"جيرارد ديبارديو"..
الوحش الذي كان مقدساً بات اليوم ملاحقاً!
تستمر قضية نجم السينما الفرنسية، جيرارد ديبارديو، بالتفاعل وشغل حيّز إعلامي، منذ أن نشرت قناة "فرانس 2"، في السابع من ديسمبر/ كانون الأول، تحقيقاً استقصائياً يتناول اتهام الممثل ذي الخمسة وسبعين عاماً بالاغتصاب والإعتداءات الجنسية والإساءة للنساء على مدى عقود.
وليس اتهام ديبارديو بالاغتصاب بجديد، لكن التحقيق الصادم نجح في إسقاط حصانة تمتع بها الممثل طويلاً. وطرح التحقيق السؤال عن مسؤولية صناع السينما في حماية الرجل ذو الرصيد الفني الهائل والتستر على العنف الجنسي الذي ارتكبه.
وبعد حوالي ثلاث سنوات من بدء القضاء الفرنسي التحقيق بقضية اغتصاب ضد ديبارديو، أكمل خلالها عمله وكأن شيئاً لم يكن، مكتفياً بنفي التهم، أتى التحقيق ليشكّل ضربة قاسية لـ"وحش السينما الفرنسية" إذ لم يتجاوز الرأي العام القضية هذه المرة، كما في السابق. واتخذت مؤسسات عدة إجراءات ضد الكوميدي الذي في رصيده أكثر من 200 فيلم.
حتى الآن، 16 امرأة على الأقل تتهمن النجم بممارسة العنف الجنسي على الرغم من ذلك ما زالت القضية موضع جدال في أروقة السينما الفرنسية وعلى وسائل الإعلام.
وأمام الفضيحة، ينقسم عالم السينما الفرنسي بين مدافع عن "الأيقونة" ومدين له وآخرون يفضلون الصمت بدل التورط في أي موقف. إثر التحقيق الصحفي، وأمام تزايد الشهادات ضده، هرعت 56 شخصية فنية لدعم ديبارديو فوقعت على عمود نشر، مساء الاثنين الماضي، في صحيفة "لوفيغارو" يرفض ما وصفه بإعدام آخر "وحش مقدس للسينما".
أمس، ردّ 600 فنان على عمود دعم "الوحش" وكذلك على موقف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون الداعم أيضاً، ببيان يدعو إلى عدم تسخيف أفعال الممثل. ورفض البيان قول ماكرون إن ديبارديو يمثل الفن في فرنسا وأن يسمح موقعه كفنان بهكذا تصرفات.
وكانت وزيرة الثقافة، ريما عبد الملك، قد لوحت بسحب وسام جوقة الشرف من ديبارديو، والذي منحه إياه الرئيس الراحل جاك شيراك عام 1996. لكن ماكرون، في مقابلة في 20 ديسمبر/ كانون الأول ، دافع عمن وصفه بـ"الممثل العظيم الذي ساهم في الشهرة العالمية لفرنسا ومؤلفيها العظماء...".
وقال إن "وسام جوقة الشرف لا يُمنح لأسباب أخلاقية، ولا نجرد الفنان منه استناداً إلى تقرير أو أي أمر مماثل".
وأضاف: "لو كانت الأمور تسير على هذا النحو لكنا جردنا فنانين كثر منه" مشدداً على "قرينة البراءة" في أي اتهام. وقد قام متحف غريفان بباريس بسحب تمثال الشمع الخاص بديبارديو، والذي وضع منذ العام 1981. كما جرد الممثل من وسام كيبيك الوطني ومن لقب المواطن الفخري لمنطقة إيستايمبوي البلجيكية. خلال ساعة والربع الساعة، ينتقل التحقيق بين مقاطع فيديو التقطت للمثل خلال زيارة إلى كوريا الشمالية في العام 2018 يتحدث فيها عن النساء بطريقة مسيئة، إلى شهادات ممثلات يتهمن "أيقونة السينما الفرنسية" بالاعتداء عليهن.
