اخبار الإقليم والعالم

رسائل بريمر السرية تكشف كواليس حكم العراق بعد الغزو الأمريكي

وكالة أنباء حضرموت

في كشف تاريخي نادر يلقي ضوءاً جديداً على واحدة من أكثر مراحل الشرق الأوسط حساسية، كشفت صحيفة "صنداي تايمز" عن رسائل إلكترونية خاصة أرسلها الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الغزو، بول بريمر، إلى زوجته خلال عام 2003 وبداية 2004.

تقدم هذه المراسلات صورة مختلفة تماماً عن الرواية الرسمية التي قدمها لاحقاً في مذكراته، إذ تكشف عن حالة من القلق والارتباك والصراعات الداخلية التي صاحبت إدارة الاحتلال الأمريكي للعراق.

وعُثر على هذه الرسائل في أرشيف جامعة ييل الأمريكية، حيث أودعها بريمر بعد وفاة زوجته فرانسيس عام 2019، وقد اكتشفها نيك ديفيس، طالب دراسات عليا في جامعة كامبريدج، أثناء بحثه لأطروحته حول العراق، واصفاً الوثائق بأنها بمثابة “نافذة نفسية” تكشف ما كان يدور داخل عقل الرجل الذي امتلك في تلك الفترة سلطة شبه مطلقة على البلاد.

تبدأ المراسلات بنبرة متفائلة، ففي 14 مايو/ أيار 2003، وبعد أيام من تعيينه مديراً لسلطة الائتلاف المؤقتة من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، كتب بريمر لزوجته قائلاً: “أنا الآن رسمياً حكومة العراق”.

لكن هذه الثقة المبكرة سرعان ما تلاشت مع تصاعد المقاومة المسلحة وتدهور الوضع الأمني في البلاد. فبعد أشهر قليلة، بدأت رسائله تعكس شعوراً متزايداً بالفوضى والضغط، مع تزايد التفجيرات والهجمات ضد القوات الأمريكية.

تكشف الرسائل أيضاً عن مفارقات لافتة في إدارة العملية السياسية، فعلى الرغم من أن المهمة الرسمية لسلطة الائتلاف كانت بناء نظام ديمقراطي، اعترف بريمر في إحدى الرسائل بأنه ألغى انتخابات محلية بعدما أظهرت التقديرات أن حزباً شيعياً مدعوماً من إيران قد يفوز بها.

وكتب بريمر لزوجته ببرود قائلا: “أشارت تقييماتنا إلى أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية سيفوز بالانتخابات، لذلك ألغيتها”. هذا القرار أثار استياء بعض القادة العسكريين الأمريكيين الذين حذروا من أن مثل هذه الخطوات قد تزيد من التوترات داخل المجتمع العراقي.

كما تكشف المراسلات عن تقييمات قاسية لشركائه في الحكم. فقد وصف أعضاء مجلس الحكم العراقي الذي شكله بأنه يتصرف “كرياض أطفال”، معتبراً أنهم يفتقرون إلى الانضباط والشعور بالمسؤولية.

وفي الوقت نفسه، لم يتردد في انتقاد كبار المسؤولين في واشنطن، وعلى رأسهم وزير الدفاع في ذلك الوقت دونالد رامسفيلد، الذي اتهمه بالبحث عن “كبش فداء” لتحميله مسؤولية الإخفاقات في العراق.

كما تحدث عن تراجع ثقة البيت الأبيض بفريقه، مشيراً إلى ما وصفه بـ“انهيار شبه كامل” في الثقة بينه وبين بعض المسؤولين، بينهم مستشارة الأمن القومي آنذاك كونداليزا رايس.

ومن بين أكثر ما تكشفه الرسائل إثارة للانتباه هو الصراع الخفي مع الحلفاء البريطانيين داخل إدارة الاحتلال.

فقد عبّر بريمر في أكثر من مناسبة عن شكوكه تجاه الدور البريطاني، واصفاً البريطانيين في إحدى الرسائل بأنهم “الثعبان المختبئ”.

وركز انتقاداته بشكل خاص على الدبلوماسي البريطاني جيريمي غرينستوك، الذي اتهمه بالعمل بشكل منفصل عن سلطة الائتلاف ومحاولة فتح قنوات اتصال مستقلة مع القادة العراقيين.

