الخطر الأمني الجديد في أفريقيا.. هشاشة السلام وقود للصراع
لم تعد الخريطة الأمنية لأفريقيا تُرسم فقط على خطوط الحروب الأهلية الكبرى، بل باتت تتشكل في مناطق رمادية بين الحرب والسلام. فمع انحسار عدد من الصراعات واسعة النطاق، لم تختفِ مصادر العنف، وإنما أعادت إنتاج نفسها في صورة تمردات محلية، وصراعات على الموارد، وعنف سياسي، وجماعات مسلحة تستفيد من ضعف مؤسسات الدولة واتساع المساحات الخارجة عن سيطرتها.
وفي الوقت نفسه، تتراجع أدوات الوساطة وحفظ السلام التي ساعدت تاريخياً على احتواء الأزمات، لتصبح القارة أمام معادلة أكثر تعقيداً: سلام هش قد لا يبدو خطراً في الإحصاءات، لكنه يحمل في داخله بذور صراع جديد. وبدلاً من اختفاء مصادر العنف، انتقلت نسبة مهمة منها إلى صراعات محلية، وتمردات مسلحة، وتوترات سياسية، وعنف عابر للحدود، ودول عاجزة عن بسط سلطتها على كامل أراضيها.
ومن هنا تبدو المشكلة الأساسية في الأمن الأفريقي اليوم ليست غياب السلام بقدر ما هي هشاشة السلام.
يشير تحليل للخبير الأميركي في شؤون الدفاع والاستراتيجية مايكل أوهانلون إلى أن الصورة العامة للقارة تحتاج إلى قدر من التوازن. فالحروب بين الدول لا تزال نادرة، فيما لا تخوض غالبية الدول الأفريقية حروباً أهلية كبيرة ومستمرة. كما نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقارة بنسبة 4.2% خلال عام 2025، بينما تصنف منظمة «فريدوم هاوس» في 2026 نحو 23 دولة أفريقية من أصل 54 دولة باعتبارها «حرة» أو «حرة جزئياً».
السلام ليس مجرد غياب الحرب، كما أن الأمن ليس مجرد انخفاض عدد العمليات العسكرية. الأمن الحقيقي هو القدرة على امتصاص الصدمات وإدارة الخلافات وحماية السكان دون الحاجة إلى تدخل عسكري دائم
هذه المؤشرات مهمة لأنها تكسر فكرة أن القارة تعيش في حالة حرب دائمة. لكن المشكلة أن الاستقرار الإحصائي لا يعني بالضرورة أمناً فعلياً.
من الحرب الأهلية إلى العنف المتناثر
تكشف خريطة الصراعات في أفريقيا عن مفارقة واضحة. فدول مثل كينيا وتنزانيا وجنوب أفريقيا وأنجولا وغانا وكوت ديفوار والسنغال لا تشهد حروباً أهلية كبيرة، بينما تمكنت دول أخرى مثل إثيوبيا من إنهاء صراعات واسعة، كما حدث في تيجراي عام 2022.
في المقابل، لا تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والسودان بؤراً رئيسية للعنف واسع النطاق، فيما تواجه موزمبيق والكاميرون وإثيوبيا بدرجات متفاوتة صراعات محلية أو تمردات مسلحة.
لكن التركيز على هذه الدول وحدها قد يقود إلى قراءة ناقصة. فالخطر الأمني الجديد في أفريقيا لا يظهر دائماً في صورة جبهتين عسكريتين واضحتين. وقد يتمثل في جماعات مسلحة تسيطر على مناطق محدودة، أو نزاعات قبلية وعرقية، أو شبكات إجرامية عابرة للحدود، أو عنف سياسي يتصاعد خلال الانتخابات، أو صراعات على الموارد والأراضي والمياه.
وهكذا أصبحت بعض الدول تعيش حالة يمكن وصفها بـ**«الاستقرار غير المكتمل»**: لا توجد حرب شاملة، لكن الدولة لا تمتلك دائماً القدرة على منع العنف أو احتوائه عندما ينفجر.
المشكلة ليست في عدد الحروب فقط
هذا التحول يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. فإذا كان المعيار هو وجود حرب أهلية واسعة، فإن أفريقيا تبدو أكثر أمناً. أما إذا كان المعيار هو قدرة المواطن على العيش بعيداً عن العنف والخوف، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً.
فالسلام الحقيقي لا يبدأ فقط عندما تتوقف البنادق، وإنما عندما تصبح المؤسسات قادرة على إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية دون اللجوء إلى القوة. ولذلك فإن انتهاء الحرب لا يمثل نهاية المشكلة، بل بداية مرحلة أصعب: بناء الدولة التي تمنع عودة الحرب.