كما يسترجع التحقيق مقابلات قديمة لديبارديو ومن ثم يترك الكلمة لصديقه الحائز على أوسكار جان لوي ليفي للدفاع عنه بعد أن رفض ديبارديو المشاركة في الحلقة. نشر التحقيق للمرة الأولى مشاهد مصورة للممثل الفرنسي خلال زيارته إلى كوريا الشمالية، وثقتها شركة انتاج ضمن مشروع وثائقي مع جيرارد، تخلت عنه بعد أن اكتشفت الرجل المتهم بالاغتصاب والاعتداء الجنسي، وفق المذيع. في أحد المقاطع يصف ديبارديو النساء بالعاهرات، يتحدث عن ركوبهن الخيل بكلام إباحي وميزوجيني حتى أن طفلة في العاشرة من عمرها لم تسلم من التعليقات الإباحية للممثل الذي لا يكف عن التحرش بنساء خلال رحلته. ينتقل التحقيق إلى شهادات ممثلات عملن مع النجم تتحدث هؤلاء عن اعتداءات ديبارديو عليهن وعن المعاناة الجسدية والنفسية التي عشنها، بعضها مارسها الممثل في مواقع التصوير وأمام مخرجين وفرق العمل. وتقول الممثلة التي شاركت معه في سلسلة "مارساي" على "نتفلكس" عام 2015، سارة بروكس، إن النجم المحظي أدخل يده في سروالها الداخلي أثناء التقاط صورة، أبعدته لكنه عاد الكرة. "نبهت من حولها لكنهم بدأوا بالضحك فرحلت وهي تبكي.
كل من كانوا موجودين شهدوا على الحادثة لكن واحداً فقط ساعدها"، تقول بروكس. في شهادة ثانية، تقول الممثلة ماري لان أندران إنها في العام 2008 مثلت مع ديبارديو في D14، وإنه اقترب منها في إحدى الليالي وحدثها بإيحاء جنسي واضح: "شعرت بالانزعاج، لقد أهانني، وضحك لانزعاجي. قال لي مساعد المخرج: لا بأس، إنه جيرارد"، وفق الممثلة التي كانت في الثالثة والعشرين من عمرها.
بحث معدو التحقيق عن مساعد المخرج فكان جوابه أنه لا يذكر حادثة بالتحديد، "فمع جيرارد هناك الكثير من هذه التعابير، كل خمس دقائق هناك مزحة حول الجنس وإن كان علينا أن نتوقف عندها في كل مرة فلن نعمل أبداً".
إنه جيرارد
"إنه جيرارد" عبارة كررها عاملون مع ديبارديو ومدافعون عنه إما على مسامع ممثلات شكون من تصرفاته أو أمام الصحافة. جملة تظهر تواطؤ المحيطين بالممثل بتبرير تصرفاته وكأن التحرش مسألة عادية أو جزء من طبع الانسان."إنه جيرارد" عبارة تناقلها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي لانتقاد ردة الفعل هذه .عبارة باتت تحمل وجهان متناقضان: "التبرير والإدانة".
أيضاً، تجيب عن سؤال الصحفي بداية التحقيق: "هل كان ديبارديو محمياً من صناع السينما؟" سؤال أجاب عليه رئيس اتحاد منتجي السينما، مارك ميسونييه، وهو الوحيد من بين صناع الفن السابع الذي قبل التعليق على تصرفات ديبارديو في التحقيق من دون الدفاع عنه. وقأل ميسونييه "كلنا مذنبون بعض الشيء. يمكننا القول إن السينما الفرنسية لم تكن تجهل تصرف ديبارديو الإشكالي.
