعة استفادت بشكل كبير من التضاريس الجبلية في شمال البلاد، حيث تشكل المرتفعات والوديان العميقة حصناً طبيعياً يصعب اختراقه.
وقد أثبتت سنوات الحرب أن التفوق الجوي وحده غير كافٍ لإخضاع الحركة أو تدمير بنيتها العسكرية. كما أن الحوثيين نجحوا في تطوير هيكل تنظيمي مرن يعتمد على توزيع مراكز القيادة واتخاذ القرار، ما قلل من تأثير الضربات التي استهدفت قياداتهم ومخازن أسلحتهم.
لكن صمود الجماعة لا يرتبط فقط بالجغرافيا والتنظيم العسكري، بل يعتمد أيضاً على قدرتها على تأمين الموارد المالية اللازمة لاستمرار عملياتها. فمنذ فرض العقوبات الدولية عليها، عمل الحوثيون على بناء شبكات اقتصادية خاصة تشمل الضرائب المحلية ورسوم العبور والتهريب والتجارة غير المشروعة. كما استفادوا من موقع اليمن الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر لفرض نفوذهم على بعض مسارات التجارة البحرية.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت الجماعة في استخدام العملات الرقمية المشفرة كوسيلة لتجاوز القيود المصرفية والعقوبات المالية.
وأصبحت العملات المستقرة، وعلى رأسها "تيثر"، جزءاً مهماً من بنيتها المالية، حيث استخدمت في عمليات التحويل وشراء المعدات وإدارة الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وقد منحها ذلك هامشاً من المرونة في مواجهة الضغوط الدولية، لكنه خلق في الوقت نفسه نقطة ضعف يمكن استغلالها إذا ما قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها تشديد الرقابة على هذه الشبكات.
ويعتقد خبراء أن أحد أبرز التحديات التي قد تواجه الحوثيين في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية يتمثل في تراجع تدفق الأسلحة المتطورة القادمة من طهران. فاليمن لا يمتلك قاعدة صناعية قادرة على إنتاج الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة المتقدمة بكميات كافية، كما أن الجماعة تعتمد بدرجة كبيرة على المكونات والخبرات الإيرانية للحفاظ على ترسانتها الهجومية.
وإذا ما انخفض هذا الدعم، فإن الحوثيين سيجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة تتمثل في الحفاظ على قدراتهم العسكرية من دون المورد الرئيسي الذي ساعدهم على تطويرها.
وتزداد هذه الصعوبة إذا أخذنا في الاعتبار أن إيران نفسها تواجه ضغوطاً متصاعدة. فالحرب الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية الاقتصادية الإيرانية، كما زادت من الحاجة إلى إعادة توجيه الموارد نحو الداخل ومعالجة تداعيات العقوبات والأزمات المالية.
وفي حال دخلت طهران في ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة مع القوى الغربية، فقد يصبح تقليص الدعم للوكلاء الإقليميين أحد الخيارات المطروحة ضمن أي تفاهمات محتملة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن ما يعرف بمحور المقاومة لم يعد يوفر لإيران المكاسب الاستراتيجية نفسها التي كان يوفرها في السابق. فالكثير من مكونات هذا المحور تعرضت لضغوط عسكرية وأمنية متزايدة، فيما ارتفعت كلفة دعمه مادياً وسياسياً. ومن ثم قد تفضل القيادة الإيرانية التركيز على إعادة بناء قدراتها الذاتية بدلاً من مواصلة الإنفاق بالمستويات السابقة على حلفائها الخارجيين.
الحوثيين قد يكونون من أكثر الأطراف تأثراً بتداعيات الحرب على إيران إذا ما اضطرت طهران إلى تقليص دعمها العسكري والمالي لحلفائها الإقليميين.
ومع احتمال تراجع الدعم الإيراني، قد يسعى الحوثيون إلى البحث عن مصادر بديلة للتمويل. وهنا تبرز الموارد النفطية اليمنية كخيار محتمل. فحقول النفط والغاز تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية المتبقية في البلاد، ويمكن أن توفر دخلاً كبيراً لأي طرف ينجح في السيطرة عليها. لكن الوصول إلى هذه الموارد ليس مهمة سهلة، لأن معظمها يقع خارج المناطق الجبلية التي تشكل معقل الحوثيين التقليدي.
