معدلات الادخار حول العالم.. تفاوت حاد يكشف اختلال الاستقرار المالي
في عالم تتزايد فيه الأزمات، يصبح الادخار ليس مجرد خيار مالي، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الفردي والاقتصادي.
ووفقا لأحدث بيانات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فإن معدلات الادخار حول العالم تشهد تفاوتا حادا بما يعكس اختلافات عميقة في السلوك المالي والظروف الاقتصادية بين الدول.
وقال تقرير نشره موقع "فيجوال كابيتاليست"، ففي الوقت الذي تتصدر فيه بعض الدول الأوروبية قائمة الأكثر ادخارًا، تعاني اقتصادات أخرى من معدلات منخفضة أو حتى سلبية، ما يثير تساؤلات حول الاستقرار المالي العالمي على المدى الطويل.
السويد الأكثر ادخاراً
ولا تقتصر معدلات الادخار المرتفعة على السويد فقط، إذ تسجل دول مثل المجر وفرنسا نسبًا تتجاوز 10%، مدفوعة بعوامل هيكلية مثل الشيخوخة السكانية والحرص على الادخار لمواجهة المستقبل. كما تبرز دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا والنمسا بمعدلات مستقرة نسبيًا، مما يعزز قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية.
في المقابل، تأتي دول مثل المملكة المتحدة وكندا ضمن الفئة المتوسطة، حيث تتراوح معدلات الادخار فيها حول 5% أو أقل. ويشير هذا المستوى إلى تراجع القدرة على الادخار نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الاعتماد على الاستهلاك.
ووفقاً للأرقام، تحتل السويد المرتبة الأولى بين دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي بمعدل ادخار يبلغ 16% من الدخل المتاح، وهو مستوى يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف المعدل المسجل في الولايات المتحدة، والذي لا يتجاوز 4.9%. ويعكس هذا الفارق الكبير اختلافًا في أنماط الاستهلاك والسياسات الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بأنظمة التقاعد وشبكات الأمان الاجتماعي.
معدلات سلبية
ومن اللافت أن المكسيك تتفوق على الولايات المتحدة في معدل الادخار، حيث يسجل المواطنون فيها نحو 8.1% من دخلهم مدخرات، أي ما يقارب ضعف المعدل الأمريكي. ويعكس هذا الفارق اختلافًا في الثقافة المالية، حيث تميل بعض المجتمعات إلى الادخار كضرورة، بينما تعتمد أخرى بشكل أكبر على الائتمان.
أما الأمر الأكثر إثارة للقلق بحسب التقرير يظهر في دول تسجل معدلات ادخار سلبية، مثل نيوزيلندا وجنوب أفريقيا، حيث ينفق الأفراد أكثر مما يكسبون. ويعني ذلك الاعتماد على الديون أو السحب من المدخرات السابقة لتغطية النفقات اليومية، وهو مؤشر واضح على الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر.
الصلابة في مواجهة الصدمات
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن معدلات الادخار تعد مؤشرًا حاسمًا على قوة الاقتصاد وقدرته على امتصاص الصدمات. فالدول التي تتمتع بمعدلات ادخار مرتفعة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مثل التضخم أو البطالة، كما توفر قاعدة قوية للاستثمار طويل الأجل.
في المقابل، يشير انخفاض الادخار إلى هشاشة مالية محتملة، حيث تصبح الأسر أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية. كما يؤدي ذلك إلى زيادة مستويات الدين، ما قد ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي في المستقبل. وتبرز هذه الفجوة العالمية في الادخار كأحد أهم التحديات الاقتصادية في السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة في العديد من الدول.