استقلال الفيدرالي.. ركيزة استقرار الاقتصاد الأمريكي
أنهت وزارة العدل الأمريكية تحقيقها الجنائي في مزاعم تتعلق برئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) جيروم باول.
الخطوة بحسب تقارير إعلامية، تزيل عقبة رئيسية كانت تعرقل مسار تثبيت المرشح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وكان التحقيق يركز على اتهامات تتعلق بتجاوزات في تكاليف مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، والذي قُدرت تكلفته بنحو 2.5 مليار دولار. إلا أن تطورات القضية أظهرت غياب أدلة كافية على وجود مخالفات جنائية، حيث أشارت قرارات قضائية سابقة إلى "عدم وجود أدلة تقريبًا" تدعم الاتهامات.
وبحسب تقرير نشره موقع Decrypt ، أدى قرار وزارة العدل بإنهاء التحقيق إلى إزالة سبب رئيسي كان يدفع بعض أعضاء مجلس الشيوخ، وعلى رأسهم السيناتور الجمهوري توم تيليس، إلى تعطيل التصويت على ترشيح وارش. وكان تيليس قد ربط موافقته على المضي في إجراءات التثبيت بانتهاء التحقيق بشكل كامل.
جولة في عقل رئيس «الفيدرالي الأمريكي» القادم.. توجهات تغير اقتصاد العالم
كما أوضح التقرير أن إحالة الملف إلى مكتب المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي قد تتيح استمرار مراجعة مستقلة للموضوع دون طابع جنائي، مع إمكانية إعادة فتح التحقيق إذا ظهرت معطيات جديدة.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التطور إلى تسريع عملية التصويت في مجلس الشيوخ على تعيين وارش، وسط انقسام سياسي حول استقلالية البنك المركزي، حيث يرى مؤيدون أن الخطوة تعيد الاستقرار للعملية التنظيمية، بينما يعتبرها معارضون جزءًا من صراع سياسي أوسع حول السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.
نهج قديم
وفي السياق ذاته، اعتبر تحليل نشره موقع "تشيس" أن استقلال الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها استقرار الاقتصاد في الولايات المتحدة، حيث مكّنه هذا الاستقلال من اتخاذ قرارات نقدية بعيدة عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل، بما يعزز السيطرة على التضخم ويدعم النمو المستدام.
ووفقا للتحليل، ترجع جذور هذا الاستقلال إلى اتفاق تاريخي عُرف باسم Treasury-Fed Accord of 1951، والذي أنهى تبعية البنك المركزي لوزارة الخزانة الأمريكية.
وقبل هذا الاتفاق، كان البنك المركزي يعمل بشكل كبير تحت توجيهات وزارة الخزانة، حيث كان دوره يقتصر على دعم سياسات تمويل الدين الحكومي، حتى لو تعارض ذلك مع استقرار الأسعار. لكن مع ارتفاع معدلات التضخم بعد الحرب العالمية الثانية، برزت الحاجة إلى فصل السياسة النقدية عن الاعتبارات السياسية، وهو ما تحقق في عام 1951.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الاحتياطي الفيدرالي مسؤولًا عن إدارة أدواته النقدية، مثل أسعار الفائدة، بهدف تحقيق ما يُعرف بـ"التفويض المزدوج" الذي حدده الكونغرس، والمتمثل في تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار.
أهمية الاستقلال
وتكمن أهمية استقلال الاحتياطي الفيدرالي في قدرته على اتخاذ قرارات غير شعبية، مثل رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، حتى لو كان لذلك تأثير سلبي قصير الأجل على النمو أو معدلات التوظيف. فالحكومات، بطبيعتها، تميل إلى تفضيل سياسات توسعية مثل خفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد، خاصة في الفترات الانتخابية، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية على المدى الطويل.
كما أن الطبيعة الفنية المعقدة للسياسة النقدية، التي تتطلب استجابة سريعة ودقيقة للتغيرات الاقتصادية، تجعل من الضروري أن تكون هذه القرارات بيد جهة مستقلة تعتمد على البيانات والتحليل، وليس على الاعتبارات السياسية.
وأثبت نموذج الاحتياطي الفيدرالي المستقل نجاحه على مدى أكثر من 7 عقود في الولايات المتحدة، حيث ارتبط هذا الاستقلال بانخفاض معدلات التضخم وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي. كما ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين، ودعم قوة العملة، وتحفيز نمو الأسواق المالية.
فعلى سبيل المثال، عندما ترتفع معدلات التضخم فوق المستويات المستهدفة، يلجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة للحد من الطلب وكبح الضغوط السعرية، كما حدث خلال عام 2022، في خطوة ساعدت على إعادة التوازن للاقتصاد رغم آثارها المؤقتة على النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، يحذر خبراء الاقتصاد من تداعيات خطيرة في حال فقدان البنك المركزي استقلاله، حيث قد تصبح السياسة النقدية أداة في يد الحكومة لتحقيق أهداف قصيرة الأجل، مثل تحفيز النمو أو خفض البطالة، دون مراعاة الآثار طويلة الأجل.
وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، وزيادة التقلبات في الأسواق المالية، فضلًا عن تآكل ثقة المستثمرين.