وتخضع الحقول النفطية الرئيسية حالياً لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي وقوى محلية وقبلية مدعومة إقليمياً. كما أن طبيعة المناطق التي توجد فيها هذه الحقول تختلف جذرياً عن البيئة التي اعتادت الجماعة القتال فيها. فالمساحات المفتوحة تجعل التحركات العسكرية أكثر عرضة للاستهداف الجوي، وهو ما قد يمنح خصوم الحوثيين أفضلية واضحة في أي مواجهة مستقبلية حول موارد الطاقة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السعودية قد تكون المستفيد الأكبر من أي تراجع في قدرات الحوثيين. فمنذ سنوات، تعتبر الرياض أن الجماعة تمثل أحد أبرز مصادر التهديد لأمنها القومي وحدودها الجنوبية.
وقد استثمرت موارد كبيرة في دعم القوى المناهضة للحوثيين داخل اليمن، لكنها واجهت صعوبات مرتبطة بقدرة الجماعة على الصمود والانقسامات التي شهدها المعسكر المناهض لها.
وأما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً نسبياً. فمجلس القيادة الرئاسي أصبح أكثر قدرة على التحرك بعد تراجع بعض القوى المنافسة داخل الساحة اليمنية، كما أن أي ضعف يصيب الحوثيين قد يمنح الحكومة المعترف بها دولياً فرصة لتعزيز مواقعها واستعادة زمام المبادرة في عدد من الملفات.
ومن هذا المنطلق، يدعو بعض الخبراء الولايات المتحدة إلى عدم الاكتفاء بالضربات العسكرية المحدودة أو حملات الردع التقليدية، بل إلى تبني استراتيجية أكثر شمولاً تقوم على استهداف مصادر القوة الاقتصادية والمالية للجماعة.
ويشمل ذلك تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الشركاء الإقليميين، وتكثيف الجهود الرامية إلى تعقب شبكات التمويل غير المشروعة، وممارسة ضغوط أكبر على المنصات والشركات المرتبطة بالعملات الرقمية المستخدمة في أنشطة الحوثيين.
كما يرى هؤلاء أن دعم المؤسسات اليمنية الرسمية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية طويلة الأمد. فإضعاف الحوثيين لن يكون كافياً لتحقيق الاستقرار إذا لم يترافق مع بناء مؤسسات قادرة على إدارة المناطق المحررة وتوفير الخدمات الأساسية للسكان.
ولذلك فإن التحدي لا يقتصر على تقليص نفوذ الجماعة، بل يمتد إلى كيفية ملء الفراغ الذي قد ينشأ نتيجة أي تراجع في قوتها.
وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من قدرة الحوثيين على التكيف. فقد أثبتت الجماعة خلال السنوات الماضية مرونة كبيرة في مواجهة التحولات السياسية والعسكرية، واستطاعت الاستفادة من الأزمات والانقسامات الداخلية والخارجية لتعزيز مواقعها. كما أنها راكمت خبرة واسعة في إدارة الصراعات طويلة الأمد، ما يجعل من المبكر الحديث عن تراجع حتمي أو سريع لنفوذها.
ومع ذلك، فإن البيئة الاستراتيجية التي تتشكل بعد حرب 2026 تختلف عن تلك التي ساعدت الجماعة على الصعود خلال العقد الماضي. فالداعم الرئيسي يواجه تحديات غير مسبوقة، ومصادر التمويل تتعرض لضغوط متزايدة، فيما تتغير موازين القوى الإقليمية بصورة متسارعة.
ولذلك قد يجد الحوثيون أنفسهم أمام مرحلة تتطلب إعادة صياغة أولوياتهم واستراتيجياتهم، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
ويبدو أن مستقبل الحوثيين بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بمآلات الدور الإيراني في المنطقة. فإذا استمرت طهران في تقديم الدعم بالمستويات السابقة، فقد تتمكن الجماعة من الحفاظ على موقعها الحالي.
وأما إذا تراجعت هذه المساندة نتيجة الضغوط الاقتصادية أو التفاهمات السياسية أو إعادة ترتيب الأولويات الإيرانية، فإن الحركة ستواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على البقاء كلاعب إقليمي مؤثر.
وبين هذين الاحتمالين، تترقب القوى الإقليمية والدولية ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد بداية انحسار النفوذ الحوثي أم ولادة أشكال جديدة من التكيف تسمح للجماعة بمواصلة حضورها في معادلات اليمن والبحر الأحمر.