اخبار الإقليم والعالم

لماذا نشرت باكستان قوات في السعودية؟

وكالة أنباء حضرموت

يفرض الموقع الإقليمي لباكستان بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط عليها موازنةً دائمة بين ضغوط خارجية متنافسة. ولا يظهر هذا التوازن بوضوح أكبر من علاقاتها مع إيران والسعودية.

والسؤال الأساسي هو: كيف يمكن لإسلام آباد الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع الرياض، وفي الوقت نفسه الإبقاء على علاقة عملية مع طهران وتقديم نفسها وسيطاً بين طهران وواشنطن؟.

وأعادت التقارير الأخيرة بشأن نشر باكستان ثمانية آلاف جندي وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية، في إطار ترتيب دفاعي ثنائي، إحياء التساؤلات القديمة حول التوجه الإقليمي لإسلام آباد.

وقد فسّر بعض المراقبين هذه الخطوات سريعاً على أنها دليل على أن باكستان حسمت خيارها لصالح الرياض على حساب طهران. لكن مثل هذه الاستنتاجات تبدو متسرعة. فالسلوك الباكستاني يعكس، بدرجة أقل، التزاماً بتحالف مباشر، وبدرجة أكبر محاولة محسوبة بعناية لتجنب الانجرار إلى استقطاب إقليمي حاد.

وليست معضلة باكستان جديدة. فمنذ الثورة الإيرانية، اضطرت الحكومات المتعاقبة في إسلام آباد إلى المناورة بين علاقتين مهمتين لكنهما متنافستان. فقد شكّلت السعودية تاريخياً الداعم الاقتصادي الرئيسي لباكستان، بينما تمثل إيران أكثر من مجرد دولة إقليمية مجاورة، إذ ترتبط معها بحدود مباشرة.

وتقوم العلاقة السعودية ـ الباكستانية على عدة ركائز. أولها الروابط الاقتصادية، إذ يعمل ملايين الباكستانيين في السعودية ودول الخليج الأخرى، وتشكل تحويلاتهم المالية مصدراً مهماً للعملات الأجنبية لاقتصاد يعاني باستمرار من أزمات الديون واختلالات ميزان المدفوعات. كما لعب الدعم المالي السعودي مراراً دور عامل الاستقرار خلال الأزمات الاقتصادية المتكررة التي شهدتها باكستان.

وأما الركيزة الثانية فهي التعاون العسكري. فقد درّب أفراد من الجيش الباكستاني القوات السعودية لعقود، كما أن التعاون العسكري بين البلدين يسبق الاتفاق الدفاعي الأخير بسنوات طويلة.

وتنظر السعودية تقليدياً إلى باكستان باعتبارها تمتلك مؤسسة عسكرية كبيرة وقادرة يمكن أن تدعم احتياجاتها الأمنية واحتياجات حلفائها الخليجيين. كما أن باكستان هي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك قدرات نووية، ما يجعلها شريكاً استراتيجياً مهماً للرياض في ظل الغموض المحيط بالالتزامات الأمنية الأميركية طويلة الأمد في الخليج.

لكن إذا كانت السعودية تمثل ضرورة اقتصادية واستراتيجية، فإن إيران تمثل حتمية جيوسياسية. فلا تستطيع باكستان تجاهل جارها الغربي الذي تشترك معه في حدود تمتد لنحو ألف كيلومتر. كما يتشارك البلدان هواجس أمنية متداخلة، إذ يؤثر عدم الاستقرار في إقليم بلوشستان على الطرفين معاً.

وقد تسببت الأنشطة المسلحة العابرة للحدود والتوترات الطائفية دورياً في تعقيد العلاقات بين البلدين، لكن الحكومتين أدركتا دائماً مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، ولذلك تراجعتا مراراً عن التصعيد.

وهناك أيضاً بعد داخلي مهم. فباكستان تضم أقلية شيعية كبيرة تُقدّر بنحو 15 في المئة من السكان، وأي اصطفاف واضح ضد طهران قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية داخل البلاد.