كان هناك نوع من التسامح وهذا خطأ. هو نجم وهذا ما حماه". يسترجع التحقيق مقابلة لديبارديو نشرت في العام 1978 في مجلة "تايم" الأميركية. تنقل الصحافية عن ديبارديو قوله إنه انخرط منذ سن التاسعة في أفعال اغتصاب ولا يمكنه إحصاء عددها. في المقابلة يذكر أن النجم الشاب في حينها، ولدى ملاحظة الصدمة على وجوه من هم أمامه استدرك قائلاً إن ذلك لم يسبب الأذى "الفتيات أرادوا أن يغتصبن.
في النهاية ذلك لم يكن اغتصاباً، إنه حالة فتاة تضع نفسها في وضع تحبه. العنف ليس مسؤولية من يرتكبه بل مسؤولية الضحايا اللواتي يسمحن بحدوث ذلك". شكلت كلمات ديبارديو هذه فضيحة في الولايات المتحدة الأميركية حينها، لكنها في فرنسا اعتبرت حملة ضد النجم الفرنسي.
يعود التحقيق الصحفي إلى مقابلة أخرى أجراها النجم الفرنسي في العام 1981 مع مجلة "لوي" الفرنسية للتأكد من أن التصريح المنقول في "التايم" لم يكن محوّراً. في هذه المقابلة أيضاً صرح ديبارديو أنه اغتصب الكثير من الفتيات. سأله الصحفي: هل شاركت بالاغتصاب؟ ردّ الكوميدي: نعم لكن بعد الجميع، لأني كنت صغيراً. الفتيات كن يقلن: لننه الأمر لقد سئمنا".مرت المقابلة من دون استجواب الممثل الشاب يومها حول مضمونها.
التحقيق مستمر
منذ العام 2020 يحقق القضاء الفرنسي بتهمة اغتصاب وجهت إلى "وحش السينما". تقدمت بالشكوى الممثلة الشابة شارلوت أرنولد. تتهم أرنولد ديبارديو باغتصابها في العام 2018 بعد أن دعاها إلى مكان إقامته في السابع من آب. لم تتقدم الشابة فوراً بدعوى ضد الممثل المسن رغم طلب والدتها منها القيام بذلك، وفق قولها. بل وعادت بعد ستة أيام وزارته بناءً على طلبه وتقول إنه عاد واعتدى عليها.
في 24 آب من العام نفسه تقدمت أرنولد بشكوى، لكن تحليل الشرطة لشريط من كاميرا مراقبة ذكر أن الممثلة لم تظهر ممانعة وصعدت إلى الغرفة بناءً على إشارة الممثل، وأن تقرير الطبيب لم يثبت حدوث اغتصاب فلم تتابع القضية.
بررت الشابة ذلك بأنها كانت في حالة صدمة وأنها شعرت بأنها تحت سلطة الرجل بينما لم تكن تنتظر سوى التمكن من الهرب. في مارس 2020 عادت شارلوت وتقدمت بشكوى جديدة، هذه المرة قرر القاضي اتهام ديبارديو بالاغتصاب والاعتداء الجنسي.
وبينما يستمر التحقيق بالقضية، يواجه الممثل في حال إدانته عقوبة قد تصل إلى السجن 15 عاماً وقد أضيفت دعوتين بوجه الممثل إحداها في تهمة تعود إلى 15 عاماً إلى الوراء. التهمة بالاغتصاب لم تحدث عام 2020 ضجة في عالم السينما واستمر النجم بعمله.
وفي رسالة مفتوحة نشرها للدفاع عن نفسه اتهم ديبارديو أرنولد بالبحث عن الانتقام منه.
وأياً تكن نهاية القضية وغيرها من الشكاوى التي رفعت، غير أن التحقيق الاستقصائي قد نجح في فرض الحديث عما تم تجاهله لعقود في عالم السينما وحتى الإعلام الفرنسي. واتخذ السرد في التحقيق وجمع الأدلة منحىً يؤكد بما لا يترك مجالاً للشك احتقار ديبارديو للنساء وعدم قدرته على رؤيتهن خارج قالب جنسي وقيامه باعتداءات جنسية علنية وواضحة.