ثقافة وفنون
وننسى اللي كان يطرح أسئلة الشهرة والخصوصية في عصر المراقبة الرقمية
تتداخل شبكات النفوذ والمراقبة في مسلسل “وننسى اللي كان” للكاتب عمرو محمود ياسين الذي أدخلنا إلى عصر الفنانات الحديث في عالم الصورة والمراقبة، بل الأصح أدخلنا بشكل مبطن في منظومة رقمية مستمرة بين ما هو ظاهر وما هو باطن. فالفنانة حياتها لم تعد تُقاس فقط بالأدوار التي تؤديها، بل بالصورة التي تُبنى عنها لحظة بلحظة، وبالقصص التي تُروى حولها، وبالمنصات التي تعيد تدوير حضورها باستمرار.
العصر الرقمي لم يغيّر شهرة الفنانة فقط، بل غيّر تعريف الخصوصية نفسها. لم تعد الحياة الشخصية منفصلة تماما عن الحياة العامة، لأن كل حدث صغير يمكن أن يتحول إلى مادة تداول واسعة خلال دقائق. وهنا يظهر مفهوم القصر في هذه الدراما كرمز للعقل الخفي الذي يراقب ويحلل ويعيد توزيع المعلومات، بينما يظهر “الدارك ويب” مبطنا كرمز للجانب غير المرئي من الشبكة، حيث قد تُنشر التسريبات أو تُستغل الملفات الحساسة.
في الماضي كانت الفنانة تظهر للجمهور عبر الشاشة فقط. اليوم، حضورها ممتد في عمق حسابات التواصل الاجتماعي والمقابلات المباشرة والقصص اليومية والتغطيات الإعلامية والتفاعل الفوري مع الجمهور، وهذا الامتداد يجعل حياتها مفتوحة جزئيا، لكنه أيضا يضعها تحت ضغط دائم لتقديم صورة متناسقة.
الكاتب عمرو محمود ياسين أراد أن نرى كيف يمكن أن تتحول أي إشارة صغيرة إلى حدث كبير. وهذا يعكس واقع الفنانة المعاصرة، فكل كلمة قابلة للتأويل، وكل صورة قابلة للتداول خارج سياقها. فهل الفنانة اليوم لا تكتفي بتمثيل الأدوار، بل تدير أيضا هويتها الرقمية وهذه الهوية تشمل كما رأينا جليلة التي تقوم بدورها الفنانة ياسمين عبدالعزيز المرأة القادرة على أن تحافظ على طريقة ظهورها والرسائل التي تريد أن تصل إلى جمهورها والردود على الأحداث وحتى صمتها في أوقات معينة.
أما القصر الغامض حتى الحلقة العشرين فيمثل عقل إدارة الصورة أو بين هلالين حتى الدارك ويب، سواء داخل القصة أو كرمز للمؤسسات التي تحاول التحكم في السرد. أما الدارك ويب فيرمز إلى الجانب المظلم الذي قد يهدد هذه الصورة عبر تسريب أو استغلال غير قانوني.
هنا تصبح الفنانة مطالبة بأن تكون واعية تقنيا وحذرة إعلاميا وقادرة على قراءة التأثير قبل نشر أي محتوى حتى باتت ضمن مراهنات الدارك ويب، وكأننا أصبحنا في حلبة صراعات شبيهة بحلبة الملاكمة التي يدخلها بدر حارس جليلة الشخصي الذي يلعب دوره الفنان كريم فهمي. فمن أهم تحديات العصر الرقمي أن الفنانة لا تحصل على “مساحة صمت أو مساحة خاصة” حقيقية، حتى في لحظات الراحة. إذ قد تُلتقط صورة وقد يُعاد نشر تصريح قديم وقد تُبنى رواية جديدة حول موقف عابر، وهذا الاستمرار في الرصد يولد ضغطا نفسيا يتطلب دعما مهنيا. لذلك، حين يظهر في الحوارات طلب المساعدة النفسية، فهو ليس ضعفا، بل وعي بضرورة التوازن في عالم سريع الاستجابة.
هل أن وجود الحارس الشخصي (بدر) لا يرمز فقط للأمان الجسدي، بل يمثل طبقة من الحماية الرقمية واللوجستية؟ وهل الحماية في العصر الرقمي تغيرت عن الماضي لتشمل تأمين الأجهزة وإدارة الوصول إلى المعلومات والتحكم في التصوير وتنظيم المقابلات ومتابعة أي تهديد محتمل؟ وهل هذه الحماية قد تتحول أحيانا إلى شعور بالرقابة؟ وهنا يظهر الصراع بين الأمان والاستقلال، وهل الرأي العام هو قوة متحركة أشبه برمال متحركة قد تبتلع الفنان؟
الفنانة في العصر الرقمي لا تواجه فقط جمهورا، بل جمهورا قادرا على التعليق الفوري وإعادة التفسير وصناعة الترند وإعادة تشكيل السمعة، هذا الأمر يجعل كل حدث قابلا للتضخيم أو التقليل. لكن قد يسأل المشاهد ما دور القصر كرمز درامي؟ يمكن فهمه كشبكة تحليل هذا الرأي العام، بينما يمثل الدارك ويب الجانب الذي قد يُستخدم لإعادة تدوير المعلومات بعيدا عن العلن. كما هي الحال بين لاريسا وجليلة، واحدة تحارب وجودها في العلن وأخرى في الخفاء؟ فهل أكثر التحديات تعقيدا هو التوفيق بين حرية الفنانة الشخصية وتوقعات الجمهور والمؤسسات والصورة التي بُنيت عنها سابقا؟ وهل العصر الرقمي لا يسمح بسهولة بتغيير الصورة؟ أي أن التحول في المظهر أو الموقف يمكن أن يُقابل بتفاعل واسع؟ وهل كل هذا يجعل الفنانة تعيش متذبذبة بين ذاتها الحقيقية وذاتها الرقمية؟
هذه الدراما تعكس عالما أصبحت فيه المعلومات هي العملة والصورة هي القوة والوعي الرقمي ضرورة يومية والقصر والدارك ويب يصبحان رمزين لوجهين من هذا العالم، الأول يمثل الإدارة الخفية، والثاني يمثل الجانب غير المنضبط من الشبكة.
