اخبار الإقليم والعالم
فرقاء ليبيا: ميزانية موحّدة ضمن أولى خطوات خطة واشنطن
ينتظر الليبيون انفراجة للأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تمر بها بلادهم حاليًا، بعد إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، السبت، توقيع ممثلي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على اتفاق الإنفاق العام الموحد، وذلك كملحق للاتفاق التنموي الموحد، يتضمن اعتماد الجداول العامة للإنفاق في الدولة الليبية، شاملًا أبواب المرتبات والنفقات التسييرية والدعم، في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عامًا.
ويُعدّ الاتفاق نتيجة مباشرة لخطة العمل الأميركية التي يشرف عليها مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، الذي أشاد بتوقيع ليبيا ميزانية وطنية موحدة لأول مرة منذ أكثر من 13 عامًا، معتبرًا ذلك إنجازًا مهمًا يعزز الاستقرار المالي ويدعم مسار السلام والوحدة الوطنية في البلاد. وأبرز، في تغريدة عبر منصة “إكس”، أن هذا التقدم جاء بعد أشهر من الوساطة الأميركية ضمن خارطة طريق أوسع تهدف إلى تحقيق السلام، مشيرًا إلى أن الأطراف الليبية من الشرق والغرب نجحت في تجاوز خلافاتها وقبول تسويات تصب في مصلحة الوطن.
وأكد بولس أن توحيد الميزانية يسهم في تعزيز الاستقرار المالي، ودعم قيمة الدينار الليبي، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، إضافة إلى تقوية دور مصرف ليبيا المركزي في إدارة السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن الميزانية الجديدة ستدعم تنفيذ مشاريع التنمية في مختلف أنحاء البلاد، كما تضمن تمويلًا مستدامًا للمؤسسة الوطنية للنفط، بما يمكنها من زيادة إنتاج الطاقة وتعزيز الإيرادات، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الليبي وشركائه الدوليين.
وجدد المسؤول الأميركي التزام بلاده بمواصلة جهودها الدبلوماسية لدعم ليبيا، بما يشمل توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية ناجحة، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وخارطة الطريق الأممية.
وبحسب ممثل المجلس الأعلى للدولة في مفاوضات اتفاق الإنفاق الموحد، عبدالجليل الشاوش، فإن الاتفاق جاء برعاية وزارة الخزانة الأميركية، عقب اجتماعات فنية مكثفة احتضنتها العاصمة التونسية، ويهدف إلى إنهاء ازدواجية الميزانية وتقليص الدين العام المتراكم، عبر اعتماد آلية موحدة لإدارة الإنفاق بين شرق البلاد وغربها.
وأوضح الشاوش أن التفاهمات تتضمن تخصيص نحو 40 مليار دينار ليبي، ما يعادل قرابة 6.2 مليار دولار، لمشروعات التنمية والبنية التحتية، على أن يتم صرف هذه المخصصات وفق آلية مرنة قائمة على التوافق بين الأطراف الليبية، بعيدًا عن أي نسب توزيع ثابتة مسبقة، مشيرًا إلى أن توزيع الأموال بين حكومتي طرابلس وبنغازي سيستند إلى مجموعة من المعايير، في مقدمتها تلبية الاحتياجات الفعلية للمناطق، مع إعطاء الأولوية للمشروعات الحيوية مثل المستشفيات والمرافق الخدمية، إضافة إلى مراعاة التوزيع الجغرافي والكثافة السكانية، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة في الإنفاق العام.
وينص الاتفاق على تشكيل لجنة فنية مشتركة تضم ممثلين عن مختلف الأطراف، تتولى الإشراف على عمليات الصرف ومتابعة التنفيذ بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي، مع إلزام الجهات المعنية بتطبيق مبدأ الإفصاح الكامل عن الإيرادات والمصروفات، بما يعزز الشفافية والرقابة على المال العام. وهو يشمل 17 بندًا ملزمًا، من بينها عقد اجتماعات دورية كل 30 يومًا لمراجعة نسب الإنجاز والتدفقات المالية، وتقديم تقارير تفصيلية حول سير تنفيذ المشروعات، بما يضمن الاستمرارية ويحد من أي اختلالات إدارية أو مالية.
