تقارير وحوارات

الإيرانيون يحتجّون…

الإيرانيون يحتجّون… ورضا بهلوي لا يستطيع إنقاذهم

رضا بهلوي لا يستطيع إنقاذهم

وكالة الانباء حضر موت

منذ اثني عشر يومًا، تهتزّ إيران على وقع احتجاجات واسعة أشعلتها أزمة اقتصادية متفاقمة. فقد امتلأت شوارع طهران، العاصمة، بالمتظاهرين، كما امتدت الاحتجاجات إلى مدن وبلدات أصغر بعيدة عن المراكز السياسية والاقتصادية. ومن بين هذه المناطق مدن مثل عبادان ومدينة ملكشاهي ذات الغالبية الكردية في محافظة إيلام جنوب غربي البلاد، حيث تبدو المظالم الاقتصادية، والبطالة، وإهمال الدولة أكثر حدّة ووضوحًا.
ووفقًا لتقديرات منظمة العفو الدولية، قُتل ما لا يقل عن 28 متظاهرًا على يد القوات الإيرانية في ثماني محافظات. كما أقدمت الحكومة الإيرانية على قطع خدمة الإنترنت وشدّدت إجراءاتها القمعية بحق المحتجّين.
وفي الوقت الذي تعاني فيه هذه المدن والبلدات الإيرانية المهمَّشة واليائسة، استولى وهمٌ قديم على بعض المراقبين الغربيين: لعلّ رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الذي يقدّم نفسه وليًّا للعهد في المنفى، قادر على قيادة انتقال ديمقراطي في إيران إذا ما سقطت الجمهورية الإسلامية.
ويبدو أن بهلوي نفسه يؤمن بذلك. فبعد أن انتظر وصول الاحتجاجات إلى عناوين الأخبار العالمية، بدأ بإصدار البيانات وإجراء المقابلات الإعلامية. دعا إلى تظاهرات منسّقة، وتعهد بانتقال سلس للسلطة، وأكّد استعداده لتولّي القيادة. رسالته واضحة: أنا رجلكم المناسب.
لكن هذا المشهد شهدناه من قبل، ولم تكن عواقبه حميدة.

نموذج أحمد الجلبي
قبل ثلاثة وعشرين عامًا، جرى إعداد مدّعٍ آخر في المنفى لقيادة دولة في الشرق الأوسط نحو الديمقراطية بدعم غربي: أحمد الجلبي، المصرفي العراقي الذي تحوّل إلى زعيم للمعارضة. وقد امتلك الجلبي ما يفتقر إليه رضا بهلوي—ومع ذلك انتهى مشروعه بفشل ذريع. وهذه المقارنة ليست مفيدة فحسب، بل ضرورية لكل من يفكّر في تعليق آماله على نجل الشاه.
دخل الجلبي مرحلة «تغيير النظام» وهو يحمل أوراق اعتماد لامعة—على الأقل نظريًا. فقد نجح المؤتمر الوطني العراقي، الذي ترأسه، في جمع الأكراد والسنّة والشيعة تحت مظلة واحدة. وتمتع بموارد مالية ضخمة؛ إذ تلقّى أكثر من 100 مليون دولار من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال تسعينيات القرن الماضي وحدها، إضافة إلى 97 مليون دولار أخرى بعد إقرار الكونغرس الأمريكي «قانون تحرير العراق» عام 1998.
كما كانت شبكة علاقاته السياسية استثنائية: ريتشارد بيرل، بول وولفويتز، ديك تشيني. وكان يتمتع بنفوذ إعلامي واسع، بما في ذلك علاقاته مع نيويورك تايمز. والأهم من ذلك، كان لديه وجود ميداني في مناطق الأكراد شمال العراق، حيث عملت قوات المؤتمر الوطني العراقي لسنوات.
والأهم من كل ما سبق، أن الجلبي حظي بما لا يستطيع رضا بهلوي إلا أن يحلم به: دعمًا كاملًا من قوة غزو أمريكية جاهزة لإسقاط النظام وتنصيبه في الحكم. ومع ذلك، عندما أُجريت الانتخابات العراقية عام 2005، لم يحصل حزب الجلبي سوى على أقل من 0.5% من الأصوات، ولم يفز بأي مقعد في البرلمان. الرجل الذي وصفه المحافظون الجدد بـ«جورج واشنطن العراق» انتهى به المطاف شخصيةً تُعدّ على نطاق واسع من أقل الشخصيات مصداقية في السياسة العراقية—وهو توصيف لافت في ساحة سياسية مزدحمة.

