تقارير وحوارات

من الفصل السابع إلى تجميد الدولة: كيف تحوّلت الوصاية الدولية إلى أداة لإدارة إخضاع الجنوب

وكالة أنباء حضرموت

إدراج اليمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة كان يفترض أن يكون إجراءً استثنائيًا لحماية السلم والأمن ومنع الانهيار الشامل، لكنه تحوّل عمليًا إلى إطار دائم لإدارة أزمة بلا أفق سياسي، وإلى غطاء قانوني لترتيبات قسرية أعادت إنتاج الصراع بدل معالجته. وبالتوازي، جرى التعامل مع التزامات الفصل الخامس، القائمة على التعاون الدولي واحترام الإرادة الجماعية للشعوب، بمنطق شكلي لا ينعكس على الواقع المعيشي ولا على الحقوق السياسية.

في الجنوب، لم يكن أثر هذه المنظومة الدولية حمايةً ولا استقرارًا، بل سلسلة متراكمة من السياسات التي يمكن توصيفها بأنها إدارة ضغط اقتصادي وسياسي ممنهج: تعطيل تصدير النفط من حضرموت، خنق الإيرادات السيادية، إضعاف المؤسسات الخدمية، وتفريغ الدولة من وظائفها الأساسية، في وقت تُفرض فيه ترتيبات أمنية وسياسية من الخارج دون تفويض شعبي.

تعطيل تصدير النفط ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل قلب المعركة. فحرمان الجنوب من موارده الطبيعية يعني عمليًا شلّ أي قدرة على بناء مؤسسات مستقلة أو حتى إدارة الحد الأدنى من الخدمات. هنا يتقاطع القرار الاقتصادي مع الإكراه السياسي: لا دولة بلا موارد، ولا قرار سيادي بلا اقتصاد. ومع ذلك، لم يتحرك المجتمع الدولي لحماية الحق السيادي في استثمار الموارد، بل اكتفى بإدارة الأزمة الإنسانية الناتجة عن هذا التعطيل، وكأن الجوع قدرٌ لا نتيجة لسياسات محددة.

تحت الفصل السابع، أصبح ممكنا تمرير هذا الواقع باعتباره جزءًا من “إجراءات حفظ الاستقرار”، بينما هو في الحقيقة تثبيت لوضع هشّ يُبقي الجنوب معلقًا بين اللا دولة واللا سيادة. أما الفصل الخامس، الذي يقوم على مبدأ احترام إرادة الشعوب والتعاون لتحقيق السلم، فقد جرى تعطيله عمليًا عندما جرى تجاهل الإرادة الشعبية الجنوبية، وجرى اختزال القضية في صراع على السلطة داخل دولة فاشلة أصلًا.

القانون الدولي لا يكتفي بمنح مجلس الأمن سلطات التدخل، بل ينص في ميثاق الأمم المتحدة نفسه، وفي العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية. وهذا الحق ليس مشروطًا بموافقة سلطة مركزية فقدت السيطرة، ولا بموازين القوى الإقليمية، بل هو حق أصيل لا يسقط بالتقادم ولا بالقرارات السياسية.

لكن في الحالة الجنوبية، جرى قلب المعادلة: بدل أن يكون القانون الدولي أداة لتمكين الشعب من حقوقه، أصبح وسيلة لتجميد هذه الحقوق باسم “العملية السياسية”، وبدل أن تكون الموارد ركيزة للاستقرار، تحولت إلى ورقة ابتزاز سياسي تُستخدم لإخضاع المجتمع ومنعه من فرض خياراته الوطنية.

في حضرموت والمهرة، يتجلى هذا الخلل بصورة أوضح. فالمناطق التي يفترض أن تكون خزّان الدولة الاقتصادي، تُدار اليوم كمساحات نفوذ أمني وجيوسياسي، لا كمراكز إنتاج وتنمية. السيطرة على المنافذ والموانئ والحقول لم تُترجم إلى تحسين حياة السكان، بل إلى إعادة توزيع النفوذ بين أطراف خارجية، بينما بقي المواطن خارج معادلة القرار والثروة معًا.

وهنا تكمن خطورة استمرار التعامل مع الجنوب كملف أمني خاضع للفصل السابع: فكلما طال هذا الوضع، كلما تعمّق الشعور بأن المجتمع الدولي لا يسعى إلى حل عادل، بل إلى إدارة توازنات مؤقتة تحفظ مصالح القوى الكبرى، حتى لو كان الثمن هو تآكل المجتمع وانهيار الدولة وتفكك النسيج الاجتماعي.

الخطاب الجنوبي اليوم لا يرفض الشرعية الدولية كمبدأ، بل يرفض انتقائية تطبيقها. يرفض أن يُستدعى القانون عندما يتعلق الأمر بفرض القيود والعقوبات، ويُغيب عندما يتعلق الأمر بحماية الحقوق السيادية والإنسانية. يرفض أن تُستخدم بنود الميثاق لتقييد تطلعات شعب، بينما تُهمَل بنوده التي تعترف بحق هذا الشعب في اختيار مستقبله السياسي.

من هذه الزاوية، يصبح مطلب فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية ليس تعبيرًا عن نزعة انفصالية عاطفية، بل ردًا سياسيًا على انسداد المسار الدولي، وعلى فشل منظومة الوصاية في تقديم أي أفق حقيقي للحل. فحين تتحول “العملية السياسية” إلى أداة تعطيل، وتتحول “الشرعية الدولية” إلى مظلة لإدامة الاختلال، يصبح البحث عن مسار سيادي مستقل خيارًا عقلانيًا لا مغامرة.

الاستقرار لا يُبنى بإدارة الفقر، ولا بتجميد الصراع، ولا بإعادة تدوير النخب ذاتها داخل هياكل شكلية. الاستقرار يُبنى حين يمتلك الشعب قراره وثروته ومؤسساته، وحين يكون الحوار قائمًا على الندية لا على الإكراه الاقتصادي والعسكري. وأي تسوية لا تعترف بالقضية الجنوبية كقضية سياسية قائمة بذاتها، ستظل مجرد هدنة مؤقتة في طريق انفجار جديد.

لهذا، فإن جوهر الصراع اليوم لم يعد فقط حول شكل الدولة، بل حول من يملك القرار: الشعب أم منظومة الوصاية الدولية الإقليمية؟ وحين يُحرم شعب من حقه في تقرير مصيره وفي إدارة موارده، فإن كل البنود القانونية، مهما كانت صيغتها، تفقد معناها الأخلاقي والسياسي.

الجنوب، في هذا السياق، لا يواجه فقط خصومًا محليين، بل يواجه نموذجًا دوليًا لإدارة الأزمات يقوم على تثبيت الواقع المختل بدل تغييره. ومع كل يوم يتأخر فيه الاعتراف بحقوقه السياسية والاقتصادية، تتكرس القناعة بأن الخلاص لن يأتي من داخل هذه المنظومة، بل من فرض معادلة جديدة على الأرض تعيد تعريف العلاقة مع المجتمع الدولي من موقع الشراكة لا التبعية.

مدير عام دارسعد يناقش مع مدير عام مكتب التخطيط والتعاون الدولي بعدن البرنامج الاستثماري لعام 2026


الفحم القاتل يخطف أرواحاً شابة من المحويت في حادثة مروعة بصنعاء


صدى الانتفاضة الإيرانية يتردد دوليًا بمظاهرات من لندن إلى أوتاوا


أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني في عدن وصنعاء اليوم الثلاثاء