تقارير وحوارات

إيران بين الحرب والمساومة… الحسم في الداخل

إيران بين الحرب والمساومة… الحسم في الداخل

إيران بين الحرب والمساومة… الحسم في الداخل

وکالة أنباء حضر موت

إيران بين الحرب والمساومة… الحسم في الداخل

بقلم: فرامرز صفا، كاتب وباحث إيراني

تبدو إيران اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها المعاصر. فالنظام الحاكم لم يعد يواجه أزمة منفردة يمكن احتواؤها، بل شبكة متداخلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، تتراكم فوق بعضها وتدفع البلاد نحو احتمال انفجار جديد. ومع ذلك، فإن قراءة المشهد الإيراني من زاوية الحرب وحدها، أو من زاوية التفاوض وحده، تبقى قراءة ناقصة؛ لأن العامل الحاسم في معادلة التغيير لا يكمن في الخارج فقط، بل في المجتمع الإيراني وقدرته على تحويل الغضب المتراكم إلى مسار سياسي منظم.

النظام يدرك هذه الحقيقة جيدًا. ولهذا لا يتعامل مع الأزمة الاقتصادية أو الضغوط الخارجية بوصفهما الخطر الأكبر، بل يرى أن “خطر الشارع” هو التهديد الحقيقي. من هنا تأتي دعوات مسؤولي النظام المتكررة إلى عدم ترك الشوارع فارغة، وإلى إبقاء القبضة الأمنية حاضرة في المدن. فالرعب الأساسي لدى الحكم ليس من الضربة العسكرية وحدها، بل من اللحظة التي يلتقي فيها الانهيار الاقتصادي مع الغضب الشعبي والتنظيم الميداني.

لقد دخل النظام مرحلة يصعب فيها التراجع كما يصعب فيها الاستمرار. فإذا تراجع عن سياساته السابقة، فقد يسرّع ذلك تفككه الداخلي ويكشف عجزه أمام قاعدته الضيقة. وإذا واصل النهج نفسه، فإنه يفتح الباب أمام مزيد من العزلة والضغوط وربما موجات جديدة من المواجهة. ولذلك فإن النظام يتحرك لا من موقع القوة، بل من موقع الخوف على البقاء.

الخطأ الشائع في بعض التحليلات الغربية هو اختزال المعادلة في مواجهة بين النظام والقوى الخارجية. فعندما لا يسقط النظام بعد ضربة عسكرية أو جولة حرب، يذهب البعض إلى القول إنه أصبح أقوى. غير أن هذا الاستنتاج سطحي؛ فالضربات الجوية، مهما بلغت قوتها، ليست الطريق الحاسم لإسقاط نظام متجذر في أجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية. سقوط مثل هذا النظام يتوقف قبل كل شيء على تآكل قدرته على السيطرة، وعلى استعداد المجتمع للانفجار، وعلى وجود قوة منظمة تستطيع توجيه الاحتجاجات نحو التغيير.

ومن يتابع الداخل الإيراني يدرك أن النظام أضعف بكثير مما يحاول أن يظهر. فالأزمات التي سبقت الانتفاضات الأخيرة لم تُحل، بل تفاقمت. التضخم يتصاعد، الرواتب لم تعد تكفي الحد الأدنى من المعيشة، أسعار المواد الغذائية ترتفع بصورة قاسية، وأزمات الكهرباء والمياه والطاقة تضغط على حياة المواطنين اليومية. حتى أرقام النظام ومصادره الرسمية تكشف حجم المأزق: اتساع خط الفقر، تراجع قيمة العملة، وانهيار قدرة العمال والموظفين على إعالة أسرهم.

إلى جانب ذلك، تضع الضغوط الاقتصادية والبحرية النظام أمام مأزق إضافي. فإيران تعتمد إلى حد كبير على الممرات البحرية في وارداتها وصادراتها، وأي تعطيل واسع لهذه الشرايين يضاعف الاختناق الاقتصادي. كما أن تقييد صادرات النفط أو امتلاء سعات التخزين يضع النظام أمام أزمة مالية وتشغيلية عميقة، خصوصًا أن النفط ظل أحد مصادر تمويل آلة القمع والمشاريع الإقليمية.

