أخبار محلية
سقطرى تواجه أزمة خدمية وإنسانية حادة دون حلول
تشهد محافظة أرخبيل سقطرى تدهوراً حاداً في الخدمات الأساسية منذ الأزمة السياسية وغياب البدائل الحكومية، الأمر الذي انعكس على قطاعات الكهرباء والتعليم والصحة والغاز والوقود، وفق ما يؤكده ناشطون وأهالي في الجزيرة.
وقال الناشط سعيد سالم إن سقطرى تعاني اليوم من تراجع حاد في الخدمات الأساسية، مع انقطاع الكهرباء وأزمة الوقود والغاز، إضافةً إلى تدهور القطاع الصحي.
وأضاف أن جزر عبدالكوري وسمحة تواجه عزلة شبه تامة بعد توقف الرحلات الجوية، ما جعل حياة السكان أكثر مشقة وتعقيداً في ظل غياب بدائل حكومية فعالة.
وأوضح سالم أن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ توقف الدعم للرواتب عن أكثر من 4 آلاف موظف يعملون في مختلف القطاعات، ما زاد من الأعباء المعيشية وأرهق السكان في مواجهة الظروف الصعبة.
جامعة أرخبيل سقطرى.. مستقبل معلق
امتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع التعليمي، حيث كانت جامعة أرخبيل سقطرى قد أنشئت بقرار وزاري وبتمويل إماراتي شامل من التجهيزات والكادر التدريسي، إلى جانب دعم المعهد الفني.
ومع توقف هذا الدعم، أغلقت الجامعة أبوابها، رغم أن عدد دارسيها يقدر بنحو 700 طالب وطالبة في تخصصات مختلفة.
وطالب أكاديميون بتوفير ميزانية تشغيلية للجامعة واستمرار العملية التعليمية خلال العام الجاري، إضافة إلى جعلها جامعة حكومية مدعومة من الدولة ابتداءً من العام الدراسي المقبل.
ووفقاً للناشط سالم، فإن الإمارات شكلت داعماً رئيسياً للجامعة خلال السنوات الماضية وأسهم ذلك في استقرار التعليم داخل الأرخبيل، غير أن توقف الدعم وضع الطلاب أمام مستقبل غامض لا ذنب لهم فيه.
وقال سالم "إن الطالب السقطري لا يطالب بالمستحيل، بل بحقه الطبيعي في التعليم داخل محافظته دون أن يُفرض عليه الهجرة أو التخلي عن طموحه".
وباتت المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة اليمنية والسلطة المحلية للتدخل الفوري، سواء عبر توفير دعم مالي أو إيجاد بدائل تضمن استمرارية الدراسة.
فيما أكد أكاديمي أن فقدان الجامعة يعني ضياع جيل كامل وفرصة تنمية حقيقية لمحافظة تستحق التعليم والحياة معاً.
وقفة احتجاجية طلابية
وفي غضون ذلك، نظم طلاب وطالبات جامعة أرخبيل سقطرى وقفة احتجاجية للمطالبة باستمرار العملية التعليمية، بعد توقف الدراسة وتهديد مستقبل أكثر من 800 طالب وطالبة.
وقال الطلاب إن الحرمان من التعليم لا يعني فقط توقف الدراسة، بل كسر طموحات أسر راهنت على العلم كطريق وحيد لبناء مستقبل أفضل لأبنائها، في ظل ظروف معيشية صعبة وبُعد جغرافي يجعل الدراسة خارج الأرخبيل شبه مستحيلة".
ومناشدين مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الوزراء ووزارة التعليم العالي والسلطة المحلية بتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية، وإنقاذ الجامعة من التوقف القسري".
وبحسب مسؤول فضل عدم ذكر اسمه، فإن المشرف العام على الجامعة من الجنسية المصرية، كما أن جزءًا من الكادر التدريسي — وإن كان أقل من النصف — من خارج اليمن، في حين يعتمد معظم الطاقم التعليمي الآخر على تعاقدات مؤقتة من خارج الجزيرة، بينما لا يتجاوز عدد المدرسين المحليين اثنين أو ثلاثة فقط.
وتسبّبت هذه التركيبة في تعقيد عملية التشغيل، خاصة بعد تراجع قدرة المانحين على تغطية الرواتب والتجهيزات.
وقال إن معظم المناطق تقبع في ظلام دامس منذ أيام دون كهرباء، مضيفاً أن الشحنة الأخيرة كانت براميل ديزل محدودة.
وأكد المصدر أن عدداً من الأطباء والمتعاقدين غادروا مؤخراً، قائلين إنهم “غير قادرين على العمل في بيئة لا تتوفر لها المقومات ولا الالتزامات”.