لا تستطيع باكستان الاصطفاف الكامل مع السعودية ضد إيران. لكن استئناف الأعمال القتالية سيُضيّق هامش خياراتها.

ولهذا سعت الحكومات الباكستانية المتعاقبة إلى تجنب التحول إلى طرف في الصراع السني ـ الشيعي الأوسع، الذي غالباً ما غذّته السعودية لتعزيز أهدافها الإقليمية.

ويفسر ذلك تردد باكستان المتكرر في الانخراط عسكرياً في الحملات الإقليمية التي تقودها السعودية. ففي حرب اليمن مثلاً، رفض البرلمان الباكستاني المشاركة رغم الضغوط والتوقعات السعودية القوية. ولم يكن هدف إسلام آباد الابتعاد عن الرياض، بل تجنب إحداث قطيعة لا يمكن إصلاحها مع طهران.

ولذلك، لا ينبغي بالضرورة تفسير الانتشار العسكري الأخير على أنه تحول استراتيجي جذري. فهو يستند إلى علاقة عسكرية قائمة منذ عقود بين الرياض وإسلام آباد. ويبدو أن باكستان تحاول الفصل بين التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية وبين المواجهات الإقليمية الأوسع المرتبطة بإيران.

لكن الحفاظ على هذا الفصل يصبح أكثر صعوبة كلما تصاعدت الأزمات الإقليمية. فالقوات التي تُنشر لأغراض دفاعية أو تدريبية قد تجد نفسها لاحقاً متورطة في عمليات عسكرية.

وتزداد المعضلة تعقيداً لأن باكستان تحاول في الوقت نفسه تقديم نفسها وسيطاً بين إيران والولايات المتحدة، من خلال نقل المقترحات وتسهيل الحوار بين طهران وواشنطن. وهناك أسباب عملية وراء هذا الدور الدبلوماسي.

أولاً، تمتلك باكستان مصلحة اقتصادية مباشرة في منع اندلاع مواجهة طويلة مع إيران، لأن أي تصعيد يهدد إمدادات الطاقة وخطوط الشحن التي تعتمد عليها البلاد.

كما أن أي اضطراب في الخليج ينعكس فوراً على الاقتصاد الباكستاني الهش عبر ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة الواردات، وتراجع تحويلات العمال الباكستانيين العاملين في دول الخليج الغنية بالطاقة.

ثانياً، يمنح دور الوساطة باكستان فرصة لتعزيز مكانتها الدولية. فقد أمضت إسلام آباد جزءاً كبيراً من العقد الماضي في مواجهة عزلة دبلوماسية وصعوبات اقتصادية، وبالتالي فإن لعب دور الوسيط يمنحها فرصة لتقديم نفسها كفاعل إقليمي مسؤول، لا مجرد دولة تعتمد على الدعم الخارجي.

ثالثاً، تسمح الوساطة لباكستان بتجنب اتخاذ خيارات حادة. فمن خلال تقديم نفسها جسراً بين الأطراف المتنافسة، تسعى إسلام آباد إلى تحويل الغموض الاستراتيجي إلى أداة دبلوماسية.

غير أن الوساطة نفسها تنطوي على مخاطر. فالحياد يصبح صعباً عندما تكون في الوقت ذاته شريكاً أمنياً لأحد الأطراف.

وقد تبدأ طهران بالتشكيك في قدرة باكستان على لعب دور الوسيط المحايد بينما توسع تعاونها العسكري مع السعودية وتحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.

وفي المقابل، قد تستفيد واشنطن من قنوات باكستان مع طهران، لكنها تبقى غير واثقة من النوايا الاستراتيجية الأوسع لإسلام آباد بسبب حرصها على عدم خسارة إيران.

مضيق هرمز.. سجن عائم لآلاف البحارة


الناتو يدرس خيارات لإعادة بعثته إلى العراق


تآكل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط يفتح الباب أمام الصين


تصويت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة يؤكد: نظام الملالي بات في مواجهة عزلة دولية متصاعدة بسبب الإعدامات والقمع