اخبار الإقليم والعالم

الشرق الأوسط أمام فرصة نادرة لتقليص نفوذ الميليشيات

وكالة أنباء حضرموت

تمر منطقة المشرق بمرحلة تحولات عميقة قد تعيد رسم ملامح توازناتها السياسية والأمنية بعد سنوات طويلة من انتشار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

وبعد عقود من الحروب والصراعات التي أضعفت مؤسسات الحكم وسمحت للميليشيات بالتوسع وفرض نفوذها في عدد من الدول، بدأت تظهر مؤشرات على توجه إقليمي ودولي نحو تقليص هذا النفوذ وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة.

ورغم أن الطريق ما يزال طويلاً ومعقداً، فإن التطورات التي شهدتها دول مثل سوريا ولبنان والعراق خلال العامين الماضيين تشير إلى احتمال دخول المنطقة مرحلة جديدة تحاول فيها الحكومات استعادة احتكارها للسلاح والقرار الأمني.

وجاءت نقطة التحول الأساسية مع انهيار نظام الرئيس السوري بشار الأسد في أواخر عام 2024، وهو الحدث الذي غيّر بشكل كبير موازين القوى في سوريا. فعند سقوط النظام كان يسيطر على نحو ستين في المئة فقط من الأراضي السورية، فيما كانت بقية المناطق موزعة بين جماعات مسلحة مختلفة.

ومع وصول القيادة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة في بداية عام 2025، بدأت الحكومة الجديدة العمل على توسيع سيطرة الدولة ومحاولة دمج أو تفكيك التشكيلات المسلحة التي نشأت خلال سنوات الحرب الطويلة.

وفي هذا السياق شنت القوات الحكومية السورية عملية عسكرية ضد القوات التي يقودها الأكراد في شمال شرق البلاد، وهي القوة التي كانت لسنوات شريكاً رئيسياً للولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد أسابيع من القتال تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على معظم الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة تلك القوات، الأمر الذي أنهى وضع الحكم الذاتي في تلك المنطقة وأجبر هذه القوات على القبول بالاندماج ضمن الجيش الوطني.

ورغم أن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً بسبب الدور الذي لعبته تلك القوات في الحرب ضد التنظيم المتشدد، فإنها عكست في الوقت نفسه توجهاً واضحاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أساس جيش وطني موحد.

وفي الوقت الذي كانت فيه سوريا تشهد هذه التحولات، كانت دول أخرى في المشرق تواجه تحديات مشابهة تتعلق بوجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة. ففي لبنان، ظل سلاح حزب الله أحد أبرز مظاهر اختلال التوازن بين الدولة والفاعلين المسلحين. غير أن الحرب التي شهدها لبنان في أواخر عام 2024، وما تبعها من اتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، فتحت الباب أمام نقاش جديد حول مستقبل هذا السلاح وإمكانية إدخاله ضمن إطار الدولة.

وقد تعهدت الحكومة اللبنانية في ذلك الاتفاق بالعمل على نزع سلاح الحزب في مختلف أنحاء البلاد، مستفيدة من متغيرات إقليمية عدة، من بينها سقوط النظام السوري الذي كان يشكل أحد أهم طرق الإمداد العسكرية للحزب. كما أن وصول قيادة سياسية جديدة إلى الحكم في بيروت، بانتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، منح المجتمع الدولي شريكاً يمكنه التعامل مع هذا الملف المعقد.

ورغم أن عملية نزع السلاح تسير ببطء شديد، فإن الجيش اللبناني بدأ بالفعل نشر قواته في الجنوب وجمع بعض الأسلحة التابعة للحزب.

وفي الوقت نفسه تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع الحزب ومخازن أسلحته في محاولة لمنع إعادة بناء قدراته العسكرية. وقد أدى هذا التداخل بين الضغوط العسكرية والجهود السياسية إلى خلق واقع جديد يضع الحزب أمام تحديات غير مسبوقة منذ سنوات.

مستقبل المشرق سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الدول على استعادة احتكارها للسلاح والسلطة. فوجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة لا يهدد فقط الاستقرار الداخلي، بل يفتح الباب أيضاً أمام تدخلات إقليمية تزيد من تعقيد الأوضاع.

وأما في العراق، فإن قضية الميليشيات تبدو أكثر تعقيداً نظراً لحجم هذه التشكيلات وتشعب نفوذها داخل الدولة. فقد تأسست قوات الحشد الشعبي خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، لكنها تحولت لاحقاً إلى شبكة واسعة من الفصائل المسلحة التي تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً كبيراً.

وتضم هذه القوات عشرات الفصائل وآلاف المقاتلين، كما تتلقى تمويلاً كبيراً من ميزانية الدولة العراقية.

ورغم الضغوط الدولية، ما تزال هذه الفصائل تحتفظ بدورها العسكري والسياسي، غير أن النقاش حول مستقبلها بدأ يتسع داخل العراق نفسه. فقد ظهرت أصوات سياسية تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وإدماج هذه التشكيلات في المؤسسات الرسمية أو تحويلها إلى قوى سياسية مدنية.

ويعكس هذا النقاش إدراكاً متزايداً لدى النخب العراقية بأن استمرار وجود هذه الميليشيات يشكل عقبة أمام بناء دولة مستقرة ذات سيادة.

وفي مجمل هذه التطورات يبرز دور الولايات المتحدة بوصفها أحد الأطراف التي تسعى إلى دعم مسار تقليص نفوذ الجماعات المسلحة في المشرق. فقد ركزت السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة على دفع الحكومات الإقليمية إلى تعزيز سيطرتها على مؤسسات الأمن والدفاع، والعمل على تفكيك التشكيلات المسلحة أو دمجها في الجيوش الوطنية. ويهدف هذا التوجه إلى بناء دول أكثر استقراراً وقدرة على إدارة شؤونها الداخلية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات متعددة. ففي سوريا ما تزال بعض الجماعات المسلحة ترفض الاندماج الكامل في الجيش بسبب مخاوف تتعلق بطبيعة السلطة الجديدة وبمصير الأقليات.

وفي لبنان يرتبط سلاح حزب الله بتوازنات سياسية وطائفية معقدة تجعل التعامل معه مسألة شديدة الحساسية. أما في العراق فإن بعض الفصائل المسلحة ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ما يضفي بعداً إقليمياً إضافياً على القضية.

ولهذا السبب يرى كثير من المراقبين أن مستقبل المشرق سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الدول على استعادة احتكارها للسلاح والسلطة. فوجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة لا يهدد فقط الاستقرار الداخلي، بل يفتح الباب أيضاً أمام تدخلات إقليمية تزيد من تعقيد الأوضاع.

وفي النهاية، يمكن القول إن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة بعد سنوات من الفوضى والصراعات. غير أن نجاح هذه العملية سيعتمد على قدرة الحكومات على معالجة المخاوف السياسية والطائفية، وعلى استعداد القوى الإقليمية والدولية لدعم مسار يعزز سيادة الدول بدلاً من تكريس الانقسامات. وإذا تحقق ذلك، فقد يكون المشرق بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة تتراجع فيها سلطة الميليشيات لصالح مؤسسات الدولة.

تسوية وضعية العمالة الأجنبية في ليبيا عبر منصة "وافد"


الجبهة الثالثة تمازج تقيم مأدبتها الرمضانية بمشاركة قيادات سياسية وعسكرية بارزة


رهان نقابي على إنجاح مؤتمر اتحاد الشغل التونسي وتجاوز الأزمة الداخلية


الولايات المتحدة وإسرائيل: أهداف متباينة في حرب إيران