عجز رضا بهلوي
إذا انتقلنا إلى الحالة الإيرانية، يتبيّن أن ما يقدّمه رضا بهلوي في لحظة الاضطراب الراهنة محدود للغاية. فهو لا يمتلك أي تنظيم فعلي داخل إيران. وقد خلص تقرير صادر عن معهد بروكينغز عام 2009 إلى أنه يفتقر إلى «قاعدة منظّمة»، نظرًا لغياب أي «حركة ملكية جدّية» في البلاد—وهو تقييم لا يزال صالحًا حتى اليوم.
فما يُعرف بـ«مشروع العنقاء» أو «قمة التقارب في ميونيخ» لا يتجاوز كونه نشاطًا نخبويًا لمنفيين: مؤتمرات صحفية لافتة لا يقابلها أي حضور حقيقي في الشارع الإيراني.
ولا يتمتع بهلوي بتمويل يُذكر، إذ يعتمد على تبرعات الإيرانيين في المهجر. ولا يوجد ما يماثل «قانون تحرير العراق» الذي أغدق الأموال على مشروع الجلبي. أما ادعاؤه بأن 50 ألف مسؤول إيراني سجّلوا في منصة سرية استعدادًا للانشقاق، فهو ادعاء غير قابل للتحقق، بل غير معقول، ويذكّر بادعاءات أحمد الجلبي عن وحدات في الجيش العراقي كانت—بحسب زعمه—على وشك الانشقاق عن صدام حسين.
كما يفتقر بهلوي إلى أي حضور ميداني. فقد عاش خارج إيران مدة 48 عامًا—أطول من عمر الجمهورية الإسلامية نفسها—وأقام في الولايات المتحدة منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره. وهو اليوم غريب عن المجتمع الذي يدّعي قيادته. وفوق ذلك، لا توجد أي قوة عسكرية خارجية تستعد لتنصيبه في الحكم. بل إن أي تدخل أمريكي مباشر سيكون، في الواقع، نهايةً سياسية لأي شخصية معارضة.
أكثر أوجه الشبه إدانة بين الجلبي وبهلوي هو افتقارهما إلى الشرعية. لم يفشل الجلبي لأنه افتقر إلى الدعم الأمريكي، بل لأن العراقيين لم يريدوه. فقد كان يُنظر إليه—وبحق—بوصفه صنيعة أمريكية، رجلًا أمضى عقودًا خارج العراق، ويتحدث العربية بلكنة أمريكية، ويمثّل التدخل الأجنبي أكثر مما يجسّد مقاومة وطنية.
ويواجه بهلوي المشكلة نفسها مضاعفة. فقد تركت سلالة بهلوي في الذاكرة الإيرانية مرارات عميقة: انقلاب عام 1953 المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الذي أطاح بمحمد مصدّق وأعاد الشاه إلى الحكم؛ جهاز «السافاك» القمعي؛ حزب «رستاخيز» الذي استفزّ الإيرانيين غير المسيسين بفرض العضوية والتدخل الفظ في الحياة اليومية؛ والفساد والتفاوت الطبقي اللذان فجّرا ثورة 1979.
صحيح أن معظم الإيرانيين اليوم أصغر سنًا من أن يتذكروا تلك المآسي مباشرة، لكن نسبة معتبرة—ممن تجاوزوا الخمسين—عاشوها بأنفسهم. وهم يتذكرون غرف التعذيب، والمعارضين الذين اختفوا قسرًا، والفساد المستشري، واللامساواة الفجّة. وقد شاركوا في الثورة التي أطاحت بالملكية أو أيّدوها. ونشأ أبناؤهم على سماع تلك القصص.
وعندما يهتف المحتجون «الموت للديكتاتور»، فإنهم لا يحنّون إلى عودة ملكية ساهم كثير منهم، أو آباؤهم، في إسقاطها. وظهور شعارات مؤيدة لبهلوي في بعض التظاهرات لا يدل على نزعة ملكية واسعة، بل يعكس حنينًا إلى الاستقرار ما قبل الثورة، جرى تضخيمه اصطناعيًا عبر حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تستخدم حسابات وهمية ومحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي، بحسب باحثين. بل إن بروز شعار «لا للشاه ولا لرجال الدين» يشير إلى أن كثيرًا من الإيرانيين يرفضون كلًّا من الجمهورية الإسلامية وعودة بهلوي.