هنا يمكن التساؤل هل استطاعت جليلة فرض الحضور الدائم بالمراقبة المستمرة لنفسها أولا ولمن حولها وإدارة الصورة المعقدة من خلال مساعدات متخصصات في كل هذا؟ وهل من ضرورة للتوازن بين الخصوصية والانفتاح؟ وهل ياسمين عبدالعزيز تمنح جمهورها رسالة عن قدرتها على المنافسة في ظل كل هذه الصعوبات الحديثة في عالم الفن؟
هذه الدراما التي تناقش هذه العناصر لا تروي مجرد قصة شخصية، بل تطرح سؤالا أوسع: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته في عالم يسجل كل شيء؟ وكيف تصبح القوة الحقيقية للفنانة ليست في عدد المتابعين، بل في قدرتها على حماية حدودها وإدارة حضورها في ما يسمى “القصر”، الذي لا يرمز إلى مبنى مادي بل إلى عقل النظام الخفي الذي يدير تحركات الشخصيات، ويراقبهم بشكل شبه شامل، ويختزل كل تهديد ممكن في إطار رقمي محكم. هذا القصر هو المكان الرمزي الذي تجمع فيه كل الأفعال والنتائج والقرارات، ويتحول إلى أداة درامية تكشف عن توتر الإنسان بين عالمه الخاص ومراقبة الغير. كما يظهر الدارك ويب كعنصر مكمّل للقصر، كشبكة خفية من المعلومات والخطر، حيث يمكن أن تتحول كل لحظة ضعف، وكل اختراق بسيط للخصوصية، إلى أزمة كبيرة في حياة الفنانات.
"وننسى اللي كان" يعكس عالما أصبحت فيه المعلومات هي العملة والصورة هي القوة والوعي الرقمي ضرورة يومية
لكن قد يسأل المشاهد ما العلاقة بين القصر والدارك ويب؟ هل الأول يمثل الذكاء المركزي الذي يراقب ويحفظ ويحلل، والثاني يمثل البيئة الرقمية المظلمة التي تنتظر أي ثغرة لتوسيع نطاق الخطر، سواء على مستوى الشهرة أو على المستوى الشخصي أو النفسي؟ الفنانة في الدراما الحديثة كما تُعرض في هذا المسلسل الذي تميز كتابيّا أولا ومن ثم تمثيليّا، تسمح للمخرجين بكشف نقاط ضعف الشخصيات من دون الحاجة إلى مشهدية مباشرة للعنف أو الخيانة، بل عبر تهديد افتراضي مستتر، يجعل الجمهور يشارك الشخصيات شعور القلق والخطر الدائم.
شخصيات مثل جليلة أو الفنانات الأخريات مثل نهلة العبد هن تحت المراقبة المستمرة التي تُظهر الصراع النفسي بين الرغبة في الحفاظ على حياة خاصة مستقلة وبين الضغط الذي يمارسه العالم الرقمي المراقب، وهو عالم يبدو بلا حدود.
إذًا هذه الدراما تخلق شعورا بالتناقض الدائم، إذ كيف يمكن أن يعيش الإنسان حياة طبيعية حين يُسجّل كل شيء عنه، من تحركاته اليومية إلى اختياراته الشخصية، وحتى مشاعره وهواجسه؟ هذه الإشكالية هي قلب الصراع الدرامي، وتتحقق من خلال عناصر مثل المراقبة، والرسائل المشفرة، والفيديوهات المسربة، وحتى الإشاعات التي تنتقل على الدارك ويب، وكلها تعكس البنية النفسية المعقدة للشخصيات.
الدارك ويب، في هذه الدراما، ليس مجرد مساحة تقنية، بل يصبح شخصية خفية ذات إرادة وتأثير. إنه المكان الذي يمكن أن يُسرب فيديو يظهر الفنانة في موقف خاص أو حساس، أو تسجيلا صوتيا يعكس مشاعرها الخاصة، أو حتى ملف بيانات يعرضها للابتزاز. وهو ما يجعل القصر، أو العقل الخفي، ضرورة إستراتيجية، أي حارسا رقميا للشخصيات أو ضليعا في عالم هذه الشبكات مثل ياسين الحارس الشخصي لابنة شاهر الجبالي الفعال في عالم الدارك ويب والفن معا، القصر يحلل المعلومات، يقيم المخاطر، ويقرر من يمكن الوثوق به ومن لا يمكن، مع تذكير مستمر بأن أي تصرف خاطئ أو إفشاء للخصوصية قد يتحولان إلى أزمة عامة على وسائل الإعلام وخطر على سمعة الفنانة.