عبدالحميد الدبيبة: بعد 13 عامًا من التعثر السياسي، ننجح اليوم في الوصول إلى اتفاق يُنظم الإنفاق المالي بشكل موحد في كامل ليبيا، بعد أن تفاقمت آثاره السلبية خلال السنوات الماضية بالشكل الذي بات واضحًا للجميع.
وخلال مراسم التوقيع، أكد عيسى، في كلمة مقتضبة، أن الاتفاق يتجاوز كونه إجراءً ماليًا تقنيًا، مشيرًا إلى أنه يمثل بداية مرحلة جديدة قائمة على التعاون والتنسيق بين المؤسسات، ويعكس قدرة الليبيين على التوصل إلى تفاهمات مشتركة رغم التحديات.
وأوضح عيسى أن هذا الاتفاق «ليس مجرد وثيقة مالية، بل يكتب فصلًا جديدًا من فصول العمل الجاد والتعاون الصادق»، كما أنه «تجسيد حقيقي للإرادة الوطنية الجامعة، وإعلان واضح بأن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تجتمع على رؤية موحدة لمستقبلها». وقال: «اتفقنا اليوم على أن نقطع معًا طريق التشتت والازدواج، ونؤسس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي عبر إنجاز هذا المسار التاريخي، الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا»، معتبرًا أن هذه الخطوة تعبر عن إرادة وطنية تهدف إلى إنهاء حالة الانقسام المالي، والانتقال نحو إدارة أكثر شفافية وانضباطًا للمال العام، بما يضع أسسًا واضحة لتنظيم الإنفاق الحكومي.
وأكد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، أن العبرة تبقى في التنفيذ الكامل والدقيق لما جرى الاتفاق عليه، وقال إن الاتفاق يعكس «شرعية المؤسسات المعنية، ويعزز الشفافية، كما يعتمد مقاربة واقعية لاحتواء الانقسام الحكومي القائم، مع توسيع دائرة المشاركة بعيدًا عن الإقصاء أو الترتيبات الثنائية»، لافتًا إلى أن التنفيذ الفعلي للاتفاق يجب أن يضمن انتظام وتحصيل الإيرادات النفطية عبر القنوات الرسمية وفق القانون، محذرًا من التشوهات الناتجة عن عقود تطوير الحقول النفطية الهامشية.
وتابع المنفي أن الهدف يتمثل في ضبط الإنفاق ضمن حدود الإيرادات، وحماية العملة الوطنية، وتحسين مستوى معيشة المواطن وقدرته الشرائية، دون المساس بالاحتياطات النقدية، مؤكدًا أن هذه النتائج ستكون المعيار الحقيقي لقياس نجاح الاتفاق.
أما رئيس حكومة الوحدة المنتهية ولايتها، عبد الحميد الدبيبة، فاعتبر أن الاتفاق المالي الموحد يعد خطوة تحمل «بشائر خير»، غير أن العبرة تبقى في «الالتزام الجاد من جميع الأطراف»، وفق تعبيره، حتى يتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وكتب الدبيبة: «بعد 13 عامًا من التعثر السياسي، ننجح اليوم في الوصول إلى اتفاق يُنظم الإنفاق المالي بشكل موحد في كامل ليبيا، بعد أن تفاقمت آثاره السلبية خلال السنوات الماضية بالشكل الذي بات واضحًا للجميع»، مردفًا: «إذا التزمت جميع الأطراف بتنفيذه، فسينعكس مباشرة -بإذن الله- على تحسن مستوى المعيشة، واستقرار الأسعار، واستعادة قوة الدينار الليبي». وأضاف: «كما أكدنا سابقًا، فإن التنمية حق لكل الليبيين جنوبًا وشرقًا وغربًا، لكنها لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن حدود القدرة المالية للدولة الليبية وإمكاناتها الاقتصادية، وبما يدعم المواطن ولا يكون على حسابه».