ولا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تطلب خصمًا أنسب من بهلوي. فحضوره الإعلامي يتيح للنظام تصوير المحتجين كأدوات لقوى أجنبية وللملكية الملطخة بالسمعة—وهو بالضبط ما حققه لقاؤه مع بنيامين نتنياهو عام 2023. فكل صورة تذكارية في واشنطن، وكل اجتماع مع مسؤولين إسرائيليين، وكل دعوة لتدخل دولي، تعزز سردية النظام وتقوّض شرعية الاحتجاجات. ويدرك قادة المعارضة الإيرانية ذلك جيدًا؛ إذ وصفت الحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي حركة بهلوي بأنها «المعارضة ضد المعارضة».
كما أن عجز بهلوي—أو عدم رغبته—عن ضبط أنصاره الذين يهاجمون المعارضين غير الملكيين، أدّى إلى تمزيق ما كان ينبغي أن يكون جبهة موحّدة.
نظام هشّ… لكنه قوي
تُعد الجمهورية الإسلامية اليوم أكثر هشاشة مما كانت عليه في أي وقت منذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009. فقد أدّى انهيار العملة، والتضخم الجنوني، والإفلاس المائي، وأزمة الطاقة إلى تهيئة ظروف لاضطرابات مستمرة. كما تضرّرت أذرع النظام الإقليمية بشدة، وتعرّض برنامجه النووي لانتكاسات بسبب الضربات الإسرائيلية، ويبلغ المرشد الأعلى علي خامنئي من العمر 86 عامًا ويعاني من اعتلال الصحة.
لكن الهشاشة لا تعني الهزيمة. فما زال النظام يسيطر على جهاز قمعي formidable. وقد واجه احتجاجات سابقة باستخدام قوة مفرطة—إذ قتل أكثر من 500 شخص خلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في عامي 2022 و2023. وخلال الأسبوعين الماضيين فقط، قتل العشرات، واعتقل أكثر من 2000 شخص، ويُقال إنه استقدم ميليشيات شيعية عراقية لتعزيز قواته الأمنية.
ويعلم من عاشوا في إيران أن معظم الإيرانيين، على الرغم من عدم شعبيتهم للنظام، يخشون الفوضى أكثر مما يتوقون إلى الحرية. فقد شاهدوا سوريا والعراق وليبيا واليمن تنزلق إلى فوضى وعنف مروّعين. وهم يدركون أن انهيار النظام لا يضمن الديمقراطية—بل قد يفضي بسهولة إلى عنف طويل الأمد وتفكك.
وإذا سقطت الجمهورية الإسلامية، فسيكون ذلك لأن الإيرانيين داخل البلاد نظموا أنفسهم وحشدوا قواهم، وأجبروا في نهاية المطاف أجزاءً من الجهاز الأمني على الانحياز إليهم—لا لأن سياسيًا في المنفى وعد بانتقال سلس. فقد نجحت ثورة 1979 لأن آية الله الخميني استمال قطاعات من القوات المسلحة. ولا تظهر حتى الآن أي انقسامات مماثلة.
إن إيران لا تحتاج إلى مدّعٍ في المنفى يطلق وعودًا لا يستطيع الوفاء بها. بل تحتاج إلى تضامن دولي مع المحتجين، وعقوبات موجّهة ضد مسؤولي النظام، ودعم للإعلام المستقل، وضغوط دبلوماسية من أجل حقوق الإنسان. تحتاج إيران إلى أن يكفّ العالم عن التظاهر بأن رجلًا واحدًا—أيًّا كان—قادر على تخليص 85 مليون إيراني من الديكتاتورية.
لقد علّمتنا كارثة الجلبي أن تغيير الأنظمة قد يكون سهلًا، لكن كلفته البشرية مرعبة، وأن بناء الديمقراطية مهمة شاقة. وتنصيب منفيين بلا قاعدة داخلية وصفة مؤكدة للفشل. والمراهنة على المدّعين بدلًا من الشعوب خطأ لا تستطيع الولايات المتحدة تحمّل تكراره.
يستحق الإيرانيون أفضل من مدّعي بهلوي. إنهم يستحقون فرصة تقرير مستقبلهم بأنفسهم—من دون عبء أوهام الآخرين.

قراءة في موقع رئيسي

https://time.com/7344936/iran-protest-reza-pahlavi-ayatollah/s/

مدير عام المنصورة يدشن مشروع إنشاء مدرسة في بلوك ( 12 )


المدير العام الشاعري يدشن إعادة استهداف وتسجيل الأسر الأشد احتياجاً في قعطبة


جي بي أوتو تستعد لإطلاق Chery Arrizo 6 GT المجمعة محليًا في مصر


مؤسسة العون للتنمية توقّع 18 اتفاقية لمشاريع 2026 مع جهات منفذة