براغماتية الشرع تثير مخاوف إسرائيل
براغماتية الرئيس السوري أحمد الشرع باتت تثير قلقًا متزايدًا في إسرائيل، إذ اعتبر موقعYnet أن سوريا في عهده أصبحت معضلة استراتيجية حقيقية أمام صناع القرار في تل أبيب. هذا التوصيف يعكس إدراكا إسرائيليا بأن النهج الجديد الذي تتبناه دمشق لا يقوم على المواجهة المباشرة، بل على خطوات انفتاحية غير مسبوقة أربكت المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
فقد تعامل الشرع بمرونة مع تقليص الوجود العسكري الروسي في سوريا، ووافق على تسليم بقايا البرنامج النووي السوري إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأعلن أكثر من مرة استعداده للدخول في تفاهمات قد تمهد الطريق لاتفاق أمني أو سلام مع إسرائيل، مع تأكيده أن أي تفاهمات لن تأتي على حساب الحق السوري في الجولان المحتل.
هذه المواقف، إلى جانب رسائل الطمأنة التي بعث بها للغرب والإقليم باستبعاد أي تدخل عسكري في لبنان، رسمت صورة مختلفة لسوريا، صورة دولة تبحث عن الاستقرار وتوازن المصالح، وهو ما يضع إسرائيل أمام معادلة غير مألوفة.
النهج الجديد الذي تتبناه دمشق لا يقوم على المواجهة المباشرة بل على خطوات انفتاحية غير مسبوقة أربكت المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية
التحليل الإسرائيلي الذي نشره الخبير ميخائيل ميلشتاين أشار إلى أن وصف الشرع بـ"الشرير الإقليمي" أو "القنبلة الموقوتة" لا ينبع فقط من الحذر الأمني، بل يرتبط بمصالح سياسية داخلية في إسرائيل ترفض التكيف مع المعطيات الجديدة. فتل أبيب تخشى أن يؤدي الانفتاح السوري إلى تقليص نفوذها الإقليمي، وأن يتحول الاتفاق الأمني المحتمل إلى مدخل لإعادة ترتيب الجبهة الشمالية في ظل فراغ إقليمي كبير.
كما أن استمرار إسرائيل في التعامل مع سوريا كعدو ثابت قد يفوّت عليها فرصة إعادة صياغة إستراتيجيتها في المشرق. ورغم أن الشرع لا يُقدَّم كنسخة جديدة من أنور السادات، فإن براغماتيته تمثل تحولًا جيوسياسيا عميقا، يفرض على إسرائيل إعادة التفكير في أدواتها وخياراتها. ومن هنا، فإن المخاوف الإسرائيلية لا تتعلق فقط بما يفعله الشرع اليوم، بل بما قد يترتب على نهجه من إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وهو ما يجعل سوريا في عهد الشرع معضلة استراتيجية مفتوحة أمام تل أبيب.
ويضاف إلى ذلك أن الشرع يحاول إعادة بناء صورة سوريا في المحيط الدولي عبر خطوات محسوبة، منها تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والانفتاح على بعض الدول الخليجية التي كانت مترددة في التعامل مع دمشق خلال السنوات الماضية.
هذه التحركات تمنح سوريا فرصة لتخفيف عزلتها، وتفتح أمامها قنوات دعم اقتصادي وسياسي، وهو ما يضاعف من قلق إسرائيل التي ترى أن أي تقارب عربي أو غربي مع دمشق قد يحد من قدرتها على فرض شروطها في المنطقة.
تل أبيب تخشى أن يؤدي الانفتاح السوري إلى تقليص نفوذها الإقليمي وأن يتحول الاتفاق الأمني المحتمل إلى مدخل لإعادة ترتيب الجبهة الشمالية في ظل فراغ إقليمي كبير
كما أن الشرع يوازن بين خطاب الانفتاح ورسائل التمسك بالثوابت، إذ يكرر أن الجولان قضية غير قابلة للتفاوض، وأن أي سلام لن يكون على حساب الحقوق الوطنية، وهو ما يجعل إسرائيل أمام معضلة مزدوجة: قيادة لا ترفع شعار المواجهة، لكنها في الوقت ذاته لا تقدم تنازلات.
في هذا السياق، تبدو إسرائيل عالقة بين خيارين متناقضين؛ إما الاستمرار في التعامل مع سوريا كعدو دائم، وهو ما ينسجم مع خطابها الداخلي لكنه يتجاهل التحولات الإقليمية، أو محاولة اختبار الانفتاح السوري بما يحمله من فرص ومخاطر.
هذا التردد يعكس أن براغماتية الشرع ليست مجرد خطاب سياسي، بل نهج عملي يوازن بين الثوابت والانفتاح، ويضع إسرائيل أمام سؤال استراتيجي صعب: كيف تواجه قيادة لا تسعى إلى الحرب، لكنها في الوقت ذاته قادرة على إعادة صياغة موقع سوريا في المعادلة الإقليمية؟ هذه هي المعضلة التي تجعل من براغماتية الشرع مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، ومؤشرًا على أن المنطقة قد تكون مقبلة على إعادة ترتيب أوراقها في ظل فراغ إقليمي كبير.