وهنا تظهر أهمية الشرطة والقضاء والإدارة المحلية والمؤسسات السياسية وترتيبات تقاسم السلطة، إلى جانب القدرة الاقتصادية على توفير فرص العمل والخدمات. فالدولة التي تنجح في إيقاف القتال لكنها تفشل في معالجة أسباب الصراع قد تحقق هدنة طويلة، لكنها لا تضمن سلاماً مستداماً.
حفظ السلام.. أداة تتراجع عندما تزداد الحاجة إليها
المفارقة الأخرى أن أفريقيا تحتاج إلى أدوات أكثر مرونة لمنع عودة الصراعات في الوقت الذي تتراجع فيه الموارد المخصصة لعمليات حفظ السلام.
ويشير أوهانلون إلى أن العالم، والدول والمنظمات الأفريقية تحديداً، اكتسب خبرة أكبر خلال العقود الماضية في الوساطة وحفظ السلام. وأثبتت تجارب تاريخية أن البعثات الدولية تكون أكثر نجاحاً عندما تأتي لتدعم تسوية سياسية موجودة بالفعل، لا عندما تحاول فرض تسوية لم تنضج أطرافها بعد.
كما أثبتت التجارب أن البعثات المصممة وفق ظروف كل دولة تكون أكثر قدرة على تحقيق النتائج، خصوصاً عندما لا تكتفي بمراقبة وقف إطلاق النار، وإنما تساعد على بناء المؤسسات وإصلاح الشرطة والقضاء وترتيبات تقاسم السلطة.
لكن هذا النموذج يواجه تراجعاً في الموارد. فقد انخفض إجمالي قوام القوات والأفراد في بعثات الأمم المتحدة الأفريقية من نحو 75.5 ألف فرد خلال 2018-2023 إلى نحو 54.7 ألفاً في 2024-2025، أي انخفاض بنحو 28%.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه بعض بؤر الصراع بحاجة إلى وساطة وضمانات دولية، ما يخلق فجوة متزايدة بين حجم التحديات وحجم الأدوات المتاحة للتعامل معها.
الاتحاد الأفريقي أمام اختبار مختلف
الخطر الأمني الجديد في أفريقيا لا يظهر دائماً في صورة جبهتين عسكريتين واضحتين. وقد يتمثل في جماعات مسلحة تسيطر على مناطق محدودة، أو نزاعات قبلية وعرقية
لا يعني تراجع الدور الأممي بالضرورة أن الحل يجب أن يبقى خارجياً. بل ربما يفرض ذلك على الاتحاد الأفريقي والدول الإقليمية تطوير قدرة أكبر على إدارة أزمات القارة.
لكن هذه المهمة ليست سهلة. فالدول الأفريقية نفسها ليست دائماً طرفاً محايداً في الصراعات، وقد تتحول المنافسات الإقليمية إلى عامل إضافي في إطالة النزاعات، عندما تدعم حكومات أو أطراف إقليمية جماعات متعارضة أو تنحاز إلى أحد أطراف الصراع.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات الأمن الأفريقي: الصراع الداخلي لم يعد داخلياً بالكامل. فالحدود الواسعة، وضعف السيطرة الحكومية في بعض المناطق، وانتقال السلاح والمقاتلين، وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، تجعل من الصعب الفصل بين الأزمة المحلية والبيئة الإقليمية المحيطة بها.
نحو مفهوم جديد للأمن الأفريقي
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كانت أفريقيا «أكثر أمناً» أو «أكثر خطراً» بصورة مطلقة، وإنما أي نوع من الأمن تحقق، وأين، وإلى أي مدى يمكن أن يستمر؟
فالقارة قطعت بالفعل مسافة مهمة من زمن الحروب الأهلية الكبرى، لكن التحدي الحالي أكثر تعقيداً: منع تحول السلام الهش إلى صراع جديد، وتقوية مؤسسات الدول، وإدارة التنافس السياسي قبل تحوله إلى عنف، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي توفر بيئة خصبة للجماعات المسلحة.
وتكشف التجربة الأفريقية أن السلام ليس مجرد غياب الحرب، كما أن الأمن ليس مجرد انخفاض عدد العمليات العسكرية. الأمن الحقيقي هو قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الصدمات وإدارة الخلافات وحماية السكان دون الحاجة إلى تدخل عسكري دائم.
وبهذا المعنى، تبدو أفريقيا اليوم أكثر هدوءاً من الصورة النمطية التي التصقت بها، لكنها ليست بالضرورة أكثر أمناً بالقدر نفسه. فالانتقال من قارة الحروب إلى قارة السلام لم يكتمل، وربما تكون المعركة المقبلة أقل ارتباطاً بإيقاف الحروب وأكثر ارتباطاً بمنع السلام الهش من الانهيار.