أما على المستوى الإقليمي، فقد تلقى النظام ضربات قاسية في شبكة نفوذه ووكلائه. فالأذرع التي استخدمها لعقود بوصفها أوراق ضغط وحواجز دفاع خارجية لم تعد تعمل بالكفاءة السابقة. وكان خامنئي يكرر دائمًا أن القتال في سوريا والعراق ولبنان واليمن يمنع انتقال المعركة إلى المدن الإيرانية. وهذا الاعتراف يكشف جوهر الاستراتيجية: تصدير الأزمة إلى الخارج لتأجيل الانفجار في الداخل. لكن تراجع هذه الأذرع يعني أن الأزمة تعود تدريجيًا إلى مركزها الطبيعي: داخل إيران.

“المجتمع الإيراني في قلب المعادلة”

إسقاط نظام كهذا ليس معادلة عسكرية بحتة. فالحرب قد تُضعف النظام، والعقوبات قد تُربكه، والضغوط الدولية قد تضيق هامشه، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء حكمه. الشرط الحاسم هو وجود مجتمع غاضب، وأزمة موضوعية ناضجة، وقوة منظمة قادرة على تحويل الاحتجاجات إلى مشروع تغيير. وهذه العناصر باتت أكثر حضورًا في إيران اليوم.

فالمجتمع الإيراني لم يعد كما كان. حاجز الخوف تراجع، والأجيال الجديدة أصبحت أكثر استعدادًا للمواجهة، والاحتجاجات المتكررة أظهرت أن الرغبة في التغيير لم تعد نخبوية أو محدودة، بل تحولت إلى اتجاه اجتماعي واسع. وفي هذا السياق يبرز دور الشبكات المنظمة ووحدات المقاومة داخل البلاد، بوصفها عاملًا سياسيًا وميدانيًا يمنح الانتفاضات قدرة أكبر على الاستمرار والتوجيه.

كما أن التخويف من أن سقوط النظام سيؤدي إلى تقسيم إيران لم يعد حجة مقنعة. فهذه الرواية يروّجها النظام نفسه، وتستخدمها بعض الدوائر لتبرير استمرار سياسة المساومة. لكن إيران تمتلك هوية تاريخية وثقافية عميقة، كما أن أي بديل ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على وحدة البلاد وضمان حقوق جميع القوميات ضمن إطار وطني جامع. الخطر الحقيقي على وحدة إيران لا يأتي من التغيير، بل من استمرار نظام ينهب الثروة، ويقمع المجتمع، ويدفع البلاد نحو الانفجار.

وفي هذا السياق، تكتسب التحضيرات لـ”تظاهرة إيران الحرة الكبرى في باريس” يوم 20 يونيو 2026 أهمية خاصة، إذ يسعى أنصار المقاومة الإيرانية إلى إيصال صوت الشعب الإيراني إلى العالم، والتأكيد أن التغيير في إيران لم يعد مطلبًا داخليًا فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية لفتح الطريق أمام سلام دائم.

الخلاصة أن المشكلة الإيرانية لا تُحل بالحرب وحدها، ولا بالمساومة مع نظام أثبت أنه غير قابل للإصلاح. الحل الحقيقي يكمن في الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني والاعتراف بحقه في إسقاط نظام ولاية الفقيه وبناء بديل ديمقراطي. فكل قراءة تتجاهل العامل الشعبي المنظم لا تفعل سوى إطالة عمر الأزمة، بينما مستقبل إيران سيُحسم في النهاية لا في غرف التفاوض ولا في سماء الحرب، بل في الشارع الإيراني، وبإرادة شعبه.

 

 

قراءة في البديل السياسي لإيران الغد


تفكير عراقي بصوت عال في معضلة الميليشيات: الدمج هو الحلّ


مناجم الذهب الصغيرة تزدهر في السودان رغم المخاطر


حرب إيران تعيد رسم أولويات السعودية الأمنية والاقتصادية