أما الحكومة المكلفة من مجلس النواب، فرأت أن اتفاق الإنفاق العام الموحد يعكس قدرة الليبيين على تجاوز التحديات عندما تتوحد الرؤى والإرادات، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك القائم على الشفافية والانضباط المالي، بما يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ودعم استقرار سعر الصرف، والمحافظة على مقدرات الدولة.
واعتبرت حكومة أسامة حماد الاتفاق بمنزلة حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في أنحاء البلاد كافة، بما يضمن عدالة توزيع الموارد، ويرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ويدعم مسيرة التنمية والإعمار، مشيرة إلى التزامها بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات ذات العلاقة، لضمان حسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يخدم تطلعات الشعب الليبي نحو الاستقرار والازدهار.
وأعلن مجلس النواب الموافقة على الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد، في خطوة تهدف إلى توحيد الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار المالي، وترسيخ مبادئ الانضباط في إدارة الموارد، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويحفظ القدرة الشرائية للمواطنين، ويحقق التوازن المالي على أسس مستدامة في كافة أنحاء البلاد.
وأوضح مجلس النواب، في بيان صادر عن رئيسه عقيلة صالح، أن هذا التوافق يمثل محطة مفصلية في مسار الإصلاح الاقتصادي، ويجسد إرادة وطنية صادقة لمعالجة اختلالات المالية العامة، من خلال اعتماد سياسات مالية رشيدة تقوم على الشفافية وتوزيع عادل للموارد، بما يكفل تحسين مستوى الخدمات الأساسية، ودفع عجلة التنمية والإعمار، وتعزيز ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد الوطني.
وأكدت هيئة الرقابة الإدارية «التزامها التام» بمتابعة تنفيذ اتفاق الإنفاق العام الموحد، وحرصها على ضمان الالتزام الصارم بمبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، بما يعزز من كفاءة إدارة المال العام، ويحد من أي تجاوزات أو ممارسات سلبية.
واعتبرت الهيئة الاتفاق محطة مفصلية في مسار الإصلاح الاقتصادي، ويعكس إرادة جادة نحو إرساء مبادئ الشفافية والانضباط المالي، بما يسهم في تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد العامة، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.
حكومة أسامة حماد ترى أن الاتفاق بمنزلة حجر الأساس لإطلاق برامج تنموية متوازنة في أنحاء البلاد كافة، بما يضمن عدالة توزيع الموارد، ويرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبحسب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في طرابلس، فإن اتفاق توحيد الإنفاق العام بين مجلسي النواب والأعلى للدولة يمثل خطوة إيجابية ومهمة نحو تعزيز الشفافية المالية وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة. وقالت إنها تابعت باهتمام الاتفاق الذي يشمل توحيد الموازنة العامة للدولة، مؤكدة أن هذه الخطوة من شأنها «دعم الإدارة الفعالة والعادلة للمال العام»، بما يسهم في الحد من الفساد وتعزيز مكافحته.
وأعربت الهيئة عن دعمها لكافة الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات المالية وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام، مشددة على أهمية الالتزام بتنفيذ الاتفاق وفق الأطر القانونية والتنظيمية، بما يضمن تحقيق النزاهة والشفافية، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وفيما يرى مراقبون أن الاتفاق جاء ليفسح المجال أمام حل الأزمة المالية المتفاقمة، يرى آخرون أنه يساهم في تكريس حالة الانقسام في البلاد بين سلطتين متنافستين، ويتيح للممسكين بزمام الحكم فرصة الإمعان في ممارسة الفساد المالي والإداري الذي ما انفك ينخر مفاصل الدولة والمجتمع.
