اخبار الإقليم والعالم

هل يكفي نزع سلاح حزب الله لإنهاء نفوذ إيران في لبنان؟

وكالة أنباء حضرموت

مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يعود ملف نزع سلاح حزب الله إلى واجهة النقاش السياسي والأمني باعتباره العقدة الرئيسية التي تعيق التوصل إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية. غير أن التطورات التي شهدتها الساحة اللبنانية خلال العامين الماضيين تطرح سؤالا أكثر تعقيدا من مجرد مسألة السلاح: هل يؤدي نزع سلاح حزب الله فعلا إلى إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان؟.

ويكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة في ضوء الخسائر العسكرية الكبيرة التي تعرض لها الحزب منذ أواخر عام 2024، سواء على مستوى بنيته العسكرية أو قياداته أو شبكاته العملياتية.

ورغم ذلك، لا تزال تقديرات سياسية وأمنية غربية وإسرائيلية تشير إلى أن إيران ما زالت تمتلك أوراق نفوذ واسعة داخل لبنان، وأن المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول الصواريخ والمخازن العسكرية، بل حول النفوذ داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد وشبكات القرار السياسي.

وخلال الأشهر الماضية، ركزت الضغوط الأميركية والإسرائيلية على ضرورة تطبيق قرار نزع سلاح حزب الله باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق الاستقرار في لبنان. لكن هذه المقاربة تواجه تحديا جوهريا يتمثل في أن الحزب لم يعد مجرد تنظيم مسلح، بل تحول خلال العقود الماضية إلى منظومة سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة مع بنية الدولة اللبنانية نفسها.

ونجح الحزب في بناء شبكة نفوذ تمتد إلى مؤسسات رسمية وأجهزة أمنية وإدارية ومالية، كما نسج تحالفات سياسية واسعة سمحت له بالحفاظ على تأثيره حتى في الفترات التي تعرض فيها لضغوط عسكرية أو سياسية.

ومن هنا يرى عدد من المراقبين أن نزع السلاح، رغم أهميته، قد لا يكون كافيا بمفرده لتغيير موازين القوى الداخلية أو تقليص النفوذ الإيراني في لبنان.

وتستند هذه الرؤية إلى تجربة السنوات الماضية، حيث تمكن حزب الله بعد كل مواجهة عسكرية مع إسرائيل من إعادة بناء جزء كبير من قدراته، مستفيدا من الدعم الإيراني ومن حضوره داخل المؤسسات اللبنانية.

واليوم، وبعد الضربات التي أضعفت بنيته العسكرية بشكل غير مسبوق، يبدو أن طهران تعمل على تعديل استراتيجيتها للحفاظ على نفوذها اللبناني. فبدلا من الاعتماد الحصري على القوة العسكرية، تتجه إيران بصورة متزايدة إلى تعزيز أدوات النفوذ السياسي والمؤسساتي والمالي.

وتشير تقديرات عديدة إلى أن الحرس الثوري الإيراني لعب خلال الفترة الماضية دورا مباشرا في إعادة تنظيم الحزب بعد الخسائر التي تعرض لها. فقد أدركت طهران أن قدرة حزب الله على الاحتفاظ بدوره التقليدي تراجعت بفعل الاستنزاف العسكري والضربات الأمنية، ما دفعها إلى التركيز على حماية الركائز الأخرى التي تمنحه النفوذ داخل الدولة اللبنانية.

وتتمثل إحدى أهم هذه الركائز في شبكة الحلفاء السياسيين التي توفر للحزب غطاء داخل مؤسسات الحكم. فإيران تدرك أن النفوذ داخل الوزارات والإدارات والأجهزة الرسمية قد يكون أكثر استدامة وأقل كلفة من الاحتفاظ بترسانة عسكرية ضخمة تحت ضغط دائم من إسرائيل.

كما أن السيطرة على مفاصل مالية وإدارية تمنح الحزب قدرة على الاستمرار حتى في حال تعرضه لقيود عسكرية مشددة.

ويبرز في هذا السياق الدور الذي تلعبه المؤسسات المرتبطة بالأمن والمال، باعتبارها ساحات حيوية تسمح بالحفاظ على النفوذ وتسهيل الحركة المالية واللوجستية للحزب.

ولذلك ترى دوائر غربية أن أي استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ حزب الله لا يمكن أن تقتصر على تفكيك بنيته العسكرية فقط، بل يجب أن تشمل معالجة البيئة السياسية والإدارية التي تسمح له بإعادة إنتاج قوته.