وفي موازاة هذه الصراعات السياسية، تعكس الرسائل أيضاً قدراً من الارتباك في فهم المجتمع العراقي، ففي إحدى المراسلات، كتب بريمر عن لقائه ممثلين عن الطائفة الإيزيدية قائلاً: “لم تسمع بهذه الطائفة من قبل؟ ولا أنا”، في اعتراف يعكس محدودية معرفة الإدارة الأمريكية ببنية المجتمع الذي كانت تحاول إعادة تشكيله سياسياً.

كما توثق الرسائل بعض اللحظات المفصلية في مسار الاحتلال. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2003، وصف بريمر تفاصيل القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قائلاً إنه بدا “رجلاً محطماً ومنهزماً”، مضيفاً أن المشهد كان “مؤثراً ومحزناً في الوقت نفسه”، رغم وصفه له بأنه “وحش”. وقد احتفل المسؤولون الأمريكيون آنذاك بالعملية التي اعتُبرت أكبر إنجاز سياسي وعسكري خلال فترة الاحتلال.

لكن هذه اللحظة سرعان ما طغت عليها أزمات أخرى، أبرزها تصاعد التمرد المسلح واندلاع معركة الفلوجة الأولى في ربيع 2004. وفي إحدى الرسائل، أقر بريمر بأن القصف الأمريكي للمدينة أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، مشيراً إلى قائمة ضحايا تضمنت 147 امرأة و82 طفلاً.

كما عبّر عن قلقه من أن تؤدي العمليات العسكرية العنيفة إلى تعميق الغضب الشعبي ضد القوات الأمريكية.

وتفاقمت الأزمة أكثر مع فضيحة سجن أبو غريب، عندما ظهرت صور تعذيب المعتقلين العراقيين على يد جنود أمريكيين. وكتب بريمر في إحدى رسائله أن القضية “تلقي بظلالها على كل شيء”، مضيفاً أن رامسفيلد بدا آنذاك “كرجل مهزوم”.

ومع تزايد العنف وتراجع الدعم الشعبي للاحتلال الأمريكي، بدأت رسائل بريمر تعكس شعوراً متزايداً بالإحباط. فقد أشار إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت انخفاضاً حاداً في تأييد العراقيين للتحالف، وأن عدداً متزايداً منهم بات ينظر بإيجابية إلى الجماعات التي تهاجم القوات الأمريكية. وفي إحدى الرسائل كتب بمرارة أن العراقيين “غير ممتنين” لما وصفه بالتحرير.

انتهت مهمة بريمر في العراق في 28 يونيو/حزيران 2004 عندما غادر بغداد على عجل بعد تسليم السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة،  إلا أن القرارات التي اتخذها خلال تلك الفترة، وعلى رأسها حل الجيش العراقي، بقيت محل جدل واسع، إذ يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها أحد العوامل التي ساهمت في تفكك مؤسسات الدولة وصعود التمرد المسلح لاحقاً.

وبعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي، لا يزال العراق يعيش تداعيات تلك المرحلة، فرغم تحسن نسبي في الاستقرار السياسي مقارنة بسنوات الحرب الطائفية وصعود تنظيم داعش، لا تزال البلاد تعاني من أزمات مزمنة تشمل الفساد وضعف الخدمات وارتفاع البطالة، فضلاً عن استمرار النفوذ الخارجي في شؤونها.

وتبقى رسائل بريمر، التي كتبها في لحظات التوتر واليأس داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، شاهداً نادراً على عام من الفوضى والارتباك في إدارة واحدة من أكثر عمليات تغيير الأنظمة إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

ورغم تقديم الرواية الرسمية لاحقاً صورة منظمة لجهود بناء الدولة، تكشف هذه المراسلات أن الواقع خلف الكواليس كان أكثر تعقيداً وفوضوية مما اعترف به المسؤولون آنذاك.

محمد رمضان يعلن عودته لدراما رمضان 2027


الأمير هاري يهاجم مذكرات الملكة كاميلا دفاعا عن ميغان


فرنسا مستعدة لاستضافة مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان لإنهاء الحرب


حماس تداري حرجها من سلوك حليفتها إيران إزاء البلدان العربية