ورأى أستاذ التمويل ومؤسس سوق المال الليبي، سليمان الشحومي، أن القراءة المتأنية لهذا التطور تكشف أن الأمر أعمق بكثير من مجرد اتفاق على رقم أو على باب من أبواب الإنفاق. فالسؤال الحقيقي ليس: هل اتفقت الأطراف على تقاسم الإنفاق؟ بل: ما طبيعة هذا الاتفاق أصلًا؟ هل نحن أمام تسوية سياسية مؤقتة بين مراكز نفوذ تتقاسم الموارد العامة تحت عنوان “التنمية”؟ أم أننا أمام بداية انتقال جدي نحو بناء موازنة عامة موحدة تستند إلى قواعد واضحة في تقدير الإيرادات، وترتيب الأولويات، وضبط المصروفات، وإخضاع الجميع لرقابة قانونية ومؤسسية؟
وأضاف: «هنا يكمن جوهر المسألة؛ لأن الفارق بين اتفاق تقاسم وموازنة عامة ليس فارقًا شكليًا أو لغويًا، بل هو فارق بين منطقين مختلفين بالكامل في إدارة الدولة. فاتفاق التقاسم يقوم على الترضيات السياسية وتوزيع الحصص بين الأطراف، وغالبًا ما يكون هدفه الأساسي احتواء النزاع لا بناء الاستقرار. أما الموازنة العامة، فهي أداة سيادية وقانونية لإدارة الموارد والنفقات وفق رؤية وطنية موحدة، تُبنى على تقديرات واقعية، وتخضع لمعايير الشفافية والانضباط والمساءلة»، مردفًا: «إذا صحت المعلومات التي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق المزمع قد يصل إلى نحو 180 مليار دينار لتغطية مختلف أبواب الإنفاق العام، فإننا نكون أمام رقم ضخم للغاية يثير أكثر من علامة استفهام. فهذا المستوى من الإنفاق، في ظل البنية الاقتصادية الليبية الراهنة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد توسع مالي عادي، بل قد يكون مؤشرًا على نمط إنفاق مفرط لا يستند بالضرورة إلى تقدير متحفظ للإيرادات أو إلى استراتيجية حصيفة لإدارة المخاطر المستقبلية».
وبحسب الشحومي، فإن المخاوف تزداد إذا أخذنا في الاعتبار الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. فالنفط، رغم ما يوفره من تدفقات مالية سريعة، يظل مصدرًا غير مستقر، خاضعًا لتقلبات الأسواق الدولية، وللعوامل الجيوسياسية، وللاضطرابات الداخلية التي قد تعطل الإنتاج أو التصدير في أي لحظة. ومن ثم، فإن بناء مستوى إنفاق مرتفع على أساس طفرة مؤقتة في الأسعار، أو على أساس تدفقات استثنائية مرتبطة بأزمة دولية كأزمة مضيق هرمز، قد يكون سلوكًا ماليًا شديد الخطورة إذا لم يصحبه تحوط واضح، وتكوين احتياطيات كافية، وخطة واقعية للتعامل مع أي تراجع لاحق في الأسعار.
وتابع الشحومي أن الخطر الأكبر هنا لا يتمثل فقط في كبر الرقم، بل في البيئة التي سينفق فيها هذا الرقم. فليبيا لا تزال تعاني من هشاشة مؤسساتية عميقة، ومن ازدواج في القرار، ومن ضعف واضح في منظومات الرقابة والمساءلة، ومن اختلالات مزمنة في العلاقة بين السلطة المالية والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وفي مثل هذا السياق، فإن أي توسع كبير في الإنفاق قد يتحول بسهولة من أداة للتنمية وإعادة الإعمار إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج الريع وتغذية شبكات المحاصصة والولاء، بما يرسخ منطق اقتسام الموارد بدل منطق بناء الدولة.