وفي المقابل، تواجه الدولة اللبنانية معضلة معقدة. فالمطالبة بنزع سلاح الحزب تثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية جديدة، خصوصا إذا جرى التعامل مع الملف باعتباره مسألة أمنية بحتة.

كما أن قطاعات واسعة من اللبنانيين تخشى أن يؤدي أي صدام مباشر إلى زعزعة الاستقرار الهش الذي تحاول البلاد الحفاظ عليه في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

إيران تدرك أن النفوذ داخل الوزارات والإدارات والأجهزة الرسمية قد يكون أكثر استدامة وأقل كلفة من الاحتفاظ بترسانة عسكرية ضخمة تحت ضغط دائم من إسرائيل. كما أن السيطرة على مفاصل مالية وإدارية تمنح الحزب قدرة على الاستمرار حتى في حال تعرضه لقيود عسكرية مشددة.

وتزداد هذه المخاوف مع استمرار الغموض بشأن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالكثير من القوى اللبنانية تترقب نتائج المفاوضات الجارية بين الطرفين، لأن أي تفاهم إقليمي قد ينعكس مباشرة على وضع حزب الله ومستقبل دوره في لبنان.

ومن وجهة نظر طهران، لا يتعلق الأمر فقط بالحفاظ على حزب الله كتنظيم مسلح، بل بالإبقاء على لبنان ضمن دائرة نفوذها الإقليمي. ولهذا السبب يبدو أن إيران تسعى إلى نقل مركز الثقل من الجبهة العسكرية إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية والإدارية.

وتوفر هذه المقاربة لطهران عدة مزايا. فهي تسمح لها بالحفاظ على نفوذ طويل الأمد بأدوات أقل عرضة للاستهداف العسكري، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في القرارات اللبنانية الداخلية، بغض النظر عن مصير الترسانة العسكرية للحزب.

كما أن النفوذ المؤسساتي يوفر هامشا أوسع للمناورة السياسية مقارنة بالعمل العسكري الذي أصبح أكثر كلفة وتعقيدا في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة.

وفي حال نجحت هذه الاستراتيجية، فإن لبنان قد يشهد تحولا في طبيعة الصراع حول حزب الله. فبدلا من التركيز على السلاح فقط، ستنتقل المعركة إلى قضايا النفوذ داخل الدولة والإصلاحات المؤسسية والقدرة على إعادة تشكيل موازين القوى السياسية.

وهذا ما يفسر تركيز بعض الأوساط الغربية على ضرورة دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز استقلاليتها، بالتوازي مع أي جهود لنزع سلاح الحزب. فالهدف لم يعد مجرد إزالة الصواريخ أو تفكيك البنية العسكرية، بل الحد من قدرة الحزب على إعادة إنتاج نفوذه عبر قنوات أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإصلاحات المالية والإدارية وتعزيز دور الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية، باعتبارها أدوات يمكن أن تساهم في تقليص نفوذ الحزب على المدى الطويل.

لكن تحقيق هذا الهدف يظل رهنا بتوفر إرادة سياسية داخلية ودعم دولي مستمر، فضلا عن قدرة الدولة اللبنانية نفسها على استعادة دورها في ظل الانقسامات الداخلية العميقة.

وفي المحصلة، يبدو أن معركة حزب الله لم تعد تدور فقط حول السلاح. فبينما يظل نزع السلاح مطلبا أساسيا بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن النفوذ الإيراني في لبنان بات أكثر تعقيدا وتشابكا من أن يُختزل في الترسانة العسكرية للحزب وحدها.

ولهذا السبب، فإن أي محاولة لإعادة رسم التوازنات في لبنان ستتطلب معالجة البعد السياسي والمؤسساتي والاقتصادي لنفوذ حزب الله، إلى جانب البعد العسكري. فحتى لو فقد الحزب جزءا كبيرا من قوته المسلحة، فإن قدرته على التأثير قد تستمر ما دامت الشبكات التي بناها داخل الدولة والمجتمع والاقتصاد لا تزال قائمة وتعمل كأدوات فاعلة للنفوذ الإيراني في لبنان.
 

الطريق لنهائي كأس العالم 2026.. تحد مغربي للامين يامال


موهبة خفية.. مبابي يجهز احتفالا موسيقيا في كأس العالم 2026


متحدث «قمم»: انتهاكات الجيش بتحريض إخواني لإذلال السودانيين


أنشيلوتي أربكه.. رافينيا ضحية الفوضى التكتيكية في البرازيل