ورغم مطالبات من الأهالي والطلبة بإيجاد حلول عاجلة لضمان استمرار التعليم والصحة والكهرباء في الأرخبيل، لم تصدر حتى الآن توضيحات رسمية من الجهات الحكومية أو الداعمة حول خططها المقبلة، فيما تزداد المخاوف من تحوّل الأزمة الحالية إلى أزمة طويلة الأمد.
خدمات مشلولة وبنية تتآكل
من جانب آخر، أكد المصدر أن سقطرى تحولت خلال الأسابيع المنصرمة إلى مساحة خانقة تتعطل فيها تفاصيل الحياة اليومية.
فمعظم الخدمات التي كانت توفرها الإمارات، خصوصاً الغاز المنزلي الذي كان متوفراً بأسعار مقبولة، توقفت مع غياب البدائل الحكومية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات.
وفي القطاع الصحي كان مستشفى خليفة يمثل أكبر خدمة طبية في المحافظة، ومع توقفه أدى إلى عجز صحي.
ومع امتداد الأزمة، دخلت الجزيرة في حصار صحي حاد: لا بترول ولا ديزل ولا غاز ولا أدوية منذ ما يقارب 19 يوماً.
كما أصبح مرضى الفشل الكلوي مهددين بتوقف جلساتهم بسبب انعدام المحاليل، وتوقفت العمليات الجراحية نتيجة نقص المستلزمات ومغادرة الفرق الطبية العاملة.
وفي قطاع الكهرباء أوضح المصدر أن المحطة السعودية لا تنتج أكثر من 4 ميجاوات، بينما تحتاج العاصمة وحدها لأكثر من 17 ميجاوات.
إضافة إلى احتياجات المناطق الساحلية الشرقية والغربية التي كانت الإمارات توفر لها محطات صغيرة مكّنت مدينتي قلنسية وحديبو من الحصول على كهرباء 24 ساعة، ومع توقف الوقود والصيانة، بات هذا النظام مهدداً بالتوقف الكامل.
ولا تتوقف الأزمة عند ذلك، إذ تتعرض البنية الخدمية للتآكل؛ فالمستشفيات والمحطات الشمسية في نوجد وقلنسية والكيبلات المرتبطة بها تحتاج إلى صيانة عاجلة لا تتوفر لها أي مواد أو معدات.
كما اضطر أكثر من 15 شاباً إلى السفر عبر المهرة ثم عُمان وصولًا إلى الإمارات بسبب إغلاق المطار، بينما ينتظر المرضى فتح منفذ يتيح دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويمتد الضرر إلى الجانب الإنساني، حيث كانت الإمارات تغطي رواتب 270 إلى 300 معلم، إضافة إلى موظفي الشؤون الاجتماعية وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلًا عن توفير أدوية مجانية للمرضى، وهو دعم لم يعد موجودًا اليوم_ بحسب المصدر.
أزمة إنسانية قبل أن تكون سياسية
وفي ظل هذا المشهد، تتبلور الأزمة كأزمة إنسانية تتقدم على الأبعاد السياسية والخدمية.
وفي هذا السياق، أصدر أبناء أرخبيل سقطرى بيانًا عبروا فيه عن "قلق بالغ" بتحويل الجزيرة إلى منطقة محاصرة ومحرومة من الخدمات.
وأشار البيان إلى تعطيل قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والسياحة والنقل، وإيقاف سبع محطات كهرباء شبه مجانية كانت تعمل على مدار 24 ساعة، وتعطيل العملية التعليمية بإلغاء عقود أكثر من 800 معلم، ومنع أبناء الجزيرة من السفر المباشر إلى الإمارات، وفرض مسارات سفر شاقة عبر حضرموت والمهرة وصولًا إلى سلطنة عمان.
كما أشار البيان إلى محاولة الاستيلاء على مبلغ 676 مليون ريال يمني من الدعم الشعبي لمستشفى خليفة، إضافة إلى توقف الحركة السياحية بالكامل بعد أن كانت الجزيرة تستقبل أكثر من 700 سائح أسبوعياً ما تسبب بضرر واسع على مصادر الدخل المحلي.
وطالب البيان بإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، وتشكيل لجنة دولية لتقييم الوضع الإنساني والحقوقي، وضمان حرية السفر والعلاج والتعليم والعيش الكريم لأبناء الأرخبيل.
وتصف مصادر محلية ما يجري بأنه “أزمة إنسانية قبل أن تكون سياسية”، وسط تساؤلات عن دور الحكومة في توفير بدائل عاجلة للخدمات الأساسية وضمان استمرار القطاعات الحيوية وفي مقدمتها الصحة والتعليم.

